عندما يتحول النقد إلى تحريض

عصام اللحام

لسنا هنا بصدد مناقشة مادة صحفية بعينها، ولا الدخول في سجال حول عنوان أو معالجة خبرية. فالاختلاف حول العمل الإعلامي أمر طبيعي، والنقد حق مكفول للجميع، سواء صدر عن مسؤول أو عن مؤسسة أو عن الجمهور نفسه.

لكن ما يستحق التوقف عنده هو ما يحدث عندما يغادر النقاش حدود المحتوى المنشور، لينتقل إلى التشكيك بالنوايا والاصطفافات والانتماءات المفترضة.

في أعقاب تغطية أحداث أمنية تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا، لم يتركز الجدل على الوقائع أو المعلومات أو المعالجة الصحفية بقدر ما انصرف إلى توصيف المؤسسة الإعلامية نفسها، والتلميح إلى أهدافها ودوافعها، وصولاً إلى اتهامها بالإضرار بأمن البلاد أو سمعتها.

هنا لا يعود الأمر مجرد نقد مهني.

فمن حق أي مسؤول أن يعترض على ما يُنشر، ومن حقه أن يدافع عن وجهة نظره، بل ومن واجبه أيضاً أن يرد على ما يراه معلومات غير دقيقة. لكن هذا الحق يتوقف عند اللحظة التي يتحول فيها الاعتراض على مادة إعلامية إلى تشكيك في وطنية المؤسسة التي نشرتها أو في نيات العاملين فيها.

تزداد خطورة الأمر عندما تصدر مثل هذه الرسائل عن شخصيات تشغل مواقع رسمية أو تتمتع بنفوذ عام، فالكلمات التي تخرج من مواقع السلطة لا تُستقبل بوصفها آراء عابرة، بل باعتبارها إشارات تحمل وزناً وتأثيراً يتجاوزان حدود منشور أو تصريح عابر.

الفرق كبير بين القول إن وسيلة إعلامية أخطأت في التقدير أو المعالجة، وبين الإيحاء بأنها تتعمد الإساءة إلى الدولة أو تعمل ضد مصالحها.

الأولى ملاحظة مهنية قابلة للنقاش والرد والتفنيد.

أما الثانية فاتهام سياسي وأخلاقي يفتح الباب أمام حملات التخوين والتشهير والاستهداف.

وتزداد خطورة الأمر عندما تصدر مثل هذه الرسائل عن شخصيات تشغل مواقع رسمية أو تتمتع بنفوذ عام، فالكلمات التي تخرج من مواقع السلطة لا تُستقبل بوصفها آراء عابرة، بل باعتبارها إشارات تحمل وزناً وتأثيراً يتجاوزان حدود منشور أو تصريح عابر.

والأخطر أن يتحول هذا الخطاب إلى مناخ عام يمنح الشرعية لمحاكمة المؤسسات الإعلامية على أساس النوايا والانطباعات، بدلاً من محاسبتها على الوقائع والأخطاء الفعلية إن وجدت.

والأمر لا يتعلق بالسمعة فقط. فعندما تُقدَّم مؤسسة إعلامية للرأي العام باعتبارها جهة تعمل ضد الدولة أو تسعى للإضرار بها، فإن تداعيات ذلك قد تتجاوز حدود الجدل الإعلامي بكثير. فمثل هذا الخطاب قد ينعكس بصورة مباشرة على سلامة الصحفيين والعاملين فيها، وعلى قدرتهم على أداء عملهم بحرية وأمان، كما قد يؤثر على مصالح المؤسسة وعلاقاتها المهنية ومشاريعها وحقها الطبيعي في العمل دون ترهيب أو استهداف.

مثل هذا الخطاب قد ينعكس بصورة مباشرة على سلامة الصحفيين والعاملين فيها، وعلى قدرتهم على أداء عملهم بحرية وأمان

ولهذا فإن المسؤولية الملقاة على عاتق أصحاب المناصب والنفوذ لا تتوقف عند حدود ما يقصدونه من كلماتهم، بل تمتد أيضاً إلى النتائج التي يمكن أن تترتب عليها، فالكلمات التي تُطلق من موقع السلطة لا تبقى حبيسة المنشورات والخطابات، بل تتحول أحياناً إلى أحكام مسبقة ومبررات لدى البعض لممارسة الإقصاء أو التحريض أو الاستهداف.

لقد عانى السوريون طويلاً من ثقافة التصنيف، حيث كانت التهم تُوزع وفق الانتماءات المفترضة أكثر مما تُبنى على الحقائق، وكان من المفترض أن يكون الدرس الأهم من تلك التجربة هو حماية مساحة الاختلاف، لا إعادة إنتاج الأدوات ذاتها بأسماء جديدة.

الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى الإعلام المستقل، والإعلام المستقل لا يطلب حصانة من النقد، ما يحتاجه الطرفان هو الاحتكام إلى معيار واحد: مناقشة ما يُنشر، لا أصحاب من ينشرونه.

فحين يصبح الخلاف مع مادة إعلامية مدخلاً للتشكيك بمؤسسة كاملة، وحين يُستبدل النقاش المهني بخطاب التخوين والإقصاء، فإن القضية لا تعود مرتبطة بوسيلة إعلامية بعينها، بل بشكل المجال العام الذي يجري بناؤه.

هل نريد فضاءً يسمح بالاختلاف والتعددية وتعدد الأصوات؟

أم فضاء يُنظر فيه إلى كل صوت مستقل بوصفه مشكلة ينبغي إسكاتها أو التشكيك بها؟

لا يحتاج الإعلام المستقل إلى الحماية من النقد، لكنه يحتاج ـ كما يحتاج الجميع ـ إلى ألا يتحول النقد إلى تحريض، وألا تتحول السلطة من حكم بين المختلفين إلى طرف في حملة ضد أحدهم

إن المسافة بين النقد والتحريض ليست مجرد خلاف حول المصطلحات، بل هي المسافة الفاصلة بين دولة تتسع للرأي المختلف، وأخرى تنظر إليه باعتباره تهديداً.

وفي النهاية، لا يحتاج الإعلام المستقل إلى الحماية من النقد، لكنه يحتاج ـ كما يحتاج الجميع ـ إلى ألا يتحول النقد إلى تحريض، وألا تتحول السلطة من حكم بين المختلفين إلى طرف في حملة ضد أحدهم.

فحين يصبح المسؤول محرضاً، لا تكون المشكلة في مؤسسة إعلامية واحدة، بل في الفكرة التي يفترض أن تحمي الجميع: أن الاختلاف ليس تهديداً، وأن النقد ليس عداء، وأن الدولة القوية لا تحتاج إلى تخوين الأصوات المستقلة كي تثبت قوتها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى