البرلمان السوري.. بين الواقع والطموح

محمد علي صايغ

مع افتتاح الجلسة الأولى للبرلمان السوري (مجلس الشعب)، انطلقت موجة واسعة من التعليقات والتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي، توزعت بين مؤيدٍ ومتفائلٍ يرى في هذه الخطوة بدايةً لمسارٍ سياسيٍّ جديد، وبين متشائمٍ ومشككٍ في قدرة البرلمان، وفق تركيبته الحالية وطريقة تشكيله، على أداء دورٍ حقيقي في إرساء قواعد جديدة لبناء الدولة السورية.

وبغضِّ النظر عن طريقة تشكيل البرلمان، سواء عبر الهيئة الانتخابية أو من خلال تعيين رئيس الجمهورية لثلث أعضائه، فإن التجارب التاريخية للدول التي عصفت بها الحروب والأزمات العميقة تؤكد أن بناء المؤسسات خلال المراحل الانتقالية غالبًا ما يتم بإجراءاتٍ استثنائية، تمهيدًا للانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا واستدامة.

ولا شكَّ بأن لهذا المجلس الجديد مهماتٍ كبرى ملقاةً على عاتقه، وتتعلق أنظار السوريين وآمالهم به، وهو منذ اليوم الأول لانعقاد اجتماعاته أصبح تحت مجهر السوريين لمراقبة أدائه واختبار قدرته على إنجاز المأمول منه باستقلالية عن السلطة التنفيذية، بلا تبعية أو وصاية، كخطوةٍ مهمة على طريق تحديد ركائز شكل الدولة ونظامها السياسي وبناء أركانها على أسسٍ يُعاد بها تعريف الدولة السورية على أنها دولة المواطنين الأحرار، وطيِّ صفحة الماضي الذي لم تكن فيه الدولة، منذ الاستقلال وحتى اليوم، إلا مشروع دولة لم يتحول إلى دولة راسخة بمؤسساتها وتداول السلطة فيها سلميًّا .. فقد اختطفتها الانقلابات العسكرية، ليأتي نظام الأسد فيُنهي، أو يُدمِّر، الأمل في أن تتحول إلى دولة قائمة على مؤسساتٍ حاكمة ودستورٍ وقانونٍ ينظمان العلاقة بين المواطنين والسلطة، لتتحول الدولة إلى ملكية خاصة بيد السلطة، ويتحول المواطنون إلى رعايا يأتمرون بأوامرها، ولا يحق لهم، تحت عسف السلطة، إلا الطاعة والانصياع.

إن المسؤوليات الملقاة على عاتق مجلس الشعب كبيرة، والآمال ضخمة، وكل أنظار السوريين متجهة إلى المجلس الجديد، وأمامه مسؤوليات تتمحور في مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية السابقة، وإلغاء ما يتوجب إلغاؤه، وتعديل ما يجب تعديله، بما يؤدي إلى تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية. وعلى رأس هذه القوانين: قانون تجريم الطائفية وخطاب التحريض والكراهية، وقانون عصري للأحزاب السياسية، وقانون عادل للضرائب، وقانون يوحد الأجور والرواتب وفق معايير الإنصاف، وقوانين سيادية تحفظ حقوق الأغلبية الساحقة من المواطنين في الصحة والتعليم والطاقة والنقل والأمن الغذائي.

كما تقع على عاتق المجلس مسؤولية الإعداد لدستورٍ دائمٍ جديد عبر هيئة تأسيسية منتخبة، تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، وتؤسس لحياة سياسية مستقرة، بالتوازي مع إصدار قانون انتخابات حديث يقوم على العدالة الانتخابية والشفافية والمصداقية.

ولا تقل أهمية عن ذلك ممارسة الدور الرقابي للمجلس على السلطة التنفيذية، ومساءلتها ومحاسبتها، ومكافحة الفساد، ومنع عودة القوى الفاسدة أو بقايا منظومة الاستبداد إلى مفاصل الدولة. كما يتوجب على المجلس النيابي الكشف والمكاشفة عن دوره وأعماله ومتابعاته من خلال مداولاتٍ علنية، وجلسات استماعٍ للوزراء، ومناقشاتٍ مفتوحة للسياسات العامة، وأن يحافظ على تواصلٍ دائم مع الحاضنة الشعبية والانتخابية التي يمثلها. ويقتضي ذلك أيضًا العمل على تعديل الإعلان الدستوري المؤقت، بما يسد الثغرات التي تعتريه، ويكرس بصورة واضحة حق السلطة التشريعية في الرقابة والمساءلة والمحاسبة للسلطة التنفيذية، بحيث يصبح البرلمان شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار، لا مجرد مؤسسة لإقرار قوانين وسياسات مُعَدَّة سلفًا.

ولا شك أن هذه المهام تضع مجلس الشعب أمام تحدياتٍ كبيرة، لكنها ليست مستحيلة إذا ما أُحسن ترتيب أولوياته. وفي مقدمة هذه الأولويات استعادة شرعيته المجتمعية من خلال الأداء الفاعل، والانفتاح على جميع مكونات المجتمع وتياراته السياسية، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية في صياغة تشريعات تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية.

ومن الأولويات الملحة أيضًا إصدار قانونٍ للعدالة الانتقالية يضمن محاسبة كل من تلطخت يداه بدماء السوريين أو تورط في نهب المال العام، تمهيدًا لجبر الضرر وكشف مصير المفقودين، بما يمهد لمصالحة وطنية حقيقية تنهي دوائر الثأر والانتقام، وتفتح الطريق أمام بناء دولة المواطنة وسيادة القانون.

وبالتوازي مع ذلك، يحتاج المجلس إلى إقرار حزمةٍ من التشريعات المالية والاقتصادية والاستثمارية التي تدفع عملية التعافي الاقتصادي، وتشجع الاستثمار، ولا سيما الاستثمار المحلي، بالتزامن مع تحسين الخدمات الأساسية وتهيئة البيئة المناسبة للنهوض بالأوضاع المعيشية والخدمية.

غير أن كل هذه التشريعات لا يمكن أن تجد تطبيقها الفعلي، وستبقى محدودة الأثر، من دون بيئةٍ توفر حالةً من الاستقرار، تُنهي حالة التشظي الأمني وتعدد مراكز القوى العسكرية والسياسية، وتفرض سيادة القانون باستقلالية، دون استثناء أو تمييز، بما يُمكِّن من تجاوز الأزمات المتلاحقة، ويُرسِّخ قيم العدالة والمساواة بين المواطنين.

ولأن معظم ما جرى منذ سقوط النظام وحتى اليوم تم بمنطق الضرورة، ووفق معادلات الأمر الواقع، فإن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعةً شاملة للسياسات التي اتبعتها الإدارة الجديدة منذ توليها السلطة. وتشمل هذه المراجعة إعادة النظر في الإعلان الدستوري المؤقت، وما يحتاج إليه من تعديلات تتلاءم مع متطلبات المرحلة، لتجاوز الثغرات العديدة في نصوصه. كما تشمل تقييم المؤتمر السوري الذي انعقد تحت ضغط الضرورة، فجاء محدود النتائج، وخاليًا من أية مخرجات تعالج العطب والخلل البنيوي اللذين أصابا الدولة السورية خلال أكثر من خمسة عقود، غابت فيها المشاركة السياسية، وغابت سيادة العدالة وحكم القانون.

ومن هذا المنطلق، فإن منطق الضرورة نفسه يفرض أن تتقدم الرئاسة السورية بشجاعة إلى الدعوة إلى مؤتمرٍ وطنيٍّ عام وشامل، يعيد تصويب مسار المرحلة الانتقالية والتحول السياسي المتعثر، بخطواتٍ مدروسة تقوم على الشراكة الوطنية الواسعة بين مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، بما يتيح رسم معالم واقعية لمستقبل سورية، ويمنح السوريين فرصةً حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبل دولتهم، واستعادة دورهم في البناء والتنمية، وصولًا إلى الدولة التي طال انتظارها: دولة الحرية والمواطنة والقانون.

19 / 7 / 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى