هيئة العدالة الانتقالية: بدأنا التطبيق العملي لجبر الضرر وإنصاف الضحايا في سوريا

حنين عمران     

ما تزال الأسئلة في ملف جبر الضرر مطروحة ومفتوحة، وسط مطالب مستمرة بالتعويض ومساعدة آلاف العائلات التي صارت بلا معيل ومئات الناجين الذين خرجوا من المعتقلات بعد سنوات من التعذيب والأمراض المتراكمة في أجسادهم من دون قدرة مالية أو مصدر دعم للعلاج.

أجرى موقع تلفزيون سوريا مقابلة مع الأستاذ أحمد حزرومة مسؤول إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، للحديث عن ملف التعويض وردّ الاعتبار ومخططات الهيئة لمساعدة آلاف العائلات، والتحديات التي تواجه إدارة الملف في الوقت الحالي.

مراكز وصندوق مخصص

أوضح مسؤول إدارة جبر الضرر، أحمد حزرومة في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الإدارة بدأت بالانتقال من وضع الاستراتيجيات والخطط إلى ما وصفه بـ “التطبيق العملي” لضمان إنصاف الضحايا. وذكر حزرومة أن هناك أربع أدوات رئيسية من أجل ذلك، وهي: إنشاء مراكز التعافي في المحافظات السورية، والعمل على بناء سجل وطني للضحايا، وإنشاء صندوق وطني لجبر الضرر، وتطوير “نظام إحالة” يهدف إلى الاستفادة من مختلف الجهود والخدمات المقدمة ضمن الجغرافيا السورية والمتعلقة بأعمال جبر الضرر.

وأكد حزرومة أن أربعة مراكز أساسية للتعافي ستفتتح في المنطقة الشمالية، والمنطقة الشرقية، ودمشق وريف دمشق، والمنطقة الوسطى، كما أنها صُممت لتكون بيئة آمنة للضحايا، تقدم الدعم النفسي والقانوني، وتسهم في تنفيذ برامج جبر الضرر المختلفة.

يقول حزرومة لموقع تلفزيون سوريا “نحن ندرك أن ملف المفقودين لا يتعلق فقط بالخسارة المادية، بل بسنوات طويلة من الغياب وعدم اليقين، وما يتركه ذلك من آثار نفسية واجتماعية عميقة على الأسر”.

 

تمويل محدود وقانون مؤجل

بسؤال موقع تلفزيون سوريا عن المساعدات والتعويضات التي قدّمتها إدارة جبر الضرر للناجين من المعتقلات ولذوي المفقودين، أشار حزرومة إلى معوقات تواجه إطلاق برامج التعويضات الشاملة. وتتمثل هذه المعوقات في ظروف التمويل المحدودة، وفي عدم إقرار قانون للعدالة الانتقالية ينظم إنشاء صندوق جبر الضرر وآليات تمويله.

يقول حزرومة “تعمل الإدارة حالياً على تأسيس البنية التنفيذية اللازمة لتقديم خدمات الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي بشكل منظم ومستدام، إضافةً إلى تطوير استراتيجية متعددة المستويات، سواء على صعيد الدعم المعنوي أو المادي أو رد الاعتبار والاعتراف والإنصاف”.

استجابة طارئة ومنظومة متكاملة

تلقى السوريون خلال السنوات الماضية المساعدات الإنسانية ضمن خطط إسعافية وبرامج مؤقتة، وهو ما وضعهم في أزمات متناوبة. ويزداد الأمر سوءاً بالنسبة إلى الناجين من المعتقلات وعائلات المفقودين، ولا سيما مع عدم استقرار ظروف عملهم أو عدم توفّر فرص العمل من أصلها، إلى جانب الاحتياج المتزايد والفقر المستمر.

وبإجابته عن سؤال موقع تلفزيون سوريا حول استراتيجيات إدارة الضرر وما يتعلق بالمساعدات الإنسانية والتعويضات، أوضح حزرومة أن العمل يجري وفق مسارين متوازيين:

  • الاستجابة الطارئة للاحتياجات الملحّة للضحايا والناجين
  • بناء منظومة وطنية مستدامة لجبر الضرر ضمن مسار العدالة الانتقالية

وأكد حزرومة أن هناك خططاً مستقبلية للإدارة تتضمن: إطلاق برامج للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل، إلى جانب برامج جبر ضرر جماعي ومبادرات مجتمعية خاصة بالناجين والناجيات وأسر المفقودين، مشيراً إلى “مركزية الضحايا” من خلال تعزيز مشاركة الضحايا في رسم السياسات والرقابة على التنفيذ.

شراكات وطنية ودولية

يظهر مسار العدالة الانتقالية في سوريا متشعّب الأهداف، ولا يعدّ جبر الضرر ملفاً ثانوياً بل هو أحد أركان العدالة بعد النزاع. ولا يمكن بناء مسار مستقل عن تجارب الدول الأخرى في العدالة الانتقالية عبر التاريخ، كما لا يمكن الاعتماد كلّ الاعتماد على هذه التجارب نظراً لخصوصية الحالة السوريّة والحاجة إلى معالجة تركة الأسد من الانتهاكات وجرائم الحرب.

وهو ما استدعى الاستعانة بالخبرات الدولية إلى جانب الاستفادة من الجهود الوطنية عبر بناء الشراكات والتنسيق مع مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية، في عمليات التوثيق وبناء السجل الوطني للضحايا، ووضع قوانين العدالة الانتقالية، ورسم الاستراتيجيات العامة، وتطوير آليات التمويل المستدامة.

وحول ذلك، أوضح حزرومة لموقع تلفزيون سوريا أن هناك عدة جهات تتعاون معها إدارة جبر الضرر وتنسق معها بشكل مستمر، وهي:

  • الهيئة الوطنية للمفقودين، وخاصة فيما يتعلق ببناء قاعدة بيانات الضحايا وذويهم
  • الوزارات والجهات الحكومية المعنية
  • روابط الضحايا والناجين
  • منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية السورية
  • الجهات المختصة بالدعم النفسي، والاجتماعي، والقانوني، والصحي
  • المؤسسات المالية والرقابية ذات الصلة بعمل صندوق جبر الضرر

ويضيف حزرومة في حديثه لموقع تلفزيون سوريا ” تسعى الإدارة إلى بناء شراكات مع الجهات الدولية المختصة بالعدالة الانتقالية، والداعمين الدوليين”.

إحصائيات غائبة وتحديات

بعد مرور أكثر من عام على تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم /20/ لعام 2025، يُطرح سؤال عن إنجازات الهيئة وما قُدِّم في مسارات العدالة المختلفة بما فيها تعويض الضحايا وإنصافهم.

ووسط غياب الإحصائيات والبيانات الرسمية، أوضحت إدارة جبر الضرر لموقع تلفزيون سوريا أن مردّ ذلك إلى كون الإدارة لا تزال في مرحلة بناء البنية التنظيمية والقاعدة الوطنية للضحايا، إلى جانب العمل المستمر على استكمال آليات التمويل والحوكمة، كما يصفها حزرومة.

يقول حزرومة لموقع تلفزيون سوريا “لا توجد إحصائية نهائية أو رسمية معلنة بشأن حجم التعويضات أو أعداد المستفيدين، وتؤكد الإدارة أن أي بيانات أو أرقام مستقبلية ستصدر ضمن تقارير رسمية دورية تراعي معايير الشفافية وحماية بيانات الضحايا”.

وعن التحديات التي لا تزال تواجه الإدارة، فأشار حزرومة إلى حجم الانتهاكات الكبير وتعقيد الملفات المرتبطة بالمفقودين والعدد الكبير للضحايا، فضلاً عن اختلاف خصوصية المناطق واحتياجاتها ضمن الجغرافيا السورية، والمسارات القانونية والتشريعية والإدارية المرتبطة بتوثيق الأضرار وتقديرها.

يقول حزرومة “هشاشة الوضع الاقتصادي والبنية التحتية في سوريا إلى جانب محدودية الموارد والتمويل اللازم لبرامج جبر الضرر، هي من التحديات التي تواجه الإدارة ولا سيما مع الحاجة إلى إدارة توقعات الضحايا في ظل هذه الظروف”.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى