النظام الداخلي لمجلس الشعب.. خطوة متقدمة تحتاج إلى ضمانات أوسع

   سامر العاني

لا شك أنّ النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب السوري، يمثل محاولة حقيقية للانتقال من نموذج تقليدي في العمل البرلماني إلى نموذج أكثر حداثة، يستند إلى مجموعة من المبادئ المعمول بها في البرلمانات المتطورة، مثل تعزيز الشفافية، وتنظيم عمل اللجان، والاستعانة بالخبراء، ونشر التقارير، وإدخال مفاهيم جديدة كحماية البيانات الشخصية والعدالة الانتقالية.

لكن أهمية النظام الداخلي لا تقاس بما يضيفه من أدوات وآليات فحسب، بل أيضا بما يضعه من ضمانات تمنع التوسع في السلطة، وتحافظ على التوازن بين أجهزة المجلس، وتضمن أن يكون فاعلاً في التشريع والرقابة، لا مجرد مؤسسة لإقرار النصوص.

وبالرغم من تقدم النظام الداخلي لمجلس الشعب السوري، الذي أقر يوم أمس، مقارنة بالأنظمة الداخلية السابقة، ما زال يحمل عدداً من الثغرات القانونية والصياغية التي قد تظهر آثارها عند التطبيق، وبعضها يرتبط مباشرة بطبيعة العلاقة بين مكتب المجلس والهيئة العامة، وبعضها يتعلق بقدرة النواب على ممارسة دورهم الرقابي والتشريعي بفعالية.

أبرز الملاحظات تتعلق بالصلاحيات الواسعة التي منحت لمكتب المجلس، فالنظام الداخلي يمنح المكتب دوراً مهماً في إحالة مشاريع القوانين، وتقليص المدد، وتفسير بعض الإجراءات، والفصل في تنازع الاختصاص بين اللجان، وتنظيم نشر الوثائق، وهذه صلاحيات ضرورية لتنظيم العمل البرلماني، لكنها تصبح إشكالية عندما لا تقابلها آليات واضحة للمراجعة أو الاعتراض.

فالبرلمان هو صاحب الاختصاص الأصيل، ومكتب المجلس يمثل أداة تنظيمية تابعة له، ولذلك فإن منح المكتب صلاحيات واسعة من دون وجود إمكانية لعرض قراراته على المجلس قد يؤدي عملياً إلى انتقال جزء من سلطة الهيئة العامة إلى هيئة محدودة، ومن هنا تأتي أهمية النص على أن قرارات مكتب المجلس يمكن الاعتراض عليها أمام المجلس في أول جلسة تالية، بما يضمن بقاء السلطة النهائية بيد المؤسسة البرلمانية ككل.

ومن الملاحظات المهمة أيضاً كثرة الإحالات إلى “القواعد التي يضعها مكتب المجلس”، وهي عبارة تكررت في 13 موضعا، سواء فيما يتعلق بقواعد السرية أو اختيار الخبراء أو النشر أو البيانات أو الحضور، ومع أن الأنظمة الداخلية تحتاج أحياناً إلى لوائح تنفيذية، لكن الإفراط في ترك تفاصيل أساسية لقواعد لاحقة يجعل جزءاً من النظام غير مكتمل عند إقراره، ويفتح المجال لتغيير جوهر بعض الأحكام خارج النقاش العام للمجلس.

أما على مستوى الوظيفة الرقابية، فإن النظام الداخلي يبدو أكثر اهتماماً بتنظيم العملية التشريعية من تنظيم الرقابة على الحكومة، فالبرلمان ليس فقط جهة لصناعة القوانين، بل هو مؤسسة رقابية تملك حق مساءلة السلطة التنفيذية ومتابعة أدائها، لذلك كان من الضروري أن يتضمن النظام الداخلي تنظيماً أكثر تفصيلاً لأدوات مثل الاستجواب، وطلبات طرح الثقة، ولجان التحقيق البرلمانية، وآليات مساءلة الوزراء.

كما أن منح اللجان حق طلب المعلومات من الجهات الحكومية يحتاج إلى تعزيز، فالنص الحالي لا يحدد بشكل واضح ماذا يحدث في حال امتنعت جهة حكومية عن تقديم المعلومات، والاكتفاء برفع الأمر إلى رئيس المجلس لا يشكل ضمانة كافية، فالرقابة البرلمانية تفقد فعاليتها إذا لم تقترن بأدوات إلزام حقيقية.

وفيما يتعلق باللجان البرلمانية، فإن النظام الداخلي وضع إطاراً لتنظيم عملها، لكنه لم يعالج بعض المسائل الجوهرية، وعلى رأسها تضارب المصالح، فتعريف تضارب المصالح وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع قواعد مسبقة تمنع النائب من المشاركة في المناقشة أو التصويت على ملفات ترتبط بمصالحه المباشرة أو غير المباشرة.

وعلى الرغم من أنّ النظام الداخلي نظّم مدّة مداخلات الاستماع، إلا أنّه لم يحدد بصورة كافية قواعد جلسات الاستماع العامة، رغم أهميتها في إشراك الخبراء وأصحاب المصلحة، فمن الضروري وضع معايير لاختيار المشاركين، وضمان نشر خلاصات هذه الجلسات، حتى لا تتحول إلى إجراء شكلي.

ومن الثغرات التشريعية اللافتة غياب مفهوم تقييم الأثر التشريعي، فالقوانين الحديثة لا تُدرس فقط من زاوية الصياغة القانونية، بل أيضاً من حيث تأثيرها المالي والاقتصادي والاجتماعي والإداري.

إن إلزام مقدمي مشاريع القوانين بإرفاق دراسات أثر سيجعل التشريع أكثر جودة، ويقلل من إصدار قوانين غير قابلة للتطبيق.

كما لا يتضمن النظام الداخلي آلية واضحة للمشاورات العامة قبل إقرار القوانين، رغم أن إشراك المواطنين والنقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني أصبح معياراً أساسياً في العمل التشريعي الحديث، فالقانون لا ينبغي أن يكون نتاج نقاش مغلق داخل قاعة البرلمان فقط، بل نتيجة تفاعل مع المجتمع.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى مراجعة أيضاً إدارة الجلسات، فقد منح النظام الداخلي رئيس المجلس صلاحيات واسعة في تنظيم النقاش ومنح الكلمة وسحبها وتمديدها، من دون وضع آلية واضحة للاعتراض على القرارات الإجرائية، كما أن تحديد مدة المداخلة بثلاث دقائق قد يكون مناسباً للنقاشات العادية، لكنه غير كافٍ عند مناقشة ملفات كبرى مثل القوانين ذات الطبيعة الدستورية.

ومن الناحية المؤسسية، يلاحظ أن النظام الداخلي يقترح عدداً كبيراً من اللجان الدائمة يصل إلى نحو 26 لجنة، وهو رقم مرتفع مقارنة بعدد أعضاء المجلس، وقد يؤدي إلى ضعف المشاركة وتداخل الاختصاصات، فالمعيار ليس كثرة اللجان، بل قدرتها على العمل بكفاءة، وقد يكون من الأفضل دمج بعض اللجان المتقاربة في الاختصاص.

في المقابل، هناك حاجة لإنشاء لجان متخصصة في ملفات أصبحت أساسية في الدولة الحديثة، مثل مكافحة الفساد، والشفافية والنزاهة، والرقابة على الإنفاق العام، والأمن السيبراني، والبيئة، والذكاء الاصطناعي.

إنّ النظام الداخلي يمثل خطوة متقدمة نحو تطوير العمل البرلماني وإدخال مفاهيم حديثة في سوريا الجديدة، لكنه لا يزال بحاجة إلى تعزيز الضمانات القانونية، وتقوية الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، وسد الثغرات الإجرائية، وضمان مشاركة المجتمع في صناعة القوانين، بما يكفل استقلال المجلس وتمثيله الحقيقي للمجتمع.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى