
هناك دوافع وأهداف مختلفة لإجراء انتخابات تشريعية فلسطينية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل؛ طبيعي أن يكون التغيير ضرورة، خاصة بعد 20 عاماً من آخر انتخابات تشريعية ورئاسية، فالشرعية المتجدّدة هي المستمدّة من الشعب والأصدق تمثيلاً. ولكن، أن تكون تحت الاحتلال، أي مقيّدة، وفي سياق هجمة صهيونية لضم الضفة الغربية وتهويد القدس واستمرار حرب إبادة بطيئة ضد أهل غزّة، فالخشية أن تكون الانتخابات وسيلة لإثبات حسن السلوك وفقاً للشروط الأميركية والإسرائيلية.
قبل ذلك كله، وإذا افترضنا عملية انتخابات حرة ونزيهة، فلنتذكر خطورة المضي في تجزئة تمثيل الشعب الفلسطيني نتيجة غياب منظمة التحرير الفلسطينية التي يتم إضعافها وتدميرها. ففي الماضي، كانت المنظمة الجامع للهوية الفلسطينية؛ فبالرغم من مشاركة فلسطينيي الـ48 في الكنيست وقرار أجرته ظروف النكبة وما بعدها، كانت المنظّمة تمثل الفلسطيني، بغض النظر عن أماكن وجوده. أي إن الفشل ببناء حركة تحرير وطني فلسطيني جامعة، يجعل الانتخابات التشريعية منعزلة عن باقي الشعب الفلسطيني، وخاضعة لإملاءات الإدارة الأميركية، فليس سرّاً أن الحديث الأميركي عن “عملية إصلاح السلطة” ما هي إلا مسمّى آخر لتجريد ما تبقى من وعي وثقافة تحرّرية وطنية في المؤسّسات الفلسطينية، في سياق هدف تصفية القضية الفلسطينية.
في انتخابات 2006، أدى الرفض الغربي لفوز حركة حماس إلى إحداث شقٍّ فلسطيني غير مسبوق. الوضع حالياً أشد صعوبة، فبالنسبة للغرب وليس أميركا وحدها، حركتا حماس والجهاد الإسلامي غير مسموح لهما بالوجود، لكن الأمر ليس أفضل لباقي فصائل منظمة التحرير وأولها حركة فتح.
يجب أن نتوقع، في الشهرين المقبلين، أن تبدأ الإدارة الأميركية برفض مشاركة “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، ولن تكتفي بهذا، بل ستكون هناك جهات من حركة فتح وشخصيات أيضاً لا تريدها واشنطن في المجلس، فنحن دخلنا مرحلة “فلترة” سياسية. والأسوأ أن التنافس الداخلي والخلافات واستماتة الفئة المسيطرة في السلطة الفلسطينية على إثبات جدارتها وأهليتها لواشنطن قد تدفع إلى صراعات نتمنى أن لا تتحوّل إلى صدام، فهذا سيناريو يعطي فرصاً لتدخّل عسكري إسرائيلي أو فرض سلطتها الرسمية على الضفة الغربية.
في انتخابات 2006، أدى الرفض الغربي لفوز حركة حماس إلى إحداث شقٍّ فلسطيني غير مسبوق
هناك أيضاً مسألتا مشاركة غزّة والقدس، فحتى لو قبلت إسرائيل وأميركا بانتخاب بين الركام والخيم وطوابير الجائعين، فلن تكون إلا تحت سلطة مجلس ترامب الاستعماري، إذا ارتأت واشنطن أن هذا يخدم خطط تحويل غزّة إلى معسكرات ومنتجعات لأثرياء الغرب وشطب غزّة من سردية الهوية والتاريخ الفلسطيني. أما القدس؛ فموقف إسرائيل الدائم برفض تمثيل أهلها إلا بشروط سيكون رفضاً قطعياً مع استمرار تهويد القدس وضم المستوطنات القريبة والاستيلاء على المسجد الأقصى. فإهمال العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع تهويد الأقصى هو ما يشجع إسرائيل على المضي في مخطّطها في القدس.
ليس المراد هنا زرع الإحباط في النفوس، لكن يجب رؤية الأمور على حقيقتها ومواجهة الأسئلة الصعبة. اللافت أن معظم النقاش حول الانتخابات لا يؤسّس لموقف فلسطيني موحد يرفض التدخل الأميركي، ولا عن كيفية التعامل مع رفض أميركا المتوقع لمشاركة حماس وجهات أخرى، خصوصاً أن أميركا ستحاول ضبط الخطاب الفلسطيني.
أما الشعارات الانتخابية فلن تكون في منأى عن التدخلات الإسرائيلية الأميركية، فهذه الشعارات هي ضمن السردية التي تحاول أميركا وإسرائيل شطبها، فإنهاء سردية الحقوق الوطنية والحقوقية والتاريخية الفلسطينية تكملة لحرب الإبادة الجسدية. وفي ما يتعلق بإشكالية فصل الداخل عن الخارج الفلسطيني فمسألة مصيرية، لكن حتى لو اتفقت كل الجهات الفلسطينية في الداخل على مواجهة الإملاءات على عملية الانتخابات ونتائجها، فالفشل في إحياء منظمة التحرير وإعادة بنائها مظلة للشعب الفلسطيني هو ما يجعل كل ما يحدث يصبّ في خطر استمرار التفتت الفلسطيني وتجزئة القضية الفلسطينية.
الفشل في إحياء منظمة التحرير وإعادة بنائها مظلة للشعب الفلسطيني هو ما يجعل كل ما يحدث يصبّ في خطر استمرار التفتت الفلسطيني وتجزئة القضية الفلسطينية
هنا أود أن أتحدث بصراحة، فشل المؤتمرات في إعادة بناء منظمة التحرير وإحياء شكل مؤسّسي لحركة التحرر الفلسطينية يعود، في جزء منه، إلى التنافس والصراع على السلطة؛ ففي كل مؤتمرات الخارج تجد أن هناك صراعاً على قيادة المؤتمرات، إضافة إلى محاولات تجيير الجهود لصالح جهة أو أخرى. وهناك طبعاً العامل الموضوعي، فليس هناك جهات معنية في محيط فلسطين بإحياء منظّمة التحرير برؤية واضحة وتحرّرية تمثل جميع الفلسطينيين، وتمهد لقيادات شابة تكمل المسيرة، وحتى حين يتوفر هذا تُعرقله الضغوطُ الإقليمية. إضافة إلى أن إعادة بناء منظمة التحرير لا يتم في المؤتمرات فقط، بل هو عمل وجهد وجهاد، وأثبتت التجارب أن العمل الحقيقي والمطلوب ينتهي أو يتضاءل ويختفي بمجرّد انتهاء المؤتمر.
لم تنطلق الثورة الفلسطينية من إلقاء الخطابات، وإنْ كانت مهمة، وإنما بالنضال اليومي، وهنا أيضاً أمامنا معضلة أن مشروع إعادة بناء منظمة التحرير مرفوض من دول الطوق، ومن يريد الانخراط الحقيقي فهناك ثمن. فلم تصبح منظمة التحرير ممثلة لحركة التحرّر إلا بعد وصول من انخرط في النضال، أي التنظيمات، كانت الشرعية في حينها للكفاح المسلح والعمل المقاوم، ونحن الآن في زمن الإبادة التي تجري بها محاولات إنهاء النفَس المقاوم.
لكن؛ قبل حرب الإبادة كان هناك قصور وتقصير. وأعتقد أنه ما يزال هناك افتقاد للوعي التحرري والتاريخي، خاصة عند الأجيال الشابة، التي تملك مهارات وكفاءات لم تتوفر للأجيال السابقة، ونحن نعول عليها جميعاً. إلا أن معظم الجيل الشاب لا يدرس (أو يفهم) تجربة الثورة الفلسطينية والتاريخ حتى ما هو متوافر، ويستخفّ بتلك التجربة، إذ يراها فشلت.
عبء كبير على كل شخص يترشح في الانتخابات التشريعية، إذا جرت، وهو الحفاظ على الخطاب الوطني الوحدوي
الآن سينظر جيل الشباب إلى الانتخابات بوصفها صراعاً على سلطة تفتقد السيادة، وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن النضال اليوم يصنع الوعي التحرري، لذا نرى هناك شباباً وشابات في فلسطين، كما ثبت في الانتخابات الطلابية والمحلية، لم تتوقف عن النضال اليومي والانخراط الحقيقي في مواجهة الاحتلال، فالنضال اليومي هو مصنع الوعي الوطني.
هناك عبء كبير على كل شخص يترشح في الانتخابات التشريعية، إذا جرت، وهو الحفاظ على الخطاب الوطني الوحدوي، إذ أخشى أن يطغى الخطاب الفئوي المصلحي والمناطقي على أجواء الانتخابات. ومن الصعب التحمس للانتخابات، ولا يمكن أن تكون ملهمة للشباب، خاصة خارج فلسطين، وصعب أن تكون ملهمة. لكن سواء كانت هناك انتخابات أم لا، فالأولوية العودة إلى الخطاب الوحدوي، خصوصاً أن غزّة وأهلها يشعرون أنهم تُركوا وحدهم، وأن هناك حيوات أخرى هم بعيدون عنها.
قد لا يكون لكل ما تقدّم من معنى، فالسلطة الفلسطينية ترى في الانتخابات ضماناً لاستمراريتها كما هي، وعينها على واشنطن. الأمل في أن تستوعب كل الجهات في فلسطين أن عليها أن تتحمّل المسؤولية، وإلا فسيكون المشهد مشيناً لا غير.
المصدر: العربي الجديد






