داعش التائبة”… ماذا حل بأصحاب الراية السوداء في سوريا؟

مصطفى رستم 

 

يرى مراقبون أنه تقع على دمشق مسؤولية تأهيل من لم يوغل في الدماء تمهيداً لإعادة دمجه في المجتمع

بعد انهيار “دولتهم” في سوريا والعراق، تفرق عناصر تنظيم “داعش” بين متوارٍ عن الأنظار في أراضٍ مأهولة لا تعرف تاريخه، وبين آخر يحاول التوبة عن ماضيه والاندماج مجدداً في المجتمع.

نازعاً عنه لباس التعصب والأفكار التي حملها من أشد التنظيمات تطرفاً في سوريا خلال الصراع المسلح لقلب نظام الحكم البعثي، رمى “الداعشي” سلاحه في الحرب الأخيرة بعد تهاوي دولة التنظيم قبل أعوام، وعاد إلى موطنه سواء داخل البلاد أو خارجها، محاولاً التوبة عن ماضٍ شديد السواد ومغرق بسفك دماء الأبرياء.

بعضهم يتوارى عن الأنظار في أراضٍ مأهولة لا تعرف تاريخه، في حين ما زال آخرون يعيشون تحدي الاندماج مجدداً مع مجتمع جديد بعد سقوط نظام الأسد.

حياة جديدة

في الأثناء، ظهر على شاشة التلفزيون الرسمي السوري شخص جرى التعريف عنه كناشط مدني واجتماعي، لكن منصات التواصل تناقلت عقب اللقاء أنه عمل سابقاً قاضياً في “داعش” داخل محافظة الحسكة، مما أثار موجة من الجدل حول طريقة عودة أفراد التنظيم المتطرف إلى الحياة المدنية مجدداً، فهل تكتفي السلطات الجديدة في دمشق بدمجهم في المجتمعات المحلية، أو تحاسبهم على جرائم ارتكبوها خلال فترة إعمال السيوف بالرقاب، وتكفير الناس؟

واستنكر ناشطون حقوقيون هذا الظهور العلني لتلك الشخصية التي وصفت بالمتطرفة، واعتبر كثر أن تلك محاولة تقديم وترويج لوجوه مرتبطة بتنظيمات متطرفة دونما أدنى محاسبة.

في المقابل وصف بعض رواد مواقع التواصل حدوث ذلك من مبدأ “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وهي العبارة التي ترددت بعد سقوط بشار الأسد وهربه إلى روسيا، وانتصار غرفة عمليات “ردع العدوان” بزعامة الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع.

ويجزم الأمين العام للحركة الوطنية السورية الدكتور زكريا ملاحفجي بوجود “حالات أعلنت انفصالها واندمجت، سواء كانوا منشقين عن التنظيم خلال الأعوام الماضية، أو بعض الأفراد الذين أعلنوا تركهم ’داعش‘، أثناء وجوده أو بعد انهياره، وبعضهم تعاون مع السلطات المحلية أو مع القوات التي قاتلت التنظيم”.

ومنهم بحسب قوله “أفراد كانوا ضمن أجهزة التنظيم المدنية أو الإدارية، مثل التعليم أو الخدمات أو القضاء الشرعي، ثم عادوا إلى حياتهم المدنية، وهذه الفئة تثير جدلاً كبيراً، لأن المسؤولية تختلف بحسب طبيعة الدور الذي قام به كل شخص”. وأضاف ملاحفجي أن “هناك مقاتلين سابقين خضعوا لبرامج مراجعة أو احتجاز ثم أطلق سراح بعضهم وفق ترتيبات محلية في مناطق معينة، مع تفاوت كبير في النتائج. وأيضاً نساء وأطفال عادوا من مخيمات مثل مخيم الهول إلى مجتمعاتهم أو إلى بلدانهم الأصلية. وغالباً يُنظر إلى الأطفال بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى إعادة تأهيل أكثر من كونهم مسؤولين جنائياً”.

ويعتقد الأمين العام للحركة الوطنية السورية أن “ظهور ناشط مدني كان يعمل سابقاً ضمن قضاء ’داعش‘ يسلط الضوء على قضية مهمة، إذ ليس كل من عمل داخل مؤسسات التنظيم كانت مسؤوليته القانونية أو الأخلاقية واحدة، فهناك فارق بين من أصدر أحكاماً بالإعدام أو شارك في انتهاكات جسيمة، وبين من شغل وظيفة محدودة تحت ظروف قسرية، لذلك تُقيم الحالات عادة بصورة فردية”.

وفي سياق رده على استفساراتنا حول محاسبة أفراد التنظيم، ينظر الدكتور ملاحفجي إلى كون موضوع محاسبة “التائبين” مسألة ترجع للسلطة والمصلحة، قائلاً إن “هؤلاء ليسوا سواء، وبحال وجود ادعاء أو عدمه هذه مسألة قانونية لكن القضاء على هذا الفكر والتنظيم بكل السبل، وتغيير القناعات والأفكار، ضرورة للاستقرار ومنع نشر بذور الإرهاب والتطرف”.

الهرب بداية أم نهاية؟

إزاء ذلك ظل هرب سجناء “داعش” من سجون ومعتقلات كانت تخضع سابقاً لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تحالف عسكري تتزعمه الإدارة الذاتية الكردية، خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، أكثر التحديات بالغة الخطورة بعد بسط الجيش السوري الجديد نفوذه على كامل مناطق الشمال الشرقي، وانتزاعها من قوات “قسد”، الحليف المحلي للتحالف الدولي لمكافحة “داعش”. وتنظم الدولة السورية دورات أمنية وعسكرية لدمج “قوات سوريا الديمقراطية”، بعد حل ألويتها ودمجها مع الجيش السوري.

من جهته، عمل “داعش” الذي استولى سابقاً على مساحة واسعة في سوريا والعراق منذ نشوئه عام 2014 حتى سقوطه المدوي في مارس (آذار) 2019، على نشر فكر متعصب، وقاتَل بشدة كل من يخالفه، واتخذ من مدينة الرقة عاصمة لدولته.

الفكر المتطرف

في المقابل يسلط فريق من معارضي السلطات الجديدة داخل دمشق الضوء على وصول شخصيات من أصحاب الفكر المتشدد إلى مفاصل الحكم، مما يشجع برأيهم على انتشار التطرف، والجولات الدعوية في أحياء ذات غالبية مسيحية، وغيرها من المظاهر، وإن بدت أقل تعصباً من الفكر “الداعشي”.

وفي مدينة حلب، عادت عائلات من “داعش” إلى قراها وأراضيها بعد وصولها من مخيم الهول. وفي حديث مع إحدى السيدات القاطنات داخل المخيم، قالت “بعد عودتي لجأت إلى إنشاء مشروع لأعمل بالتطريز والخياطة، وأمثالي كثيرات من السيدات والفتيات، نحاول العودة إلى الحياة قدر ما نستطيع. تجربة المخيم أقرب إلى سجن كبير، وقد تنفسنا الصعداء بعد الخروج منه، وكذلك يفعل الرجال، يحاولون العمل لكسب رزقهم”.

من ناحية ثانية، يعتقد الباحث السياسي أحمد مظهر سعدو أن “أي تنظيم عسكري إرهابي يمكن للدولة إنهاؤه من الوجود التنظيمي، لكن لا يمكن مسحه من الوجود كلياً ودفعة واحدة، بل يحتاج الأمر إلى وقت”.

ويضيف أن “بقايا ’داعش‘ اليوم تعجز عن فعل أي شيء يمكن أن يقوِّض أركان الاستقرار في سوريا”.

ويتابع “إذا كان هناك من هو منتمٍ إلى الدولة السورية، وكان من أصول داعشية فتصوري أن ذلك قديم جداً، وسبق أن تغيرت الأفكار لديه، وانتقلت إلى تفكير إسلامي وسطي وعصري لا يقبل التشدد”.

ويدعو سعدو إلى “دمج كل السوريين الذين لم يوغلوا في القتل أو في الدماء السورية. ومع ذلك، فيُعتقد أن من كان يحمل أفكاراً داعشية لا بد من الاشتغال عليه طويلاً وإعادة رسم ملامح وعيه وفكره بما يتلاءم مع مستقبل سوريا التوحيدي الوسطي، البعيد كل البعد من التشدد والكراهية”.

ويردف “إن كان هناك أشخاص تائبون ممن انتموا إلى ’داعش‘ سابقاً يمكن تقبلهم في المجتمع السوري بعدما يجري إخضاعهم لدورات تدريبية، والعمل نفسياً وفكرياً عليهم من أجل دمجهم في المجتمع السوري. لكن وبكل تأكيد فإن من ثبت عليه العمل بالقتل وسفك الدماء لا بد أن يأخذ الحق العام فيه مجراه، وكذلك الحق الشخصي، ولا يجوز أن طمر ذلك من دون عقوبة بحسب القانون السوري الوضعي وليس سواه”.

المصدر: أندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى