موعد غرامي قصير العمر

  عساف سلامة السلمان

كنت يومها طالباً في جامعة حلب، أؤدي امتحانات الدبلوم في كلية الآداب، تلك الكلية التي كان الطلاب يسمونها “سفينة الحب”. لم أكن أعرف إن كان السبب هندستها التي تشبه السفينة أم لأن نصف الذين يدخلونها يبحثون عن الحب والنصف الآخر يبحث عمن يساعده في النجاح.

دخلت إلى مدرج المعري وأنا أحمل من المعارف ما يكفي للنجاح، ومن القلق ما يكفي للرسوب مرتين.

كانت هناك مراقبة منتدبة من التربية. لا أعرف لماذا جاءت. ربما لأن الوزارة اكتشفت فجأة أن الطلاب يغشون، أو ربما لأن أحد المسؤولين أراد أن يمنحها مكافأة مالية تعينها على مواجهة غلاء المعيشة الذي كانت الحكومة نفسها تتسبب به.

رفعت رأسي نحوها. نظرت إليّ. ابتسمت. وهنا وقعت الكارثة.

فالطالب عندما يرى سؤالاً سهلاً يفرح، وعندما يرى مراقبة جميلة تبتسم له يعتقد أن القدر شخصياً قد حضر الامتحان ليضمن مستقبله العاطفي.

منذ تلك اللحظة لم أعد أكتب الإجابات وحدي. كنت أشعر أن كل فقرة أكتبها يرافقها جناح ملاك. حتى الأسئلة التي لم أكن أعرفها بدأت أتذكرها. قلت في نفسي: هذه ليست مراقبة، هذه منشط ذهني متنقل.

بعد انتهاء الامتحان انتظرتها أمام الكلية.

خرجت. تقدمت إليها بشجاعة رجل لا يعلم ما ينتظره بعد خمس دقائق.

قلت: هل تسمحين لي بدعوتك إلى فنجان قهوة؟ .. وافقت فوراً.

وهنا ارتفع منسوب الثقة عندي إلى مستوى خطير.

قلت لها: أنا رجل ريفي بسيط، لا أعرف الأماكن الأنيقة.

قالت: دع الأمر لي.

ومنذ تلك اللحظة أصبحت مجرد راكب إضافي في قصة هي بطلتها الحقيقية.

نزلنا باتجاه دوار الجامعة، ثم استقللنا سيارة أجرة إلى ساحة سعد الله الجابري.

وفجأة أمسكت بذراعي.

ليس مسكة خجولة كما في الأفلام العربية، بل” چنكلة” رسمية كاملة.

ولو رآنا أحد في الشارع لأقسم أمام المحكمة أننا متزوجان منذ عشر سنوات ولدينا ثلاثة أطفال ومشكلة مع صاحب البناء.

لم يكن في تصرفاتها أي تكلف. كانت تمشي في الشارع وكأنها تعرف المدينة كلها. تسلم على الباعة، وتمازح سائق التاكسي، وتطلب من السائق أن يتوقف في المكان الذي تريده بثقة شخص اعتاد أن يختار طريقه بنفسه.

أما أنا فكنت أشعر أنني أرافق مرشدة سياحية تعرف الطريق، بينما أحاول أنا فقط ألا أتعثر في الرصيف.

دخلنا مقهى أنيقاً مقابل الحديقة العامة. كان المكان مضاءً بألوان خافتة تدور على الجدران، حتى خُيّل إليّ أنني دخلت ملهى ليلياً بالخطأ بينما كنت أبحث عن قهوة.

جاء النادل مرتدياً بابيوناً أسود وانحنى باحترام.

أما أنا فجلست متوتراً كفلاح دُعي فجأة إلى مؤتمر دولي عن الذرة الصفراء.

هي اختارت القهوة والكاتو. وأنا وافقت على كل شيء.

في الحب، كما في السياسة، يوافق الإنسان أحياناً على أشياء لا يفهمها إطلاقاً.

كانت تتحدث بثقة لافتة. لم تكن من ذلك النوع الذي ينتظر من الآخرين أن يملأوا الصمت. سألتني عن دراستي، وعن قريتي، وعن سبب اختياري للأدب.

وحين أخبرتها أنني أحلم بأن أصبح كاتباً، ضحكت وقالت: إذاً ستعيش فقيراً وتموت مشهوراً بعد وفاتك بعشرين سنة.

ضحكت رغم أنني لم أكن متأكداً إن كانت تمزح أم تقدم لي ملخصاً لمستقبلي المهني.

كانت تملك خفة ظل غير متوقعة. ولم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير أن الحياة مع امرأة كهذه لن تكون مملة أبداً.

ثم أضافت وهي تحرك ملعقة القهوة: أنا أحب الناس الذين يقولون ما يفكرون فيه مباشرة.

ولو كنت أكثر حكمة لفهمت أن هذه الجملة كانت تحذيراً مبكراً مما سيأتي.

نظرت إليّ وسألت: ماذا تريد مني؟

أعجبتني صراحتها. فقررت أن أكون أكثر صراحة.

قلت: أحببتك منذ الابتسامة الأولى. وأعترف أن حضورك كان سبباً في نجاحي في الامتحان. لقد تذكرت كل نقطة وفاصلة وأنا أنظر إليك. أردت فقط أن أشكرك وأقول إنني أعشق الجمال والحيوية.

توقعت أن تحمر وجنتاها. أو أن تبتسم. أو على الأقل أن تطلب قطعة كاتو إضافية احتفالاً بالمناسبة.

لكنها صمتت قليلاً، ثم قالت بهدوء: دعني أخبرك من أنا.

رفعت رأسي مبتسماً.

قالت: أبي مساعد أول في المخابرات.

ثم ارتشفت قهوتها بهدوء وكأنها قالت إن أباها موظف في مؤسسة الحبوب.

في تلك اللحظة اختفى الحب. اختفت القهوة. اختفى الكاتو. اختفى المدرج. اختفت الجامعة كلها. بل أظن أن حلب نفسها اختفت من الخريطة لثوانٍ.

غصصت بالماء. شعرت أن كل قصص الحب التي قرأتها لم تذكر هذه العقبة الصغيرة. روميو لم يكن عليه أن يقابل المخابرات. وقيس لم يسأل أحد عن رتبة والد ليلى. حتى عنترة كانت مشكلته مع الفرسان لا مع الأجهزة الأمنية.

حاولت أن أبدو طبيعياً. ابتسمت ابتسامة رجل اكتشف للتو أن القطار الذي صعد إليه يسير نحو الحدود.

فسألتني: ماذا حدث؟ لقد تغير لون وجهك.

 قلت: لا شيء… فقط تذكرت أن لدي عملاً مهماً جداً.

قالت: الآن؟

 قلت: نعم، ويبدو أنه مهم منذ زمن طويل أيضاً.

دفعت الحساب بسرعة. شكرت السيدة على وقتها الثمين.

ثم انسحبت من المكان انسحاباً تكتيكياً منظماً، يشبه انسحاب جيوش العرب التي اكتشفت متأخراً أنها دخلت المعركة الخطأ.

ومنذ ذلك اليوم تعلمت درساً مهماً: في بلادنا، قد تنجو من الامتحان. وقد تنجو من الرسوب. وقد تنجو حتى من الحب.

لكن الحكيم هو الذي ينسحب قبل أن يتحول فنجان القهوة إلى ملف أمني.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى