
رغم العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت معضلات التعليم السوري في مراحله التأسيسية والثانوية، وتبعيتها الممنهجة لسياسات الفرد والحزب القائد، فإنها لم تزل معضلة بحد ذاتها منهجياً وطرائقياً وبنيوياً. فاذا ما تجاوزنا مؤقتاً قدرة وزارة التربية على علاج كل الملفات في فترة وجيزة، وألا نحملها فوق طاقتها وقدراتها الحالية، فلنطرح السؤال المحوري: هل امتحانات الثانوية العامة السورية منصفة تعليمياً؟ وقد يبدو سؤالاً ليس مكانه في الوقت الحالي أمام المشكلات العامة التي تواجه الحكومة الانتقالية وملفّاتها الكبيرة، والتي تحتاج زمناً لعلاجها، إذا ما شُخصت منهجياً ووجدت النية والإمكانات لعلاجها. لكن ما يطرأ اليوم على المشهد التعليمي يشير إلى ضرورة البدء بعلاج معضلاته بما هي أولوية سورية عامة تهتم بحاضر البلد، فكيف وإن تمظهرت الإشكالية بقضايا لوجستية تعكس أزمة أمنية مستعصية كحادثة طلاب السويداء!
فلو دخلنا قليلاً في صلب العملية الامتحانية للشهادات السورية الإعدادية والثانوية، وتتبّعنا مجريات الحدث التعليمي السوري، فسنجد أنه رغم العمل على تغيير مناهج التعليم السورية ثلاث مرات متتالية في العقدين المنصرمين، والاستعانة بخبراء وموجهين سوريين وعرب، فإن امتحان الثانوية السورية بدا وكأنه عقاب نفسي ومحطة تحدٍ كبيرة لم تتمكّن وزارة التربية من تخفيف معضلاته، سواء من حيث شدة التوتر وطريقة الامتحانات أو حجم المواد الدراسية وآلية تقديمها، والتي تضع الطالب كأنه في معركة تقرير مصير: يكون أو لا يكون!
اللافت هنا أن طريقة الامتحانات، رغم الاستعانة بتربويين من دول عربية مجاورة والعمل على تحديث المناهج التعليمية السورية بمرجعية مناهج عالمية، بقيت هي نفسها وتجري بالطريقة المعتادة، بينما أخذت غالبية الدول تغير طرقها وأساليبها، حيث تم تعديل شروط العملية الامتحانية وتخفيف أعبائها مع الحفاظ على المستوى التعليمي الجيد والمرتفع، فقد جرى تحويل برنامج الثانوية العامة إلى عامين متتاليين تمثل محصلتهما نتيجة الثانوية العامة. وباتت جهود الطالب توزّع على عامين دراسيين، مع تقليص في حجم المواد المقدّمة في فترة محدّدة مع إيجاد طريقة مبتكرة تحاكي ميول الطالب المستقبلية الأكاديمية بكل المجالات المهنية والعلمية والأدبية، بحيث يستطيع الاختيار من مجموعة محدّدة من المواد الدراسية، التي تؤهله لمتابعة تعليمه الجامعي بما يقيس إمكاناته بشكل أفضل ويأخذ رغبته بالاعتبار. وتجمع هذه الطريقة بين التعليم والحصيلة العلمية اللازمة لبناء قاعدة معرفية تجمع بين الإرادة والخيارات التي يرغب بها الطالب. لتجمع العملية التعليمية بين مدارس تعليمية متعدّدة، أهمها وأبرزها المدرسة الجشتالتية القائمة في الأساس على تحرير قدرات الطالب الذاتية وتحفيز قدراته الذاتية وتمكينه من اختيار مستقبله الأكاديمي والمهني.
يُظهر ملف طلاب السويداء في الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية جملة من التعقيدات والمعضلات والتحدّيات العامة الأمنية والسياسية
لم تزل المحصلة المعمول بها في المناهج التعليمية السورية تعمل وفق آليتي الإشراط والاستجابة (نظرية التعليم المستوحاة من تجارب بافلوف) والمحاولة والخطأ لثورينداك، وكلاهما من طرق التعليم التقليدية والتي تتعامل مع الطلاب بوصفهم أدوات اختبار يجب تلقينهم. فيما أن التجارب التعليمية الناجحة في دول الجوار العربي والعالمي خطت باتجاه التغيير في الطرائق والمحتوى، وبالضرورة الامتحانات وشهادتها، ما يتطلب عملية بحثية منهجية وخطة عمل مستقبلية تعيد النظر في طرائق التعليم ومناهجه في وزارة التربية والتعليم. وفي ظل هذا الزمن القصير من التغيير في سورية، يبدو أن علاج المشكلات اللوجستية أولوية لابد منها. فاذا ما كان الطالب بالأساس يعاني من رهاب العملية الامتحانية للأسباب المطروحة أعلاه، فكيف يمكن أن تعالج مشكلة 14000 طالب من محافظة السويداء للدورة الامتحانية الحالية والدورة السابقة 2025، والتي توقفت وقت أحداث تموز الأسود ومجازرها المرتكبة، ولم توجد طريقة ناجعة لعلاجها أمام مشهد متعنّت سياسياً وأمنياً، لا أستثني من مسبباته أحداً.
لم تتوقف أزمات التعليم السوري وامتحاناتها على المناهج وحسب، بل امتدت على تعقيدات المشهد السوري العام ومفرزاته. اذ يُظهر ملف طلاب السويداء في الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية جملة من التعقيدات والمعضلات والتحدّيات العامة الأمنية والسياسية، تنعكس وتتكثف تعليمياً في حالة إجرائية تتمثل بنقل امتحانات ما يقارب 14000 طالب وطالبة من مدينتهم إلى مسافة أقلها مائة كلم، لمراكز امتحان في مدينة دمشق وريفها. وإن كنت لن أدخل في هذا السجال غير المنتهي والمثير للقلق حول أسباب هذا القرار وتعقيدات المشهد الأمني ومبرّرات كل طرف بشأن حماية اللجنة الوزارية المفترضة من وزارة التربية للإشراف على سير العملية الامتحانية، فإن مستقبل هؤلاء الطلاب أولوية لا بد من علاجها. وتركها للتجاذبات الأمنية وكسر الإرادات السياسية ينشئ حالة من القلق العميق لدى طلاب لا يزالون في مقتبل العمر يبحثون عن مستقبل لهم في بلد تنتابه كل أصناف الكوارث حتى اليوم.
رغم العمل على تغيير مناهج التعليم السورية ثلاث مرات متتالية في العقدين المنصرمين، والاستعانة بخبراء وموجهين سوريين وعرب، إلا أن امتحان الثانوية السورية بدا وكأنه عقاب نفسي
في المبدأ، قضية طلاب السويداء مؤشّر واضح على اشتداد الأزمات السورية الداخلية سياسياً وأمنياً ومؤسساتياً. وهذه إضافة نوعية إلى المعضلة الأساسية في التعليم وطرائقه، وبالنتيجة في امتحانات الشهادة الثانوية العامة والوصول إلى المقاعد الجامعية! فكيف إذا أضفنا إليها اليوم معضلات قرار نقل هؤلاء الطلاب من مدينتهم والرهاب الذي يرافقه. وبغض النظر عن المناهج والامتحانات السورية ومعضلاتها التاريخية، لنرقب بعض المعوقات والمحاذير التي ستواجه طلابا بعمر 15 و18 عاما في الإعدادية والثانوية. اذ يتطلب نقل نصف الـ14000 طالب (يوم للتاسع ويوم للبكالوريا) في كل يوم امتحاني حافلة لكل 50 طالبا، عدا عن أهاليهم المرافقين، يعني ما لا يقل عن 140 حافلة (حتى وإن قلّ العدد على فرض أن بعضهم اختاروا النزول سلفاً لدمشق، فسيكون أهلهم مرافقين لهم حكماً). فكيف إذا أضفنا وقت وصولهم إلى دمشق بما لا يقل عن ساعتين، عدا عن القادمين من القرى البعيدة، ومن ثم نقلهم إلى مراكزهم الامتحانية في دمشق وريفها؟ فالحافلةُ الواحدةُ قد يَتَوزَّعُ طُلابُها على مراكزَ امتحانيةٍ مُتعددةٍ. ومعَ انقطاعِ الاتصالاتِ خلالَ فترةِ الامتحاناتِ، كيف لطالبٍ في مرحلةِ التعليمِ الأساسيِّ أو الثانويةِ أن يَهتديَ إلى مركزِهِ ويقفلَ راجعاً منه؟ وكيفَ له أن يعثرَ وسطَ هذا الارتباكِ على الحافلةِ التي تُقِلُّهُ عائداً إلى السويداء؟ إنَّ غيابَ التنسيقِ هذا لَنْ يَقْتَصِرَ على هدرِ الوقتِ وضياعِ الجهودِ فحسب، بل يَعْنِي مُواجهةَ مخاطرَ حقيقيةٍ تَمَسُّ أمنَ الطلابِ وسلامتَهم، معَ ما قد يَترتَّبُ على ذلكَ من تداعياتٍ لا تُحمَدُ عُقباها. هذا عدا عن الأحداث الأمنية ممكنة الحدوث أو المفتعلة في أي لحظة. فالأمر مكلف زمناً ويشكل حالة اضطراب نفسي وقابل للخلل في كل مرحلة فيه. والأمر نفسه ينطبق على جعل قرى السويداء الأخرى كالصورة والمزرعة وغيرها مراكز امتحانية من حيث “فقدان الاتصال بطالب، ضياعه، خوفه، سهولة افتعال أحداث أمنية، وهدر الوقت…”. لنرى أنه مهما كانت مبرّرات الوزارة في نقل امتحانات الطلاب فهو أمر أشبه بالتعقيد بدل الحل، إن لم يتجلَّ بوضوح بعملية بازار سياسي خاسرة ستأتي على حساب الطلاب ومستقبلهم.
لا تزال هناك إمكانية للتراجع عن قرارٍ كهذا، وليس فقط، وأمام أحداث دير الزور والرقّة وفيضانات الفرات والضرر البالغ الحادث في المنطقة، يمكن تأجيل الامتحانات أسبوعين، تتيح الفرصة لمعالجة المعوقات المطروحة في هذا الملف من المنظّمات المدنية والدولية المختصة بالشأن التعليمي بالتعاون مع وزارة التربية ومديريتها في السويداء، وبالشراكة مع العقلانية، شبه المغيبة عن علاج معظم الملفات السورية أمام التعنّت والصلف السياسي العام، والتي عنوانها وسؤالها: ألم يحن وقت إيقاف خساراتنا المتتالية وكوارثنا العامة؟ ماذا لو توقفنا أمام سؤال مستقبل جيل يحكمه الارتجال في القرارات وسياسات التعنت والصلف، والاستثناء نادر؟
المصدر: العربي الجديد






