
لم تعد المواجهة الأخيرة والعودة للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة عسكرية عابرة في سلسلة الصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، بل تحولت إلى محطة مفصلية أعادت رسم كثير من الحسابات الاستراتيجية، فالنتائج السياسية للحروب غالباً ما تكون أكثر أهمية من نتائجها العسكرية، وما يحدث اليوم يوحي بأن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تختلف في قواعدها عن كل ما سبقها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ فهذا أمر لا يختلف عليه أحد بالنظر إلى الفارق في القدرات العسكرية التقليدية. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع واشنطن فرض نظام أمني جديد في الخليج يتجاهل إيران أو يتجاوزها؟ حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي.
لقد أثبتت الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لتغيير الجغرافيا والضربات الجوية وحدها لا تسيطر على الأرض، هي فقط لتحسين التفاوض بأحسن الأحوال، أو إعادة تشكيل موازين الردع. فإيران خرجت من المواجهة وهي أكثر اقتناعاً بأن أمنها القومي يبدأ من الخليج العربي ومضيق هرمز، وأن أي تسوية مستقبلية لن تكون مقبولة إذا أعادت البيئة الأمنية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وهنا تكمن العقدة الأساسية.
لا يمكن إغفال العامل الجغرافي في هذه المعادلة، فالجغرافيا ليست مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل عنصر حاسم في صناعة القوة، ومضيق هرمز سيبقى ملاصقاً لإيران مهما تبدلت الإدارات الأميركية أو تبدلت التحالفات الدولية..
فالخلاف الحقيقي بين واشنطن وطهران لا يتعلق بحرية التجارة الدولية، لأن إيران تدرك قبل غيرها أن الاقتصاد العالمي يعتمد على استمرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وأن إغلاقه الكامل سيضر بها كما يضر بخصومها. إنما يتمحور الخلاف حول طبيعة الاستخدام العسكري لهذا الممر الحيوي، وحول قدرة الولايات المتحدة على إبقاء خطوط الإمداد العسكرية مفتوحة كما كانت في السابق، وهو البند الخامس في الاتفاق الذي يؤكد على حرية السفن التجارية ولم تذكر السفن العسكرية.
من وجهة النظر الإيرانية، لم يعد مقبولاً أن تتحول الممرات البحرية إلى جسور دائمة لنقل الأسلحة والأنظمة الدفاعية والقوات التي يمكن أن تُستخدم في أي مواجهة مستقبلية ضدها، لذلك يبدو أن طهران تتجه إلى ترسيخ معادلة جديدة تقوم على الفصل بين الملاحة التجارية التي لا تعارضها، والملاحة العسكرية التي تعتبرها امتداداً مباشراً للصراع، وهذا تحديداً ما يجعل العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب أمراً بالغ الصعوبة.
فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى ضمان حرية الملاحة بمفهومها القانوني، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة هامش الحركة العسكرية الذي يمنحها القدرة على دعم قواعدها وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، أما إيران، فتعتبر أن السماح بعودة هذا الواقع يعني عملياً إعادة إنتاج الظروف التي قادت إلى الحرب، وهو ما ترفضه بشكل قاطع.
لذلك، فإن أي مفاوضات مقبلة لن تكون حول النووي وحده، بل ستكون في جوهرها مفاوضات حول خرائط النفوذ وأمن الخليج قواعد الاشتباك الجديدة.
اللافت أن الحرب، التي كان يُفترض أن تُضعف إيران، دفعتها –وفق هذه القراءة- إلى ترسيخ موقعها لاعباً لا يمكن تجاوزه، فبدلاً من فرض وقائع جديدة عليها، أصبحت الولايات المتحدة مضطرة إلى التفكير في كيفية التعامل مع الوقائع التي فرضتها إيران على الأرض.
ولا يمكن إغفال العامل الجغرافي في هذه المعادلة، فالجغرافيا ليست مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل عنصر حاسم في صناعة القوة، ومضيق هرمز سيبقى ملاصقاً لإيران مهما تبدلت الإدارات الأميركية أو تبدلت التحالفات الدولية، ولهذا السبب، فإنّ أي مشروع يتحدث عن تجاوز الدور الإيراني أو استبداله بقوة دولية أخرى يصطدم أولاً بحقائق الجغرافيا قبل أن يصطدم بالسياسة.
قد تستطيع الولايات المتحدة زيادة وجودها العسكري، أو حشد تحالفات بحرية، أو توسيع مظلة حلف شمال الأطلسي في المنطقة، لكنها لن تستطيع تغيير حقيقة أن أمن المضيق يرتبط، بشكل أو بآخر، بالتفاهم مع إيران، أما محاولة فرض ترتيبات أحادية بالقوة، فقد أثبتت التجارب أنها تفتح الباب أمام دورات جديدة من التصعيد دون أن تحقق استقراراً دائماً.
من هنا، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى صراع إرادات منها إلى حرب شاملة. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة ستكون مكلفة، وإيران تدرك بدورها أن الحفاظ على مكاسب الردع أهم من الذهاب إلى حرب استنزاف مفتوحة، وبين الإدراكين، تتشكل مساحة واسعة للمساومات السياسية، وإن كانت صعبة ومعقدة.
لكن ذلك لا يعني أن المنطقة تتجه نحو هدوء كامل، فإسرائيل تبقى العامل الأكثر قابلية لإشعال مواجهة جديدة، سواء بشكل مباشر أو عبر ساحات الاشتباك الإقليمية، وفي المقابل، يبدو أن إيران تعمل على تعزيز جاهزيتها العسكرية والسياسية، انطلاقاً من قناعة بأن أي مواجهة مقبلة ستكون مختلفة عن سابقاتها، وأن امتلاك أوراق القوة قبل اندلاعها هو الضمانة الأساسية لتحديد نتائجها.
هناك صراع خفي في المنطقة وربما عودة الصراع يكون من أسبابه، وهو الخط التجاري الذي يمتد من الدمام في المملكة العربية السعودية إلى الأردن وسوريا فتركيا وأوروبا، وهذا لا تريده إسرائيل بل تريد الخط الهندي عبر الخليج إلى إسرائيل إلى أوروبا..
الخلاصة أن الحرب الأخيرة لم تُنهِ الصراع، لكنها غيّرت قواعده، وما يجري اليوم ليس صراعاً على مضيق هرمز فحسب، بل صراع على من يملك حق رسم النظام الأمني الجديد في الخليج، وفي النهاية، قد تستطيع واشنطن تأجيل الاعتراف بهذه الحقيقة، لكنها لن تستطيع تجاهلها إلى الأبد، فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى تستطيع كسب الحروب، لكنها لا تستطيع دائماً فرض السلام بالشروط التي تريدها، أما في الخليج، فإن الجغرافيا والسياسة والردع باتت تقول شيئاً واحداً: لا أمن دائماً دون تفاهم، ولا تفاهم دائم في المنطقة من دون التفاهم مع المسيطر على المضيق.
وإنّ هناك صراعاً خفياً في المنطقة وربما عودة الصراع يكون من أسبابه، وهو الخط التجاري الذي يمتد من الدمام في المملكة العربية السعودية إلى الأردن وسوريا فتركيا وأوروبا، وهذا لا تريده إسرائيل بل تريد الخط الهندي عبر الخليج إلى إسرائيل إلى أوروبا، ولذلك هي تقوم باستفزازات واحتلالات في الجنوب السوري وسيطرت على 800 كم مربع ووضعت ثماني قواعد عسكرية في المنطقة.
وعلى إثر ذلك، توترت العلاقة والتصريحات بين تركيا وإسرائيل، وأعتقد نحن ذاهبون إلى صراع إرادات في المنطقة من سيثبت تصوره ومصلحته، ولهذا فكرة اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل ستكون متعذرة وغير ممكنة في الظرف الحالي، فإسرائيل تريد قطع الطريق من خلال الجنوب السوري وما تقوم به هناك، كما تريد الحفاظ على ما سيطرت عليه، وموضوع السويداء كما هو مرتبط بإسرائيل.
المصدر: تلفزيون سوريا






