ملامح السياسة الخارجية السورية الجديدة وحدودها

محمد فواز

منذ سقوط نظام الأسد، تحركت القيادة السورية الجديدة بسرعة لافتة على الساحة الخارجية، مستفيدة من لحظة إقليمية ودولية لا تتكرر لها بسهولة، ومن رغبة كثير من الدول في اختبار إمكانية بناء علاقة مختلفة مع دمشق. خلال فترة قصيرة، خرجت سوريا من عزلتها، واستقبلت مسؤولين دوليين وعرباً، وأعادت فتح قنواتها مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، من دون أن تقطع في الوقت نفسه علاقاتها مع روسيا، أو تتحول بالكامل إلى جزء من محور إقليمي جديد.

يمكن وضع عنوان رئيسي لهذه السياسة، وهو تصفير المشاكل وتعظيم المصالح المشتركة. من الواضح أن دمشق اليوم تبحث عن الاستقرار من جهة وتحاول الابتعاد عن فكرة صناعة عدو خارجي تبني شرعيتها في مواجهته، كما عن فكرة التخندق في محور ضد آخر. تركز القيادة الجديدة على البحث عن مساحة تسمح لها بتثبيت الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، واستعادة السيادة على الأراضي السورية. لذلك، أصبحت السياسة الخارجية امتداداً مباشراً للحاجة الداخلية السورية، وليست مشروعاً أيديولوجياً يتجاوز حدود الدولة كما كان الحال خلال العقود الماضية.

أول ملامح هذه السياسة يتمثل في الابتعاد عن المحاور. فعلى الرغم من العلاقة المتقدمة مع تركيا، والدعم الذي قدمته أنقرة للقيادة السورية الجديدة، تحرص دمشق على ألا تظهر بوصفها تابعاً تركياً. في الوقت نفسه، تعمّق علاقاتها مع السعودية وقطر والإمارات، وتنفتح على واشنطن وباريس وبرلين ولندن، مع إبقاء خط التواصل مفتوحاً مع موسكو. المقصود هنا ليس الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، فهذا أمر غير واقعي، بل منع أي دولة من احتكار القرار السوري أو تحويل سوريا مجددًا إلى ساحة نفوذ مغلقة.

في قلب هذه المقاربة يحضر الاقتصاد عملياً كاهتمام أول. فالقيادة السورية تتعامل مع موقع سوريا الجغرافي كرأس مال كبير ومورد سياسي واقتصادي يمكن استثماره، وتطرح البلاد باعتبارها جسرًا يصل تركيا بأوروبا والخليج والعراق وشرق المتوسط. لذلك يتكرر الحديث السوري عن النقل والطاقة والمرافئ وسلاسل الإمداد والاستثمارات. تلخّص ذلك بوصف الرئيس أحمد الشرع سوريا بأنها “جسر وصل بين الدول”، وربط استقرارها بأمن خطوط التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

لعل العلاقة مع الأردن تمثل النموذج الأكثر وضوحاً الذي ترغب دمشق في تعميمه وهو القائم على التنسيق وتبريد المخاوف وبناء الجسور والمشتركات على الرغم من التخوف الأولى المختزن في المملكة الهاشمية تجاه الحكم الجديد في دمشق. بالنسبة للدولتين كانت ملفات ضبط الحدود ومواجهة التهريب وإزالة الهواجس والأحكام المسبقة والانطلاق الى بناء شبكات شراكات مشتركة.

تطور هذا المسار إلى تأسيس مجلس تنسيق أعلى، شارك في دورته الثانية ثلاثون وزيراً من البلدين، وممثلون عن أكثر من عشرين قطاعاً، وانتهت اجتماعاته بتوقيع عشر مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون. لم تعد سوريا بالنسبة إلى الأردن مجرد “جبهة شمالية” ومصدر للتهديد والتهريب، كما لم يعد الأردن في النظرة السورية مجرد دولة مرتبطة بالسياسات الأميركية والغربية، بل أصبح البلدان يبحثان عن شراكة تقوم على أن أمن أحدهما يدعم أمن الآخر، وأن انتعاش التجارة السورية يفيد الموانئ والطرق والأسواق الأردنية، في حين تستفيد سوريا من الخبرات الأردنية ومن منفذها نحو الخليج والعالم.

هذه هي معادلة الربح المتبادل التي تبدو القيادة السورية مرتاحة إليها بعيداً عن مخاوف الوصاية وتصدير المشكلات. هذه المقاربة نفسها تحاول سوريا نقلها، بدرجات متفاوتة، إلى العراق ولبنان، من خلال ضبط الحدود، وتنشيط التجارة، وإعادة تشغيل خطوط النقل، والتعامل مع الدولة ومؤسساتها بدل بناء العلاقات مع الأحزاب والجماعات المسلحة.

حتى في التعامل مع إسرائيل، ورغم الاعتداءات والتوغلات المستمرة، تتجنب دمشق الذهاب نحو مواجهة لا تملك الدولة المنهكة أدواتها. تسعى القيادة السورية إلى اتفاق أمني يعيد ضبط الحدود ويوقف الاعتداءات، من دون التخلي عن الحق السوري في الجولان. هذه المقاربة لا تعني قبول الأمر الواقع الإسرائيلي، بقدر ما تعكس ترتيباً للأولويات: حماية الدولة وإعادة بنائها أولاً، مع استخدام الدبلوماسية والعلاقات الدولية للضغط على إسرائيل بدل فتح حرب جديدة.

غير أن نجاح هذه السياسة لا يتوقف على جودة الخطاب أو كثافة الزيارات الخارجية فقط. فأي سياسة خارجية قوية تحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات متماسكة واقتصاد قادر على تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع. حتى اليوم، حققت دمشق نجاحاً واضحاً في فك العزلة واستعادة الاعتراف الدولي، تجسد في رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية وإعادة تفعيل اتفاقية التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي. لكن الاختبار الأصعب يبقى في الداخل، حيث ترتبط ثقة الخارج بقدرة الدولة على فرض القانون وإدارة التنوع وحصر السلاح وبناء مؤسسات قابلة للاستمرار ووضع النظام المؤسسي والقانوني القادر على إقناع المستثمرين وحماية استثماراتهم.

إضافة إلى التحديات الداخلية، يبقى خطر ردود فعل الأطراف الأخرى ماثلاً في ظل حالة الشحن الإقليمي المستمرة. ففكرة استقرار سوريا، وبناء الشراكات، أو التوصل إلى تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل، أو حتى إعادة تنظيم العلاقة مع إيران، قد لا تكون مقبولة لدى هذه الأطراف، سواء بسبب أطماعها من جهة، أو بسبب طبيعة المرحلة والظروف المحيطة بها من جهة أخرى.

لذلك، وعلى الرغم من أن هذه السياسة السورية تبدو الأكثر حكمة وواقعية، فإن استمرار نجاحها في مختلف الملفات سيبقى موضع اختبار، وسيصطدم بحواجز الواقع خلال المرحلة المقبلة، ناهيك عن التحديات التي تفرضها الأطراف الداخلية المتربصة، من تنظيم داعش إلى قوات سوريا الديمقراطية وغيرها

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى