ندوبٌ لم تندمل.. سوريا بين سقوط الطاغية وتعثر العدالة

محمد برو

.

تذكر حنة أرندت في كتابها “أصول التوتاليتارية”: “إن جذر الشر ظهر بالفعل مرتبطاً بنظامٍ يجعل جميع البشر بالتساوي عديمي الجدوى” هذه العبارة التي حاولت بها حنة أرندت تشريح آلة الحرب النازية يمكن سحبها من دون عناء على نظام الأسدين الأب والابن، فقد عمل النظام الممتد من الأب للابن على قمع المعارضة وسحقها وجعلها غير ذات جدوى على مدى خمسين سنة، حتى ليمكن القول إن المجتمع السوري بغالبيته العظمى تحول إلى أرقام لكائنات منومة مغناطيسياً بآلة الخوف من مهمشين وعديمي جدوى ومنسيين، عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الممنهجة التي دجن فيها النظام الأمني في سوريا المجتمع وحول نخبه الفكرية والسياسية إلى ظواهر صوتية خافتة لا يرجى منها أي تأثير.

قضية الفساد المعشش في الحياة السورية، لم تنتهِ حكايته بسقوط النظام ورموزه ولا بتفكيك آلته العسكرية والأمنية، فالتحولات الاجتماعية العميقة والجوهرية تحتاج لزمن أطول كي يتعافى المجتمع على تنوعه من عقابيله، وبجولة خاطفة في الأوساط السورية اليوم سنجد أن الشطر الأكبر من الميكانيزمات والآليات وسبل التعاطي مع المشكلات أو طرق إدارة الموارد والمؤسسات الجديدة تدين إلى الحقبة الأسدية بكثير من النسب. سيما أن العدد الأكبر من الفاعلين في تلك المؤسسات هم من أبناء تلك المرحلة، والذين كانوا على مدار عقود أدوات إدارة ذلك الفساد والمنتفعين منه والمتحكمين بمفاصله، وما يزال الوعي والذاكرة الجمعية والأنماط الاجتماعية في سوريا مرتهنة لتلك التركة الفاسدة، تلك الشجرة التي اجتثت أغصانها لكن جذورها ما تزال ضاربة في الأرض، وليست المسألة مسألة وقت يتعافى به المجتمع السوري من تلك الندوب بل هي مسألة صراع وحرب مفتوحة على العديد من الاحتمالات بين ورثة النظام القديم الذين طالما كانوا ممثلين لمؤسسات الفساد الفاعلة فيه وشركائهم الجدد، وبين من يريدون تأسيس بيئة سليمة على أسس قانونية عادلة تحارب الفساد وتحاصر الهدر والامتيازات الاستثنائية والعبث بمقدرات السوريين، ويمكن القول بألم إن الكفتين ما تزالان تتأرجحان من دون ترجيح لواحدة على الأخرى، وهذا نذير سوء نخشى أن يعيد الحالة إلى سيرتها الأولى، فتصبح الرشى جزءاً من الآليات التي تنجز بها المهمات الصعبة وتصبح الاستثمارات والامتيازات والتعهدات ممنوحة لجهات بعينها، جهات استطاعت فيما مضى أن تصوغ دفاتر الشروط على قياسها منفردة، وتقصي المنافسين.

تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن مئتي ألف حالة اختفاء قسري وإذا افترضنا أن المحيط العائلي لكل مفقود يقدر بعشرة أشخاص بين أخ وأب وأم وشقيقة وولد فإننا نتحدث عن مليوني إنسان سوري ينتظر حلاً أو تبياناً لهذه المعضلة المؤلمة

 

يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور “1913-2005”: (إن نسيان ما حدث هو خيانة للضحايا، لكن تذكره دون عدالة هو استمرار لعذابهم) عبارة تختصر معضلة سوريا اليوم بين ذاكرة لا تريد أن تُطوى وعدالة لم تولد بعد.

في النظر إلى قضية المفقودين وقضية العدالة الانتقالية، حيث يعاني المجتمع السوري من هذه المسألة شديدة التعقيد ولا يبدو أن هنالك حلولاً منظورة تلوح في الأفق، فقضية المفقودين والمختفين قسراً، ما تزال تنتظر إشارة البدء بالرغم من إحداث هيئة مختصة بهذا الشأن، فتقارير الأمم المتحدة تتحدث عن مئتي ألف حالة اختفاء قسري وإذا افترضنا أن المحيط العائلي لكل مفقود يقدر بعشرة أشخاص بين أخ وأب وأم وشقيقة وولد فإننا نتحدث عن مليوني إنسان سوري ينتظر حلاً أو تبياناً لهذه المعضلة المؤلمة، الأمر الذي سيبقي هذه المعضلة ندبة عصية على التعافي، فالعائلة التي لن تستطيع إقامة مراسم الحداد على فقيدها كونها تجهل مصيره، لن تستطيع أن تطوي صفحة الماضي ولا أن تتصالح مع الحاضر والمستقبل.

المسألة اللصيقة بقضية المفقودين، قضية العدالة الانتقالية التي لم تتجاوز إلى الآن همزة الوصل في أبجدية الظلم الطويلة، ومعظمنا يعلم أنه لا سبيل لإرساء السلم الأهلي ما لم تتحقق تلك العدالة ولو بشطرها الرمزي، ستبقى قضية المفقودين ومسألة تأخر إنجاز العدالة الانتقالية قنبلة موقوتة لا يمكن التكهن بتوقيت انفجارها في فضاء مجتمعات منهكة ما تزال جراحها نازفة، الأمر الذي يترك باب الثأر الفردي مفتوحاً على مصراعيه، وهذا ما ينبغي إيلاؤه أعلى درجات الاهتمام.

التمزيق الديموغرافي لم يعبث بالخرائط وحدها بل مزق نسيج العائلة الواحدة، التي كانت تشكل العمود الفقري للمجتمع السوري، وفكك شبكات التضامن والتكافل الاجتماعي

 

قضية التهجير الداخلي والخارجي والذي يعد بانهيارات ديمغرافية، فالتهجير الذي كان ثمرة سياسة منهجية تهدف لتفتيت المجتمع السوري وإفقاده القدرة على التماسك والمقاومة، والحصيلة ستة ملايين مهجر خارج البلاد وسبعة ملايين مشرد داخلها، ونسبة بلغت 70 في المئة من السوريين تحت خط الفقر وفي عوز شديد لمساعدات إنسانية ملحة.

هذا التمزيق الديمغرافي لم يعبث بالخرائط وحدها بل مزق نسيج العائلة الواحدة، التي كانت تشكل العمود الفقري للمجتمع السوري، وفكك شبكات التضامن والتكافل الاجتماعي التي كانت من أهم أسباب البقاء والتماسك، وأنتجت جيلاً من الأبناء الذين لا ينتمون لبقعة جغرافية بعينها ولا يعرفون عن مدنهم وبلداتهم إلا ما ترويه الحكايات والذكريات المروية، أما أبناؤنا الذين ولدوا في بلدان المهجر مثل تركيا وألمانيا ولبنان والأردن وبلاد واسعة أخرى، فإن هويتهم وانتماءهم إلى سوريا موطن آبائهم أمر مثير للجدل وغاية في التعقيد، فالطفل الذي ولد في بلدة أوروبية لا يعرف فيها انقطاع الكهرباء وندرة الماء وعدم توفر الدواء اللازم، ولم يلفحه غبار الهواء الملوث، ولا غامر بقطع الشوارع التي تتصارع فيها آلاف السيارات من دون أي اعتبار لسلامة المارة، لن يستطيع التكيف والقبول بالعيش في وطن ما يزال يفتقر إلى أدنى الضروريات التي اعتاد عليها في بلد المهجر.

كذلك قضية الحقول المتناثرة من الألغام التي لا نمتلك خرائط لتوزعها والتي تفجعنا كل يوم بضحايا جدد، ولا يمكن التكهن بمواقعها ليصار إلى نزعها، فكل أرض جرداء وكل منطقة زراعية أو قرية يمكن أن تكون مزرعة من مزارع الموت المتربص، وبالرغم من الجهد الكبير الذي تبذله مؤسسة الدفاع المدني ووزارة الطوارئ إلا أن الخطر ما يزال ممتداً على مساحة الأرض السورية.

كما أن قضية استعادة الملكيات والعقارات التي تمت استباحتها من أزلام النظام وشركائهم في إدارة الفساد، إضافة للأفعال الانتقامية التي قامت بها أجهزة الأمن في حقبة الأسد من معاقبة المهاجرين والمعارضين، كل هذا تضافر في خلق أزمة معقدة تركت عشرات آلاف العوائل السورية نهب الضياع يسعون جاهدين لاستعادة أملاكهم ومساكنهم المنهوبة. ستبقى هذه المعضلة مثار صراع لزمن طويل فكثير من الممتلكات تم تناقلها لأكثر من مشترٍ بحيث يضيع حق المالك الأصلي بين المتداولين المتعاقبين الذين شكلوا شبكات التداول الوهمية تلك.

هذا جزء بسيط من الندوب التي يعاني منها المجتمع السوري في طور التعافي وإعادة الاستقرار والبناء، فوباء الصدمة والتعافي النفسي وترميم الثقة الاجتماعية المفقودة والممزقة، واستعادة عشرات آلاف الأطفال من الشوارع إلى مقاعد الدراسة، وتعافي آلاف الشباب من مدمني المخدرات الذين صنعهم ودمرهم نظام الأسد، والانهيار الحاد في النظام الصحي وفناء الطبقة الوسطى التي يعول عليها في كل عملية نهوض. واستعادة العقول والخبرات المهاجرة، كل هذا غيض من فيض التحديات التي لا مناص من مواجهتها وتحمل تبعاتها.

يبقى الأمل كبيراً في قدرة السوريين على النهوض كما تنهض العنقاء من الرماد، إنهم السوريون الذين طالما صنعوا الحضارة عبر التاريخ وصدروها، وطالما دمرت الزلازل المتعاقبة مدناً سوريا وجعلتها أثراً بعد عين لكنها عادت مرة إثر مرة لتنهض من جديد بهمم أبنائها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى