
تستعد وزارة الداخلية السورية لبدء واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة الأمنية في شمال شرقي البلاد، عبر استيعاب أكثر من 9 آلاف عنصر من قوات “الأسايش” التابعة لـِ “الإدارة الذاتية” ضمن مديرية الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، في خطوة تأتي تنفيذاً للتفاهمات الموقعة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” مطلع العام الجاري.
وتطرح عملية الدمج جملة من التساؤلات المتعلقة بآلية استيعاب عناصر الأسايش، والرتب التي سيحصلون عليها، ومستوى الرواتب الجديدة، إضافة إلى كيفية توزيعهم على الوحدات الأمنية المختلفة بعد سنوات من العمل ضمن هيكل أمني مستقل عن الدولة السورية.
رسم الإطار العام
ويستند مسار الدمج إلى التفاهمات التي أبرمت بين الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، والتي شملت عدداً من الملفات السياسية والخدمية والأمنية، من بينها إعادة تنظيم المؤسسات الرسمية في محافظة الحسكة وتعزيز التنسيق بين الجانبين.
ووفق مراقبين، فإن عملية الاستيعاب لن تتم بصورة جماعية أو تلقائية، بل ستسبقها مقابلات أمنية وإدارية تهدف إلى تدقيق الملفات الشخصية والمهنية للعناصر، وتحديد الاختصاصات والخبرات التي يمتلكونها، بما يسمح بإعادة توزيعهم ضمن البنية التنظيمية الجديدة.
ويتوقع أن تشمل عملية الفرز تصنيف العناصر وفق عدة معايير، منها سنوات الخدمة، والمؤهلات العلمية، والخبرة الميدانية، والسجل الأمني، إضافة إلى الحاجة الفعلية لكل قطاع من قطاعات وزارة الداخلية.
وقال الدكتور مصطفى عبدي، عضو الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” في تصريح لـِ “المدن”: “تتعامل وزارة الداخلية مع كل المقبولين لديها ضمن قوانين ناظمة موحدة تنطبق على كل المنتسبين”، مضيفاً أنه “منذ فترة تم انضمام عدة آلاف عنصر للأمن الداخلي”.
وأوضح أن “الأسايش وضمن المقابلات يخضعون لمعايير الوزارة والتي تطبق على الجميع من حيث العمر واللياقة البدنية والطول والوزن والحالة الصحية”.
وتابع: “الاندماج يعني أنهم أصبحوا عناصر بوزارة الداخلية مثلهم مثل عناصر قسد الذين أصبحوا في وزارة الدفاع وتسري عليهم ما يسري على عناصر الوزارتين حسب المهام التي يكلفون بها”.
أما فيما يخص موضوع الرتب، قال عبدي: “سيخضع الجميع لمعايير وزارة الداخلية”، لافتاً إلى أن”الرواتب تخضع للهيكلة، فحسب السوية التنظيمية لكل فرد يمنح الراتب الخاص بالسوية”.
وبالنسبة لعملية الفرز، فإنها، وفق الاتفاق، ستنص على أن يكون المسؤول عن المديرية والنواحي ذات الغالبية الكردية، مثل القامشلي، من أبناء المنطقة، وليس في جميع مناطق ونواحي المحافظة.
إعادة تأهيل بدلاً من النقل المباشر
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن وزارة الداخلية تتجه نحو اعتماد نموذج يقوم على إعادة التأهيل والدمج التدريجي، بدلاً من نقل الهيكل التنظيمي للأسايش كما هو إلى داخل مؤسسات الدولة.
وبموجب هذا التصور، فإن الرتب التي كانت معتمدة داخل جهاز الأسايش لن تُنقل بصورة تلقائية، بل ستخضع للمراجعة والتسوية وفق الأنظمة والقوانين النافذة في وزارة الداخلية السورية.
ويرجح أن تمنح العناصر رتباً معادلة بعد دراسة ملفاتهم، مع إمكانية إخضاع بعض الضباط وصف الضباط لدورات تأهيلية وإدارية قبل تثبيت مواقعهم الجديدة، على غرار تجارب دمج شهدتها مؤسسات أمنية وعسكرية في بلدان أخرى بعد النزاعات.
أما على صعيد الرواتب، فتشير المعطيات الأولية إلى أن العناصر الذين سيجري استيعابهم سيصبحون جزءاً من المنظومة المالية والإدارية لوزارة الداخلية، ما يعني أن رواتبهم ستخضع لسلم الرواتب المعمول به داخل الوزارة، بدلاً من الآليات السابقة التي كانت تعتمدها الإدارة الذاتية.
لكن انتقال العناصر إلى المؤسسة الرسمية السورية يرجح أن يضعهم ضمن منظومة رواتب موحدة تشمل التعويضات والحوافز والامتيازات الممنوحة للعاملين في وزارة الداخلية، وهو ما يعني انتهاء نظام الرواتب المنفصل الذي كان قائماً سابقاً.
ويتوقع أن تشمل عملية إعادة التوزيع عدداً من الإدارات والوحدات التابعة للأمن الداخلي، بما في ذلك الشرطة المدنية، وأقسام المرور، وحماية المنشآت، والأمن الجنائي، وقوات حفظ النظام، إضافة إلى الوحدات المختصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.
كما يرجح أن تحتفظ العناصر النسائية بأدوارها في المجالات المرتبطة بالتفتيش ومراكز الاحتجاز وشؤون الأسرة والأحداث، في ظل وجود نحو ألف امرأة ضمن القوة المزمع دمجها.
ويهدف هذا التوزيع إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة التي اكتسبها عناصر الأسايش خلال السنوات الماضية، مع دمجها ضمن هيكلية موحدة تخضع لإدارة وزارة الداخلية السورية.
خطوة تتجاوز الجانب الأمني
ويرى مراقبون أن دمج هذا العدد الكبير من العناصر يمثل أحد أبرز الاختبارات العملية للتفاهمات بين دمشق و”قسد”، خصوصاً أن الملف الأمني يعد الأكثر حساسية وتعقيداً مقارنة بالملفات الخدمية والإدارية الأخرى.
من جهته قال الناشط السياسي إبراهيم الحلبي، في حديثه لـ”المدن”: “بدأت عملية دمج نحو 8 آلاف عنصر من الأسايش في وزارة الداخلية السورية ضمن مسار بدأ فعلياً قبل نحو شهر، حيث انطلقت المقابلات الميدانية بإشراف لجنة من وزارة الداخلية، وتشمل اختبارات شفوية وفحوصات طبية للتأكد من الجاهزية الصحية والسلوكية للعناصر”.
وأشار إلى أن: “العناصر المستهدف دمجهم لا يقتصرون على مكون واحد، بل يشملون عرباً وأكراداً وقوميات أخرى، ما يجعل العملية وفق الإطار الحكومي “مؤسساتية” وليست ذات طابع قومي”.
وتابع: “يتم تقييم العناصر قبل قبولهم بشكل فردي، مع التركيز على السجل المهني، والخبرة، واللياقة الطبية، والخلو من التعاطي أو الأمراض المزمنة”.
وأكد على أن: “ملف الرواتب ليس العقبة الأساسية، إذ تتراوح سابقاً بين نحو 100 و600 دولار، ومن المتوقع توحيدها لاحقاً وفق سلم وزارة الداخلية والرتب والمهام، لكن التحدي الأبرز في العملية هو البعد الفكري والتأهيلي، حيث سيخضع العناصر لدورات تدريبية لإعادة الدمج ضمن ثقافة أمنية وطنية موحدة”.
وزاد قائلاً: “سيتم توزيع العناصر على مختلف المحافظات السورية وليس حصرهم في مناطقهم السابقة، بهدف تعزيز التكامل الأمني والحد من الانقسامات الجغرافية”.
وختم بالقول: “تراهن السلطات على أن هذا التوزيع والتأهيل يسهم في إعادة بناء جهاز أمن داخلي موحد، وتعزيز التماسك الاجتماعي بعد سنوات من الصراع”.
ويعتقد متابعون أن نجاح عملية استيعاب عناصر الأسايش سيشكل مؤشراً مهماً على قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التطبيق العملي، بما ينعكس على الواقع الأمني والإداري في محافظة الحسكة.
المصدر: المدن






