حرب المضائق تستعر: نهج “الاحتواء” التركي مَخرج لطهران والحزب

  منير الربيع

من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، تعود المنطقة إلى إيقاع التصعيد. قد تكون الحرب التي لا يريدها أحد، أو يريدها كثيرون، لكنها إن اندلعت فحتماً ستكون مختلفة عن الحروب السابقة، أشمل وأوسع. منذ اليوم الأول لدخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحرب على إيران، كان يسعى إلى إنشاء تحالف دولي لتنفيذ المهمة، لكنه لم ينجح بذلك. أما الدول التي سعت إلى تلافي الحرب ولا سيما دول الخليج العربي فإن طهران اعتدت عليها وتكاد هذه الاعتداءات تصل إلى حد “الاستعداء”. وفي موازاة إعلان ترامب عن سعيه للسيطرة على مضيق هرمز وإعادة فرض الحصار على إيران، برز تطور على جبهة اليمن، من خلال القصف الذي نفذته الحكومة اليمنية المدعومة من المملكة العربية السعودية لمدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه. ذلك يمكنه أن يدفع إيران إلى السعي بالتعاون مع الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب وتنشيط التحركات في البحر الأحمر.

سيطرة مطلقة

يرتبط التصعيد والحرب بحسابات عديدة، أهمها “الرؤية الأميركية” للتوازنات العالمية. فواشنطن لديها تصور استراتيجي تعمل على بنائه، يقوم على توسيع نفوذها وزيادة حلفائها وساحاتها والممرات التي تسيطر عليها لمواجهة الصين أو تطويقها، في هذا السياق يُفهم استهداف أميركا لخط سكة الحديد التي تربط إيران بروسيا والصين وتستخدم لتصدير النفط الإيراني إليهما، وتريد واشنطن أن تكون هي صاحبة السيطرة على ممرات النفط والغاز والتجارة، وصاحبة النفوذ الأوحد في الشرق الأوسط. تريد أميركا سيطرة مطلقة على بحر الخليج العربي، ومضيق هرمز، كما تريد السيطرة على شرق البحر المتوسط، في مكان ما بالتفاهم والتنسيق مع إسرائيل، وفي مكان آخر بالتفاهم والتنسيق مع تركيا، وبذلك ستكون أميركا هي المتحكمة بكل ممرات الطاقة خصوصاً باتجاه الصين أو أوروبا.

ماذا في الناتو؟

لقراءة المجريات والتطورات، لا بد من العودة بضعة أيام إلى الوراء، حيث عقدت قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا. هناك سعى ترامب إلى تعزيز التحالف أو التعاون بين عدد من دول الحلف لتطويق إيران أكثر، ولفتح مضيق هرمز، كذلك بحث ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وضع المنطقة ولا سيما المشرق العربي، انطلاقاً من سعي أميركي لتعزيز التحالف بين تركيا ودول الخليج مروراً بالمشرق العربي ولا سيما سوريا، لبنان وكذلك العراق. لا بد من الانتظار لاكتشاف ما جرى في قمة الناتو وما تقرر، وكيف ستكون انعكاساته على وضع المنطقة.

السعودية والتفاهمات

بعض الملاحظات التي لا يمكن إغفالها أيضاً، هي تطورات الوضع في اليمن، وعودة التصعيد من قبل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، ذلكَ لا ينفصل عن سياق الردّ على الضربات الإيرانية، وما يجب التوقف عنده أيضاً، هو غياب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن قمة السبع في فرنسا، وعن قمة الناتو. إذ إنَّ كل المؤشرات كانت تفيد بوجود اختلاف مع الأميركيين، وهو ما جرى العمل على معالجته عبر مساعٍ عديدة، بدأت بلقاء بين السفيرة السعودية في أميركا ريما بنت بندر بن سلطان آل سعود بوزير الخارجية ماركو روبيو، استكمل باتصال بين روبيو ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وصولاً إلى الاتصال الهاتفي الذي جرى بين ترامب وبن سلمان، الذي بالتأكيد خلص إلى تفاهمات حول بعض النقاط والملفات.

سيناريوهان

تعود الأمور إلى مسارين، إما نجاح الوساطات ومحاولات لجم التصعيد ووقف الحرب. وإما الدخول في مواجهة واسعة مختلفة عن السابق. المؤشرات حتى الآن لا تفيد بتوفر مقومات الوصول إلى اتفاق، وسط اقتناع على مستوى المنطقة بأن أميركا لن تتراجع وتسحب كل جحافلها إن لم تحقق ما تريده من نتائج في إيران، فهي تريد تحقيق أهدافها إما باتفاق وإمّا باستئناف الحرب التي بحسب كثير من المعلومات التي يجري التداول بها، ستنطوي على ضربات واسعة بما فيها استهداف البنى التحتية. طبعاً مسألة السيطرة على مضيق هرمز أميركياً تحتاج إلى معركة كبيرة جداً، وتبقى غير مضمونة النتائج، فيما من بين الاحتمالات القائمة هو عودة الأميركيين للتفكير بتنفيذ عمليات إبحار أو إنزالات في جزيرة خارج، أو قشم أو غيرهما. بعض المؤشرات الديبلوماسية تفيد بأن روبيو وخلال لقاءات عقدها مع مسؤولين في المنطقة تحدث أمامهم عن سيناريوهات متعددة بما فيها عودة الحرب على نحو أوسع بعد انتهاء مهلة الستين يوماً.

حسابات إسرائيل

إسرائيل إحدى أكثر الدول الساعية لعودة الحرب، وتنتهز أي فرصة للانخراط فيها مجدداً، فإن توافرت لها الظروف حتماً ستنخرط، وهو ما سيكون له انعكاس على لبنان، خصوصاً أن كل التصريحات الإسرائيلية تشير إلى ضرورة التعاون مع الدولة اللبنانية ضد حزب الله، ولو اقتضى ذلك بالنسبة إلى تل أبيب الارتكاز على أي اتفاق مع لبنان لتجديد الحرب ضد الحزب. هنا يبقى لبنان معولاً على الأميركيين في محاولة لمنع التصعيد وإنجاح مسار المناطق التجريبية، إلا أن إسرائيل لديها حسابات أخرى، وهي فرض مناطق تجريبية على الجيش بلا انسحاب والإصرار على تنفيذ عملية علي الطاهر.

الرؤية التركية

أما تركيا فإحدى أكثر الدول التي ترفض تجدد الحرب، وهي التي تعتبر أن كل المتغيرات تصب في مصلحتها وانطلاقاً من العلاقة القوية مع إدارة ترامب، فهي تطرح نفسها الطرف القادر على البحث عن حلول واتفاقات، أولاً مع إيران، وثانياً من خلال تحسين علاقاتها بأوروبا، وثالثاً من خلال تعزيز وضعيتها في سوريا، العراق ولبنان. وهنا لا بد من انتظار نتائج زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن التي سيتم البحث فيها بكيفية مواصلة تطويق نفوذ إيران في العراق، وتعزيز التعاون مع سوريا على مستويات مختلفة. مسارات العراق أكثر من يزعج الإيرانيين في هذه المرحلة. وهنا لا بد من انتظار كيف ستتعامل طهران مع قرارات الحكومة العراقية.

لبنان في الصورة

أما لبنان، فقد دخل بانفتاح جديد على أنقرة، من زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون. ولا يمكن لهذه الزيارات أن تحصل من دون تنسيق مع الأميركيين ومع دول عربية. وما تطرحه أنقرة هو الاحتواء، أولاً للحرب مع إيران وعدم تجددها، وثانياً لنفوذ إيران في المنطقة. إلى جانب سعي أنقرة لضمان استقرار سوريا وجعلها البديل الأساسي لمضيق هرمز وباب والمندب واعتمادها كمساحة جغرافية توفر كل مقومات التقاطع بين الخليج، المشرق العربي، والبحر المتوسط وصولاً إلى تركيا وأوروبا.

نصائح لحزب الله

هنا أيضاً، تحرص تركيا على ضمان تنسيق كل من سوريا، العراق ولبنان، وعدم حصول أي صدام بين هذه الدول لأن أي صدام سيؤدي إلى خسارة الاستقرار وضرب المشروع الذي تعمل عليه وتقنع الأميركيين به. في هذا السياق، برز الدور الأساسي لأنقرة وأردوغان في مساعدة سوريا على مواجهة الضغوط الأميركية لعدم التدخل في لبنان ضد حزب الله، وللعمل وفق منطق تعزيز العلاقة مع الدولة اللبنانية، وضبط الحدود، ومنع التهريب، في مقابل إقناع إيران وحزب الله بالبحث عن حلول سياسية بدلاً من الإصرار على الصراع أو التمسك بالسلاح، وهذا العنوان الذي ستعمل عليه أنقرة في المرحلة المقبلة في لبنان، انطلاقاً من علاقتها مع إيران ودورها في العراق وسوريا، وهذا ما تريده دمشق؛ أي الوصول إلى حلول سياسية. وجزء من المساعي قد يصل إلى حد توجيه نصائح لحزب الله بعدم الانخراط في أي حرب قد تتجدد على إيران، على غرار العراق، ذلكَ لتفادي اتساع الحرب في لبنان والدخول في نكبة جديدة.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى