
أثار تقديم الإعلامي علي الظفيري للرئيس السوري أحمد الشرع، في برنامج “المقابلة” على قناة الجزيرة، نقاشاً بين سوريين رأوا في عبارته عن “قيادة الثورة” اختزالاً لتاريخ الثورة بشخص واحد، وآخرين اعتبروا أنه كان يتحدث عن مرحلة محددة من سنواتها، لا عن مسارها الكامل منذ عام 2011.
وخلافاً لما شاع في جانب من النقاش، لم يستخدم الظفيري حرفياً لقب “قائد الثورة السورية”، وإنما قدّم الشرع بوصفه “الزعيم السياسي الذي قاد الثورة في سنوات صعبة ومعقدة وحالكة السواد، ثم قاد أيضاً عملية التحرير”، بحسب الحلقة الكاملة من المقابلة.
لكن الفارق بين العبارتين لم ينهِ الاعتراض، إذ بقيت صياغة الظفيري تنسب فعل قيادة الثورة إلى شخص واحد، وهو ما دفع الكاتب والباحث السوري أحمد أبازيد إلى القول إن الثورة “لم يكن لها قائد منذ بدايتها حتى سقوط النظام، لا شخص قائد ولا فصيل قائد”، معتبراً أن العبارة لا تقدم توصيفاً دقيقاً لتاريخها.
في المقابل، استند المدافعون عن المقدمة إلى عبارة “في سنوات صعبة” للقول إن الظفيري لم ينسب إلى الشرع قيادة الثورة منذ انطلاقتها، وإنما قصد دوره في مرحلة لاحقة منها، ولا سيما خلال السنوات التي سبقت العملية العسكرية الأخيرة.
وبعيداً عن التأويلين، تتيح العودة إلى تصريحات الشرع نفسه معرفة الطريقة التي قدّم بها دوره، والجهات التي نسب إليها الثورة والتحرير والنصر.
هل تعتبر نفسك محرر سوريا؟
جاء الموقف الأكثر وضوحاً بعد نحو ثلاثة أسابيع من سقوط النظام، خلال أول مقابلة تلفزيونية عربية أجراها الشرع مع قناة العربية في 29 من كانون الأول 2024.
في المقابلة، وجّه الإعلامي طاهر بركة إلى الشرع سؤالاً مباشراً: “هل تعتبرون أنفسكم شخصياً، كما يُنظر إليكم في الشارع، محرر سوريا؟”.
لم يتبنّ الشرع الوصف، ولم يحصر التحرير في قيادة الفصائل أو العملية العسكرية الأخيرة. وبدلاً من ذلك، عدّد فئات شاركت، وفق روايته، في الوصول إلى تلك اللحظة، وهم من هُجّر من منزله، ومن ضحى أو قُتل أو عُذّب، ومن عمل في مؤسسة خيرية أو دعم الثورة، إضافة إلى من قاتل ودافع عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
وأعاد حساب غير رسمي يحمل اسم الرئيس أحمد الشرع نشر مقطع من مقابلة الإعلامي طاهر بركة، يتضمن سؤالاً للشرع عما إذا كان يعدّ نفسه “محرر سوريا”، ليجيب: “لا نستطيع أن نختزل كل هذا المشهد في شخص واحد”.
النصر بدأ من ساحات التظاهر
تكررت الفكرة بصورة أكثر تفصيلاً في أول خطاب وجّهه الشرع إلى السوريين، في 30 من كانون الثاني 2025، عقب إعلان توليه رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية.
استهل الشرع خطابه بتوجيه الحديث إلى السوريين والسوريات، والنازحين واللاجئين، والجرحى، وعائلات الشهداء والمفقودين، والناشطين الثوريين. وقال إن سوريا تحررت “بفضل كل إنسان ناضل في الداخل والخارج”.
وذكر في الخطاب الشهداء والمعتقلين والمعتقلات والمعذبين والمفقودين وعائلاتهم، قبل أن يحدد من أين بدأت حكاية النصر بقوله: “انطلق هذا النصر من حناجر المتظاهرين”، ومن هتافات المحتجين وآهات المعتقلين، ثم استمر بتضحيات المقاتلين الذين واجهوا الصواريخ والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية.
الرواية نفسها أمام العالم
لم يقتصر هذا الخطاب على المناسبات الداخلية. ففي 24 من أيلول 2025، قدّم الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رواية مشابهة عن مسار الثورة وسقوط النظام.
وفي الخطاب، الذي وصف بالتاريخي، قال الشرع إن انسداد الحل السياسي دفع الشعب إلى تنظيم صفوفه والاستعداد لما وصفه بـ”المواجهة التاريخية الكبرى”، التي انتهت بعمل عسكري أسقط النظام.
وفي حديثه عن نتيجة تلك المواجهة، ربط النصر بالمظلومين والمعذبين والمهجرين قسراً وأمهات الشهداء والمفقودين، وكان “الشعب” هو الفاعل في سرد بداية الثورة وتنظيم المواجهة.
في 8 كانون الأول/ديسمبر 2025، افتتح الشرع كلمته في الذكرى الأولى لسقوط النظام بتوجيهها إلى “الأبطال الذين حرروا البلاد بدمائهم”، وإلى الأمهات والأيتام والسوريين في الداخل والخارج.
وفي ختام الكلمة، وجّه التحية إلى من مهّدوا الطريق “من مجاهد وأسير وشهيد وجريح وثائر ومكافح”.
قبل أربعة أشهر من مقابلة الظفيري
جاء أحدث تعبير واضح عن رؤية الشرع للثورة في 18 من آذار 2026، أي قبل نحو أربعة أشهر من مقابلته مع علي الظفيري.
وفي منشور على حسابه الرسمي بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة، استحضر الرئيس الشرع تضحيات الشعب الذي رفع صوته في وجه الاستبداد، وقال إن طريق النصر رُسم بدماء الشهداء ودموع الثكالى وآلام النازحين وصبر المعتقلين وتضحيات المفقودين وعزيمة المقاتلين.
وبحسب المقابلات والخطابات والمنشورات التي تناولها التقرير، لم يصف أحمد الشرع نفسه بـ”قائد الثورة السورية”، ولم ينسب سقوط النظام أو نجاح عملية التحرير إلى دوره وحده. وعندما سُئل بصورة مباشرة عما إذا كان يعدّ نفسه “محرر سوريا”، قال إن المشهد لا يمكن اختزاله في شخص واحد.
وبذلك يبقى وصف الظفيري للشرع بأنه “قاد الثورة” توصيفاً استخدمه مقدم البرنامج، وليس وصفاً سبق للشرع، وفق المواد التي شملتها المراجعة، أن تبناه عند الحديث عن نفسه أو عن مسار الثورة السورية.
المصدر: تلفزيون سوريا






