زيارة نواف سلام إلى أنقرة.. لماذا تغيّر الحساب اللبناني؟

صهيب جوهر

لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى أنقرة مجرد محطة دبلوماسية في إطار إعادة ترتيب العلاقات اللبنانية – التركية، والتي أفسدتها انحيازات لبنانية متطرفة لمشاريع أخرى، ولا زيارة هدفها الحصول على دعم اقتصادي أو عسكري في مواجهة الأزمة التي يعيشها لبنان.

فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية تتغير فيها موازين القوى بسرعة، وتُعاد فيها صياغة شبكة التحالفات والمصالح التي ستحدد شكل المشرق خلال السنوات المقبلة. ولذلك، يصعب فصلها عن التحولات التي شهدتها سوريا، أو عن إعادة التموضع العربي تجاه دمشق، أو عن التنافس المتصاعد في شرق المتوسط، أو حتى عن الضغوط الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

فالشرق الأوسط الذي عرفه لبنان طوال العقدين الماضيين يتبدل بصورة متسارعة. سوريا لم تعد كما كانت، والنفوذ الإيراني الذي شكّل أحد أعمدة التوازنات الإقليمية يمر بمرحلة إعادة تموضع، في حين تعمل تركيا على تثبيت نفسها لاعباً رئيسياً في المشرق، ليس فقط من خلال حضورها العسكري والأمني، بل عبر مشروع سياسي واقتصادي يمتد من شمالي سوريا إلى شرقي المتوسط، ويستند إلى شبكة علاقات متينة مع قطر والسعودية ومصر، بالتوازي مع محاولات تطوير شراكاتها مع أوروبا في مجالات الطاقة والصناعات الدفاعية والبنية التحتية.

وسط هذا المشهد، لم يعد لبنان قادراً على إدارة سياسته الخارجية وفق المقاربات التقليدية التي حكمتها خلال السنوات الماضية. فالدولة التي كانت تنظر إلى تركيا بوصفها لاعباً بعيداً نسبياً عن الساحة اللبنانية، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، حيث أصبحت أنقرة تمتلك تأثيراً مباشراً في سوريا، وتحاول أن تتحول إلى شريك أساسي في رسم الترتيبات الأمنية والاقتصادية في شرق المتوسط.

ومن هنا، بدت زيارة سلام أقرب إلى محاولة لاستكشاف موقع لبنان داخل هذه التوازنات الجديدة، أكثر منها مجرد زيارة ثنائية بين دولتين، لكن هذا التحول لا يحظى بإجماع داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، تعامل جزء من الطبقة السياسية، إلى جانب شخصيات ومستشارين داخل دوائر القرار، بحذر شديد مع أي انفتاح واسع على دمشق الجديدة، وامتد هذا الحذر تلقائياً إلى تركيا، باعتبارها الداعم الإقليمي الأكثر تأثيراً في السلطة السورية الجديدة.

وسط هذا المشهد، لم يعد لبنان قادراً على إدارة سياسته الخارجية وفق المقاربات التقليدية التي حكمتها خلال السنوات الماضية. فالدولة التي كانت تنظر إلى تركيا بوصفها لاعباً بعيداً نسبياً عن الساحة اللبنانية، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، حيث أصبحت أنقرة تمتلك تأثيراً مباشراً في سوريا، وتحاول أن تتحول إلى شريك أساسي في رسم الترتيبات الأمنية والاقتصادية في شرق المتوسط.

ولا يرتبط هذا التوجس فقط بإرث العلاقة اللبنانية – السورية وما تركه من حساسيات سياسية، بل أيضاً بوجود خشية لدى بعض الأوساط من أن يؤدي تنامي الدور التركي إلى إعادة إنتاج شكل جديد من النفوذ الخارجي، أو إلى إدخال لبنان في اصطفافات إقليمية ما يزال قسم من النخبة السياسية يفضل الابتعاد عنها.

ولم يبقى هذا التردد في إطار المواقف السياسية، بل انعكس على عدد من الملفات الاستراتيجية. ففي شرق المتوسط، فضّل لبنان المضي في تثبيت تفاهماته البحرية مع قبرص ضمن المقاربة التي اعتمدها خلال السنوات الماضية، من دون فتح نقاش سياسي موازٍ مع أنقرة أو دمشق، رغم أن تركيا أصبحت طرفاً أساسياً في معادلات المتوسط، ورغم أن الحدود البحرية اللبنانية – السورية لم تُحسم بصورة نهائية.

صحيح أن لكل دولة الحق في إدارة مفاوضاتها بما يتفق مع مصالحها وسيادتها، إلا أن تجاوز الدورين التركي والسوري في ملف بهذه الحساسية عكس وجود تردد داخل بعض دوائر الدولة في الذهاب نحو انفتاح سياسي أوسع على هاتين العاصمتين.

غير أن الوقائع الإقليمية بدأت تفرض نفسها على الحسابات اللبنانية. فتركيا لم تعد مجرد دولة مجاورة لسوريا، بل أصبحت شريكاً أساسياً في إعادة بناء مؤسساتها، كما نجحت في إعادة تموضعها داخل الإقليم عبر شبكة تفاهمات تمتد من الخليج إلى شمال أفريقيا.

وبالنسبة إلى أنقرة، لا يمكن فصل استقرار لبنان عن استقرار سوريا، ولا يمكن الحديث عن مشاريع نقل أو طاقة أو تجارة في المشرق من دون أن يكون لبنان جزءاً منها، سواء عبر مرافئه أو موقعه الجغرافي أو دوره في شرق المتوسط.

من هنا، تكتسب زيارة سلام معناها الحقيقي. فهي لا تعني أن لبنان قرر الانتقال من محور إلى آخر، ولا أنها تمثل انقلاباً في خياراته التقليدية، بقدر ما تعكس إدراكاً متزايداً بأن تجاهل تركيا لم يعد سياسة قابلة للاستمرار. فالدول لا تبني علاقاتها على ذاكرة الصراعات فقط، بل على قراءة موازين القوى ومصالحها الوطنية.

وإذا كانت أنقرة تتحول تدريجياً إلى أحد أبرز اللاعبين في سوريا وشرق المتوسط، فإن من الطبيعي أن يسعى لبنان إلى بناء علاقة مستقرة معها، شرط أن تقوم على الندية واحترام السيادة والمصالح المشتركة، لا على التبعية أو الاستقواء، وهي معادلة ستختبرها بيروت في المرحلة المقبلة مع ازدياد التنافس على مستقبل المشرق.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى