
قد لا يبدو كافياً تماماً قرار المحكمة الإدارية في باريس، الأربعاء الماضي، إبطال قرار “الكوليج دو فرانس” التراجع عن استضافتها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (فرع باريس) وقسم التاريخ في الكلية نفسها “فلسطين وأوروبا…”، وإن تضمّن أيضاً دفع أربعة آلاف يورو (فقط) لتغطية جزءٍ (!) من أتعاب التقاضي (ومنها أتعاب المحامين)، ذلك أنه لم يشمل الطلب من “الكوليج دي فرانس” تعويض الجهتيْن المنظمّتين، أو تقديم اعتذارٍ لهما. ولكن في هذا الحُكم إنصافاً طيّباً يمكّن من القول بالثقة في المؤسّسة القضائية الفرنسية. والراجح أن الكلية العتيدة إذا ما رأى أهل القرار فيها استئناف الحكم “إذا وجدوا هذا مفيداً”، على ما أخبر أحدُهم “العربي الجديد”، لن تُحرز جديداً مختلفاً عمّ جرى الإعلان عنه، سيما وأن لا عقوبة بالمعنى الجزائي هنا (ليسعفَنا أهل القانون بالمفردات المناسبة)، ومقدورٌ على الأربعة آلاف يورو، فضلا عن الأهم، أن المؤتمر انتظم في وقته، وشارك فيه المدعوون إليه، فرنسيون وأوروبيون وعرب، واختلف إليه عديدون تابعوا أعماله أو بعضها في مقرّ المركز العربي في باريس أو من منصّاتٍ جرى بثّ فعالياته فيها. كما انتصر له، بعد ما مثله سلوك “الكوليج دو فرانس” من اعتداءٍ صريحٍ على الحرّيات الأكاديمية في فرنسا، مثقفون وأساتذة جامعيون وباحثون، كتبت صحيفة لوموند في حينه إنهم زادوا عن الألف، استنكروا تراجع الكلية عن استضافة المؤتمر، بعد تحريضٍ سافرٍ عليه أشهره وزير التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي، فيليب باتيسيت، ألحقه ب”تهنئةٍ” بعثها إلى رئيس الكلية العريقة على قرار الإلغاء، والذي ردّه لأسبابٍ أمنية، و”لحماية الموظّفين”(!)، وقد تطاول على المركز العربي بقلة تهذيب ظاهرة، في زعمه إنه “لا يأخذ بحرية النقاش بناء على الاحترام والتعددية”.
تابعْنا من هناك (باريس) جلسات المؤتمر الذي انتصر المشاركون فيه لاحترامهم أنفسَهم ونزاهتهم وحرّياتهم، مثقفين وأكاديميين وباحثين. وبأمّ العين شاهدنا حماسهم في تداول النقاش في الذي تحدثوا فيه وعنه من موضوعات وقضايا تخصّ “فلسطين وأوروبا”. وبعد ثمانية أشهر، نراه، قرارَ المحكمة الفرنسية، الأسبوع الماضي، وإن قصَر منطوقَه في بطلان تصرّف “الكوليج دو فرانس” على رفض المزاعم عن مخاطر أمنية فيما لو استضيف فيها منجزاً معنوياً وحقوقياً مهماً، بل ودرساً في وجوب عدم السكوت عن حقّ لك، فلا تستضعف نفسك، وأنت عربيٌّ في الغرب، فثمّة وجوهٌ للعدالة في بيئةٍ تشريعيةٍ تنهض على حماية الحقوق والحرّيات. والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بما أحرزه لنفسه من مكانةٍ عليا وحضورٍ رفيع، عندما لجأ إلى التقاضي في شأن ما سلكته “الكوليج دو فرانس”، وهي التي استضافت مؤتمرات سابقة للمركز، إنما زاول حقّاً له، ليسيّج مزاولته الدرس والبحث والنقاش المعرفي بما يلزم من أدوات حمايته نفسه من التجرّؤ العبثي ضده، ورمي التهم المرسلة والبائسة، من أكثر من سلطةٍ في بلد أوروبي متقدّم، حكومية وعلمية وإعلامية. وعلى ما يطرب له صغيرون غير قليلين من كلامٍ ركيكٍ يرمون به المركز وإدارته واستقلاليّته وتمويله وإصداراته وأنشطته ومشاريعه، فإنه لم يحدُث أن حفِل بأيٍّ من هؤلاء، غير أن التمادي الذي سلكته “الكوليج دو فرانس” عن مؤتمر أكاديمي عن فلسطين في أوروبا راهناً وماضياً لم يكن في الوُسع تمريرُه، في بلد الحرّيات والتنوير، من دون وضع الحروف على النقاط، وما صنعته المحكمة الإدارية في باريس أنها وضعت بعض هذه الحروف على بعض النقاط.
وتتيح القضية كلها حاشيةً، ربما نافلة، عن كل هذا الصمم الذي أبدته، وما تزال تُبديه، تشكيلاتٌ ثقافيةٌ وأكاديمية، ومؤسّسات إعلامية، بشأن الذي جرى في باريس في الخريف الماضي واستجدّ شأنٌ موصولٌ به الأربعاء الماضي. انتفضت صحفٌ ومؤسساتٌ وشخصيات لإ فرنسية، غير أن اتحاداً شديد البؤس، اسمُه اتحاد الكتاب والأدباء العرب، يشغل نفسه بإدانة خطف رئيس فنزيلا، أما مؤتمرٌ عن فلسطين في أوروبا يُعتدى على حرّية المشاركين فيه فلا يستحقّ اكتراثاً به. كما هو شأن صحافات عربية لم تر في الواقعة ما يشجّعها على متابعته… والله من وراء القصد.
المصدر: العربي الجديد






