
انتخبت حركة حماس، أمس الاثنين، القيادي خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي للحركة، خلفاً ليحيى السنوار الذي قُتل في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وذلك بعد انتخابات داخلية استمرت عدة أشهر وحُسمت بفارق صوت واحد أمام رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل.
ويأتي انتخاب الحية في لحظة مفصلية بالنسبة للحركة، التي تواجه تحديات سياسية وعسكرية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب استمرار مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وإعادة ترتيب هياكلها القيادية بعد سلسلة من الاغتيالات التي استهدفت الصف الأول من قادتها.
وجاء في بيان الحركة أن “إنجاز هذا الاستحقاق في هذه اللحظة بالذات… وسط تواصل العدوان والاستهداف الممنهج لقيادات الحركة وكوادرها… ليس تفصيلاً إجرائياً يمرّ عرضاً، بل تأكيد أن حماس حركة تحكمها مؤسساتها وشوراها، وتنضبط بنظمها ولوائحها”
ويُعد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أعلى مسؤول في القيادة التنفيذية والسياسية للحركة، ويتولى رسم توجهاتها العامة وإدارة سياساتها الداخلية والخارجية، كما يمثل واجهتها السياسية في المحافل الإقليمية والدولية.
ويتولى رئيس المكتب السياسي الإشراف على إدارة شؤون الحركة اليومية والاستراتيجية، وتنفيذ قرارات مجلس الشورى العام، إلى جانب قيادة العلاقات الخارجية وإدارة المفاوضات والوساطات السياسية، والمشاركة في تحديد المواقف المتعلقة بالقضايا الوطنية والاتفاقات والهدن وملفات الأسرى، فضلاً عن تنسيق العمل بين أذرع الحركة في قطاع غزة والضفة الغربية والخارج بما يحافظ على وحدة القرار السياسي.
ويُنتخب رئيس المكتب السياسي وأعضاء المكتب بشكل دوري عبر اقتراع سري يجريه مجلس الشورى العام، الذي يضم ممثلين عن مختلف مناطق وجود الحركة وقياداتها.
ويُنظر إلى الحية بوصفه أحد أكثر قيادات حماس نفوذاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحول من نائب ليحيى السنوار في قطاع غزة إلى كبير مفاوضي الحركة ورئيس وفدها في محادثات وقف إطلاق النار، قبل أن يصبح اليوم رئيساً للمكتب السياسي، منهياً مرحلة القيادة الجماعية التي أعقبت مقتل السنوار.
اقرأ أيضاً
ارتفاع حصيلة الحرب الإسرائيلية على غزة إلى 73 ألفا و283 قتيلا
من القيادة المؤقتة إلى رئاسة الحركة
شهدت قيادة حماس تغيرات متسارعة خلال العامين الماضيين. فبعد اغتيال رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية في طهران خلال تموز/يوليو 2024، تولى يحيى السنوار قيادة الحركة، قبل أن يُقتل هو الآخر بعد أشهر في عملية إسرائيلية داخل قطاع غزة.
وأمام الفراغ القيادي، لجأت الحركة إلى تشكيل مجلس قيادة مؤقت ضم خمسة من كبار قادتها، هم محمد درويش، وخليل الحية، وخالد مشعل، وزاهر جبارين، ونزار عوض الله، لإدارة الملفات السياسية والتنظيمية والعسكرية، والإشراف على مفاوضات وقف إطلاق النار خلال الحرب.
واعتبر متابعون للشأن الفلسطيني أن هذا النموذج عكس قدرة الحركة على الحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية رغم الضربات الإسرائيلية المتلاحقة، قبل أن تحسم الانتخابات الداخلية اختيار خليل الحية لقيادة المكتب السياسي، في خطوة تنقل الحركة من مرحلة الإدارة الجماعية إلى قيادة منتخبة ذات صلاحيات كاملة.
من هو خليل الحية؟
ولد خليل إسماعيل الحية في مدينة غزة في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1960، ونشأ في بيئة تأثرت بالاحتلال الإسرائيلي وتداعيات نكسة عام 1967. وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يكون من الأعضاء المؤسسين لحركة حماس مع انطلاقها عام 1987.
حصل الحية على درجة البكالوريوس في أصول الدين من الجامعة الإسلامية في غزة، ثم نال درجة الماجستير في السنة وعلوم الحديث من الجامعة الأردنية، قبل أن يحصل على الدكتوراه في التخصص ذاته من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في السودان.
وبدأ مسيرته الأكاديمية معيداً في الجامعة الإسلامية، ثم تدرج في مواقعها الإدارية حتى أصبح عميداً لشؤون الطلبة، كما تولى رئاسة نقابة العاملين في الجامعة، قبل أن يتفرغ للعمل السياسي والتنظيمي داخل الحركة.
سياسياً، انتُخب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 عن قائمة “التغيير والإصلاح”، وترأس الكتلة البرلمانية لحماس، كما شغل رئاسة مكتب العلاقات العربية والإسلامية، وعضوية المكتب السياسي، ثم أصبح نائباً ليحيى السنوار في قيادة الحركة داخل قطاع غزة.
9 قتلى بقصف إسرائيلي استهدف نازحين ومنازل سكنية في مدينة غزة
كبير مفاوضي حماس
برز اسم الحية بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعدما تولى رئاسة وفد حماس في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وأصبح كبير مفاوضي الحركة في الاتصالات مع الوسطاء، ولا سيما مصر وقطر والولايات المتحدة.
وخلال الأشهر الماضية، كان الحية الواجهة السياسية الأكثر حضوراً في بيانات الحركة وتصريحاتها المتعلقة بالمفاوضات، كما قاد جولات التفاوض التي تناولت اتفاقات الهدنة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وصفقات تبادل الأسرى، الأمر الذي عزز مكانته داخل مؤسسات الحركة، وجعله أحد أبرز المرشحين لخلافة السنوار.
اعتقالات ومحاولات اغتيال وخسائر عائلية
تعرض الحية للاعتقال ثلاث مرات لدى إسرائيل، كان أبرزها عام 1991، حيث أمضى نحو ثلاث سنوات في السجن، وكان حينئذ نائب رئيس مجلس طلبة الجامعة الإسلامية ونائب رئيس الحركة الإسلامية، كما تعرض للتعذيب خلال فترات اعتقاله، وفق مصادر فلسطينية.
كما نجا من عدة محاولات اغتيال، أبرزها عام 2007 عندما استهدفت غارة إسرائيلية منزل عائلته، ما أدى إلى مقتل سبعة من أقاربه، بينهم شقيقاه وعدد من أبناء إخوته.
ولم تقتصر خسائره على ذلك، إذ فقد أربعة من أبنائه في هجمات إسرائيلية متعاقبة؛ فقُتل نجله حمزة عام 2008، القائد الميداني في “كتائب القسام ثم ابنه الأكبر أسامة مع زوجته وثلاثة من أطفاله خلال حرب عام 2014، في حين قُتل نجله همام في استهداف لمقر وفد الحركة المفاوض في الدوحة عام 2025، ولحق به نجله عزام الذي توفي متأثراً بإصابته من جراء قصف إسرائيلي على مدينة غزة عام 2026.
ويعكس انتخاب خليل الحية انتقال قيادة حماس إلى شخصية تجمع بين الخبرة التنظيمية، والحضور السياسي، والخبرة التفاوضية، في وقت تواجه فيه الحركة تحديات معقدة تتعلق بمستقبل الحرب على غزة، ومسار المفاوضات، وإعادة ترتيب مؤسساتها الداخلية بعد واحدة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخها.
المصدر: تلفزيون سوريا






