
لم تشهد بلداننا العربية عموماً وسوريا خصوصاً عمليات انتقال سياسي سلمي إلا خلال فترة قصيرة (الخمسينيات)، حيث كانت الانقلابات هي الطريقة السائدة في عمليات تبدل الأنظمة، سواء رافقها اعتقال الفريق السابق أم لا. وفي هذا السياق، شكّل انقلاب تشرين الثاني 1970، الذي أوصل حافظ الأسد إلى السلطة، آخر انقلاب عسكري ناجح في سوريا، إذ أسس لنظام حكم نجح في تحصين نفسه ضد أي محاولة انقلابية لاحقة معتمداً على طريقة أمنية جديدة تتمثل في تجسس الكل ضد الكل بما يمنع تشكل أي كتلة مناوئة له، وفي الوقت نفسه خلق حالة من الرعب بين الناس عموماً تجاه من يفكر ويمارس العمل السياسي خارج الأطر التي رسمها، إلى أن انفجرت الاحتجاجات الشعبية في ربيع 2011 مطالبةً بالخلاص من النظام، وساعيةً نحو حياة حرة وكريمة.
رغم الظروف القاسية التي عاشها السوريون خلال ثورتهم وما رافقها من مسارات وتحديات صعبة، لكن في النهاية تمكنوا من الخلاص من نظام الأسد، وهو ما ينظر إليه قطاع واسع من السوريين بوصفه أكبر إنجازاً في تاريخهم الحديث. قادت هيئة تحرير الشام معركة الخلاص التي انتهت بالسيطرة على دمشق صباح 8 كانون الأول 2024، حيث تولت إدارة المرحلة الانتقالية وبدأت خلال فترة قصيرة بالتحضير لعملية إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وإدارة السلطة وفق إجراءات المنتصر، وهو ما تجلى أولاً في مؤتمر النصر الذي انعقد في 29 كانون الثاني 2025 معلناً انتصار الثورة وبدء مرحلة بناء “سوريا الجديدة، حيث كانت أبرز بنوده: تولية السيد أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا. وإلغاء العمل بدستور عام 2012، وإسقاط كافة القوانين الاستثنائية، وحل حزب البعث.
الاستقرار يتآكل تدريجياً ما لم يستند إلى شرعية مؤسسية قائمة على سيادة القانون والتعددية والتداول السلمي للسلطة
ضمن نشوة النصر التي رافقت إسقاط نظام الأسد، صدرت عن بعض الأوساط الاجتماعية الداعمة للحكم الجديد تصريحات عكست تصورها لطبيعة الشرعية السياسية، وتجسد ذلك في العبارة الشهيرة: “من يحرر يقرر”. ولم يقتصر هذا التصور على الخطاب السياسي، بل انعكس عملياً في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، حيث كشفت التعيينات الحكومية المتعاقبة عن تركيز ملحوظ للسلطة في أيدي شخصيات تنتمي إلى الهيئة أو تدور في فلكها، ولا سيما في المواقع التنفيذية والأمنية الرئيسية. وبدا أن الحكم الجديد يستند في شرعيته إلى الإنجاز الكبير الذي حققه بإسقاط نظام الأسد، بما أتاح له ترسيخ موقعه بوصفه القوة المهيمنة على مفاصل الدولة والمتحكمة في مواردها وآليات توزيعها.
وبذلك يقترب نمط الحكم من نمط يمكن وصفه بـ “نظام الغلبة”، الذي يتجلى في الوصول إلى الحكم ويحافظ عليه بالقوة أو التفوق العسكري أو النفوذ الفعلي أكثر من اعتماده على الرضا الشعبي أو الإجراءات الدستورية والانتخابية. غير أن شرعية الإنجاز، مهما بلغت أهميتها في لحظة التغيير، لا تغني عن الحاجة إلى بناء شرعية مؤسسية قائمة على سيادة القانون، والتعددية السياسية، والمساءلة، وتداول السلطة، وهي العناصر التي تمثل الأساس لاستقرار أي نظام سياسي على المدى الطويل.
قد تنجح أنظمة حكم الغلبة في تحقيق الاستقرار وتوفير الأمان، إلا أن هذا الاستقرار المستند إلى تفوق القوة المسيطرة غالباً ما يترافق بتهميش وجهات نظر الأطراف الأخرى، فضلاً عن استبعاد آليات المساءلة والمراقبة من خلال صيغ “دستورية”، وحجته أنه يمنع الفوضى والحروب الأهلية، وفي أسوأ الأحوال أنه “أقل ضرراً” من الصراع على السلطة. والدخول بحالة من الفوضى. غير أن هذا الاستقرار يتآكل تدريجياً ما لم يستند إلى شرعية مؤسسية قائمة على سيادة القانون والتعددية والتداول السلمي للسلطة. ومع تراجعها، تزداد احتمالات اعتماد السلطة على أدوات الضبط والإكراه للحفاظ على استقرارها، وتتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات، بما يجعل من القوة الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الاستقرار.
على الجانب السياسي، يستند نظام الغلبة على تقييد الحريات لا منعها، لأسباب عدة أهمها العرف المجتمعي، حيث يصبح العرف باباً واسعاً وفضفاضاً يمكن إدراج ما لا يناسب الحكم تحت بابه وبالتالي منعه. والأمر الأكثر خطورة، هو الابتعاد عن مسائل السياسة من حرية تشكيل الأحزاب وحقها في المشاركة في الحكم، وهو ما يضعف من جهة المعارضة السياسية، ويؤسس من جهة أخرى لعوامل انفجار غير سلمية. خاصة إذا استمرت ذهنية أن المشاركة في الحكم يعتمد على موازين القوة أو المشاركة في معركة الخلاص لا على قواعد مؤسسية واضحة، الأمر الذي يلغي عملية تداول السلطة بالكامل، هذه العملية التي تشكل جوهر العملية الديمقراطية وروح الحياة السياسية.
تكشف التجارب التاريخية أن وصول قوة سياسية إلى السلطة بوسائل غير سلمية لا يؤدي بالضرورة إلى بناء نظام سياسي مستقر وقابل للاستمرار. ففي عدد من التجارب البارزة، أفضى استيلاء طرف واحد على السلطة واحتكارها إلى جمود النظام السياسي، وتراكم أزماته الداخلية، قبل أن يواجه تحديات وجودية هددت استمراره أو أدت إلى انهياره. ومن بين التجارب التي يمكن الاستفادة منها في هذا السياق: استيلاء الشيوعيين (البلاشفة) على السلطة في روسيا في تشرين الأول/أكتوبر 1917، والتجربة العراقية التي أعقبت الاحتلال الأميركي عام 2003، مع مراعاة الاختلافات الجوهرية بين السياقين التاريخيين والسياسيين لكل منهما.
تولت حكومة كيرينسكي السلطة في شباط 1917 عقب سقوط النظام القيصري، حيث كانت تمثل محاولة لبناء نظام ديمقراطي برلماني، لكنها واجهت مشكلات هائلة، استغلها البلاشفة واستولوا على السلطة في ثورة أكتوبر. حيث قاموا بحل الجمعية التأسيسية المنتخبة لأنه لم يحصل البلاشفة على الأغلبية فيها. مثّل هذا الحدث نقطة تحول مفصلية في مسار النظام الجديد، إذ أُغلق المسار التعددي مبكراً، وأصبح النظام قائماً على حزب واحد، حيث كانت النتيجة غياب المنافسة السياسية والفكرية المؤسسية، وانحسار الآليات الديمقراطية التي تتيح مراجعة السياسات أو تداول القيادة بصورة دورية، ومع الوقت تراجعت المشاركة السياسية الحقيقية وأصبح كثير من المواطنين ينظرون إلى الحزب كجهاز بيروقراطي يحتكر السلطة أكثر من كونه إطاراً يعبر عن الإرادة الشعبية، وحتى إرادة البروليتاريا كما كان يدعي.
غياب التعددية السياسية والمساءلة المؤسسية يقلل من قدرة النظام السياسي على التكيف مع الأزمات، ويحد من إمكاناته في إجراء الإصلاحات الضرورية قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات يصعب احتواؤها
تشكل التجربة العراقية في الحكم بعد الاحتلال الأميركي 2003 من حيث وصول قوة سياسية إلى الحكم مستندة إلى دعم قوة خارجية أكثر من استنادها إلى توافق وطني شامل، أحد نماذج حكم الغلبة، حيث نظرت الأحزاب الشيعية العراقية إلى الحكم على أنه حق لهم، فعملت على تفكيك مؤسسات الدولة السابقة وإعادة بناء النظام السياسي في ظروف استثنائية من دون مشاركة الأطراف الأخرى بشكل فعلي في الحكم. ونتيجة للضغوط الدولية على إشراك الآخرين، لجأت تلك الأحزاب بموافقة الرعاة إلى تأسيس شكل من النظام قائم على المحاصصة الطائفية والإثنية مع الحفاظ على جوهر نظام الغلبة المتمثلة بسيطرة فريق واحد على مفاصل الدولة ومقدراتها، حيث رغم التعدد الشكلي، استمر اختلال ميزان القوة السياسية.
يرى كثير من المؤرخين والسياسيين أن احتكار الحزب الشيوعي منذ استيلاء البلاشفة على السلطة للحياة السياسية ومن ثم تأميم المجتمع والاعتماد على دور “القوميسار/ المفوض” كأداة رقابة وتوجيه، وإقصاء التيارات الأخرى كان أحد العوامل التي أسهمت في انهيار الاتحاد السوفيتي على المدى البعيد. ومن هذا المنطلق، فإن الدرس المستفاد من التجربة السوفيتية لا يتمثل في أن احتكار السلطة يقود حتمياً إلى انهيار الدولة، وإنما في أن غياب التعددية السياسية والمساءلة المؤسسية يقلل من قدرة النظام السياسي على التكيف مع الأزمات، ويحد من إمكاناته في إجراء الإصلاحات الضرورية قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات يصعب احتواؤها. كما أظهرت التجربة العراقية بعد عام 2003، صعوبة الانتقال من شرعية القوة إلى بناء نظام سياسي يقوم على مؤسسات قادرة على إدارة التعددية وتحقيق التوازن بين المكونات السياسية والاجتماعية.
وخلاصة القول، يُنظر إلى نظام الغلبة بكونه نظام حكم يصل فيه الحاكم أو القوة السياسية إلى الحكم ويحافظ عليه بالقوة أو التفوق العسكري أو النفوذ الفعلي أكثر من اعتماده على الرضا الشعبي أو الإجراءات الدستورية والانتخابية، على أنه نموذج يمنح الأولوية للسيطرة والاستقرار، لكنه يواجه تحديات مستمرة تتعلق بالشرعية والمساءلة وتداول السلطة، وأخطرها فقدانه للشرعية ناهيك عن الإمكانات الكبيرة التي يوفرها لبيئة الفساد. ومع أن هذا النمط يوفر استقراراً أمنياً يغري كثيرين، لكنه يبقى استقراً هشاً يمكنه أن يتحول في أي لحظة إلى فوضى لا نهاية لها.
قد ينجح هذا النموذج في المدى القصير في فرض الاستقرار واستعادة قدرة الدولة على بسط سلطتها، ولا سيما في البيئات الخارجة من الصراعات المسلحة، إلا أن استدامة هذا الاستقرار تبقى مرهونة بقدرة النظام على الانتقال من شرعية الإنجاز إلى الشرعية المؤسسية القائمة على سيادة القانون، والمساءلة، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة. ومن دون هذا التحول، يبقى الاستقرار عرضة للتآكل مع مرور الوقت، ويظل النظام السياسي معرضاً لتجدد الأزمات كلما تراجعت فاعلية أدوات القوة أو تبدلت موازينها.
المصدر: تلفزيون سوريا






