الجزيرة السورية ركيزة المشروع الوطني الجامع

عبد الباسط سيدا

التوترات الأخيرة التي شهدتها منطقة الجزيرة السورية، هي حصيلة تراكمات جملة من العوامل في مقدمتها الأطروحات والسياسات التمييزية العنصرية التي اعتمدها حكم البعث، خاصة في عهد سلطة آل الأسد التي امتد حكمها على مدى 54 عاماً ضد الكرد. وقد تمثلت تلك الأطروحات والسياسات في الاضطهاد المزدوج الذي تعرض له الكرد، وما نعنيه بذلك هو تعرض الكرد لجملة من المشاريع التمييزية مثل “الإحصاء الاستثنائي” في محافظة الحسكة عام 1962، والحزام العربي، والتعريب القسري لأسماء المدن والبلدات والمواليد، والإجراءات الخاصة، وحرمانهم في الوقت ذاته من أبسط حقوقهم القومية المشروعة. هذا بالإضافة إلى محاولات السلطة المذكورة المستمرة لتأليب المكونات المجتمعية في منطقة الجزيرة على بعضها. وكان الكرد هم المستهدف الأول من قبل منظمات حزب البعث وشبيبة الثورة والأجهزة الأمنية.

لكن هنا لا بد من الاعتراف بأن تلك السياسات لم تتحوّل إلى توجه عربي عام نحو الكرد على الصعيد المجتمعي في منطقة الجزيرة (ولا على المستوى السوري العام)، بل بقي النسيج المجتمعي المحلي متماسكاً يعيش حالة وئام بين سائر المكونات المجتمعية في المحافظة بانتماءاتها القومية والدينية والمذهبية المختلفة رغم كل محاولات السلطة الخبيثة.

ولم تكتف سلطة آل الأسد بمساعي ضرب العلاقات بين المكونات المجتمعية، وإنما حاولت إيجاد الشروخ ضمن كل مكوّن. هذا ما فعلته مع العشائر العربية عبر محاولات صناعة زعامات قبلية موازية؛ كما اعتمدت الأسلوب ذاته مع المسيحيين؛ والتزمته أيضاً مع الكرد بتبني حزب العمال الكردستاني منذ أوائل الثمانينيات ليكون أداة السلطة للحد من شعبية ونفوذ الأحزاب الكردية السورية ضمن الوسط الكردي السوري، وورقة ضغط في مواجهة تركيا، استخدمها حافظ الأسد في سياق حرصه على التحكّم بالأوراق الإقليمية (الفلسطينية، اللبنانية، المعارضة العراقية)، لاستخدامها أوراقاً تفاوضية مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة.

إلى جانب تراكمات سياسات سلطة آل الأسد، عانت منطقة الجزيرة من تغلغل النفوذ الإيراني بمختلف الأشكال. فقد كان النظام الإيراني يعمل منذ بدايات تنسيقه مع نظام حافظ الأسد على إيجاد ركائز تنظيمية لمشروعه الإقليمي التوسعي بين الأوساط العربية والكردية في منطقة الجزيرة، وكان ذلك من خلال بعض رجال الدين الانتهازيين، ومجموعة من المتنفذين ضمن العشائر الذين كانوا قد ارتبطوا مصلحياً بسلطة آل الأسد والنظام الإيراني؛ ومن خلال جمعية الإمام مرتضى التي أسسها جميل الأسد (شقيق حافظ الأسد) عام 1981، وعن طريق حزب العمال الكردستاني منذ أوائل ثمانينيات القرن المنصرم.

وقد استمرت تلك العلاقات على مدى عقود من الزمن، وتطورت خلال سنوات الثورة، وكانت هناك محاولات إيرانية دائمة لاستخدام منطقة الجزيرة ممراً برياً لنقل الإمدادات إلى حزب الله في لبنان، ونقل “الجهاديين” إلى العراق بالتنسيق مع سلطة بشار الأسد لتفتيت المجتمع العراقي وإضعاف الدولة العراقية، بغية التمكن من التحكّم بهما تحت شعار مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

واليوم يبدو أن تلك العلاقات والخلايا النائمة المرتبطة بدوائر الحرس الثوري الإيراني ما زالت تفعل فعلها في منطقة الجزيرة، وتُستخدم من حين إلى آخر للتصعيد بغية ممارسة الضغط على السلطات السورية الجديدة، ودفع الأمور نحو إمكانية استخدام الورقة السورية ورقة تفاوضية في المباحثات المباشرة وغير المباشرة الجارية بين النظام الإيراني والولايات المتحدة.

بالإضافة إلى هذه العاملين، يشكّل الوضع المعيشي البائس لسكان محافظة الحسكة بفعل عقود من التهميش والإهمال والنهب والفساد؛ واستغلال تجار الحروب والأزمات للأوضاع غير الطبيعية التي عاشتها المحافظة منذ بدايات الثورة السورية عام 2011، كابوساً يومياً يُنهك كاهل الناس الذين يعانون من البطالة، وارتفاع الأسعار، وشحّ الموارد، وغياب الخدمات، وارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات.

والجدير بالذكر هنا هو أن الأوضاع المعيشية في الجزيرة السفلى (جنوب مدينة الحسكة) هي أسوأ بكثير مما هو عليه الحال في الجزيرة العليا، وذلك بسبب تراكمات الإهمال وشح الأمطار. وقد أصبحت الأوضاع في هذه المنطقة أكثر سوءاً بعد أن ترك الآلاف من المواطنين العرب صفوف قسد، وهو الأمر الذي حرمهم من الرواتب والامتيازات التي كانوا يحصلون عليها من هذه الأخيرة لقاء عملهم معها؛ ولكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من الحصول على أي عمل، ولم يقدم لهم في المقابل أي دعم مادي من جانب السلطة الجديدة لمساعدتهم على مواجهة ظروف الحياة القاسية.

بالإضافة إلى ما تقدّم، هناك الخطاب القوموي المتشدد المقيت، وهناك التهويل وفبركة الأخبار المضلّلة، أو تسويقها من دون أي نقد أو تمحيص، وإخراج التفصيلات من سياقها لتجييش الناس عبر استغلال هواجسهم ومشاعرهم.

كل هذه العوامل، وغيرها، تناغمت مع جهود مجموعة من أصحاب الأصوات العالية على الضفتين، هؤلاء الذين تحركهم مشاريعهم الخاصة، وربما مشاريع خارجية إقليمية، وما تمخّض عن تلك الجهود تمثل في الأجواء المسمومة نتيجة لتبادل الخطاب المتشدد بين بعض العرب والكرد على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ذلك الخطاب المثير للجدل، ولحسن الحظ، لم يتحوّل إلى خطاب عام سواء بالنسبة إلى العرب أم الكرد على أرض الواقع، ولم يتمكن من الإساءة إلى العلاقات الوديّة التاريخية بين العرب والكرد.

اليوم هناك حاجة ماسة، لقطع الطريق أمام الشعبويين الانتهازيين المتسلقين الذين يدفعون باتجاه التطرف القوموي على الضفتين، في منطقة الجزيرة لتحرك جاد من جانب القوى والتيارات والشخصيات المجتمعية الفاعلة في مختلف الميادين للتواصل مع الناس في مدن وبلدات المنطقة وأريافها، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق تشكيل لجان المجتمع المدني والسلم الأهلي في المنطقة، لجان تركز، بالتنسيق مع السلطات الحكومية المعنية، على ضرورة الحوار والتفاهم والتوافق؛ لجان تجسّد حقيقة وإرادة المجتمع الجزراوي وحرصه على السلم الأهلي والحفاظ على العلاقات الودية بين الجميع. كما يمكن لأعضاء مجلس الشعب الجديد من محافظة الحسكة أن يؤدوا دوراً جامعاً مطلوباً من خلال تركيز الجهود للمساعدة في معالجة مشكلات المنطقة، وتأمين الدعم الحكومي للمشاريع الاقتصادية في المنطقة، مشاريع من شأنها تأمين فرص العمل للشباب، وتوفير الرعاية الصحية وتأمين مستلزمات العملية التعليمية واعتماد منهاج وطنية تعزز الروابط الوطنية بين جميع السوريين.

ويمكن التنسيق في هذا المجال مع نواب بقية المحافظات، خاصة نواب محافظتي الرقة ودير الزور، من أجل إعطاء الأولوية لمشاريع اقتصادية تسهم في النهوض بالمنطقة الشرقية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الواقع السوري العام من دون أي شك.

ومن المهم جداً في السياق ذاته استخدام الخطاب الوطني الجامع الذي يعترف بالجميع، ويحترم خصوصياتهم وحقوقهم، ويُشعرهم بالانتماء والأهمية، ويقرّ بحقهم في المشاركة في جهود النهوض بالمنطقة التي تعاني أصلاً من سياسات عقود من التهميش والإهمال والسلب والنهب.

أما إصرار المتشددين من كل فريق على تسويق المصطلحات القوموية التي تنسجم مع نزعاته وحساباته من دون أخذ الواقع المجتمعي الجزراوي والسوري العام المتعدد المتنوع بطبيعته خلال العصور بعين الاعتبار، فهذا مؤداه المزيد من التباينات والخلافات، وتبديد الطاقات في مسائل لا تُحل بالغلبة والقوة وإنما بالتفاهم والتوافق.

الجزيرة سورية تخص كل السوريين، وهي مفتاح الاستقرار المجتمعي والاقتصادي على المستوى الوطني السوري العام. كما أنها بوابة بناء أفضل العلاقات التنموية والشراكات الاقتصادية النهضوية مع تركيا في الشمال والعراق في الشرق لصالح شعوب هذه البلدان واستقرار المنطقة.

بقي أن نقول: الإطار الوطني السوري العام الجامع هو الملاذ الحقيقي، والمنقذ الفعلي، لكل السوريين؛ لذلك لا بد من التركيز على الانتماء الوطني العام الذي يجمع بين سائر السوريين. وهذا ليس معناه كما أسلفنا إلغاء الانتماءات الفرعية، وإنما وضعها في سياقها الطبيعي ضمن الإطار الوطني، مع احترام خصوصياتها وحقوقها ورفع الغبن عنها. فالوطنية السورية تجمع بين السوريين من دون أي استثناء، وهي ستسهم في الجهود المخلصة الرامية إلى حل المشكلات الراهنة التي يعاني منها السوريون خاصة على المستويين المعيشي والأمني.

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية ما ذهب إليه الرئيس أحمد الشرع في لقائه الأخير مع قناة الجزيرة (برنامج المقابلة) بخصوص الهوية السورية التي توحد السوريين. فهذا التوجه هو الذي يطمئن سائر السوريين. وما نحتاج إليه هو تفعيل هذا التوجه وتطويره وتوسيع دائرته، واعتماد الخطوات والآليات القانونية والتنفيذية من أجل تطبيقه؛ واتخاذ الإجراءات القانونية العادلة بحق أولئك الذي يروجون، من مواقعهم ولأسبابهم المختلفة، خطاب التعصّب والتشدّد بكل أشكاله؛ لأن هذا الخطاب لم، ولن، يجلب للسوريين سوى المصائب والكوارث.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى