
كشفت وكالة رويترز، في 13 مايو/ أيار الجاري، أنّ مقاتلات سعودية قصفت أهدافاً مرتبطة بفصائل عراقية موالية لطهران خلال الحرب أخيراً، وأنّ صواريخ أُطلقت من الأراضي الكويتية باتجاه جنوبي العراق في مناسبتَين على الأقلّ، ودمّرت إحدى الضربات في الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) منشأة طائرات مسيّرة واتصالات لكتائب حزب الله. الخبر بحدّ ذاته ليس مفاجأةً استراتيجيةً، بل تأكيدٌ متأخّر لما كان يدور في كواليس الدبلوماسية الإقليمية منذ أسابيع، لكنّه يطرح سؤالاً تحليلياً مختلفاً عن السؤال الإخباري: ما الذي تكشفه الضربات من الحسابات الجديدة لدول الجوار العراقي، وما الذي يعنيه ذلك لحكومة علي الزيدي المُكلَّفة بمعالجة ملفّ أفلت من يد الدولة منذ سنوات؟
يمثّل ما حدث تحوّلاً نوعياً في كيفية تعامل دول الخليج العربي مع الملفّ العراقي. كانت الاستدعاءات الدبلوماسية دائماً جزءاً من القاموس المعتاد. أمّا الانتقال إلى الضربات العسكرية المباشرة على الأراضي العراقية فيدلّ على أنّ دول الخليج لم تعد ترى في الانتظار خياراً عملياً، وأنّ منطق الردع الذاتي حلّ محلّ منطق التفويض لبغداد في ضبط فاعلين يعملون في الأراضي العراقية. هذا التحوّل، أكثر من غيره، هو ما يحدّد مساحة الحركة المتاحة لأيّ حكومة عراقية مقبلة.
زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد تستدعي قراءةً استراتيجيةً بوصفها تدخّلاً إيرانياً تقليدياً
بنية الأزمة وهامش الحركة المتاح للزيدي
من زاوية تحليلية أعمق، ما تكشفه ضربات إبريل ليس ضعف القدرة العراقية، بل خلل في بنية التفويض السيادي. وللدولة العراقية جيش وأجهزة استخبارات وقوّات أمن داخلي وقوّات مكافحة إرهاب مدرَّبة. ما تفتقر إليه الدولة حصرية القرار في استخدام القوّة المسلّحة من أراضيها. حين انطلق ما يصل إلى 500 هجمة بطائرات مسيّرة على السعودية من الأراضي العراقية، وفق تقدير سعودي نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، وحين أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” أنّ فصائلها شنّت أكثر من 750 ضربة ضدّ أهداف في دول مجاورة، لم تكن الدولة العراقية شريكة في القرار. كانت غائبةً. هذا هو الإطار التحليلي لفهم ما ورثه الزيدي: مأزقٌ سياديٌّ يتجاوز مسألة “نزع السلاح” بمعناها التبسيطي. السلاح موجود ضمن منظومة “الحشد الشعبي” الرسمية، والسلاح موجود أيضاً خارجها. الفجوة بين الموقعين فجوة تفويض، وهي ما يجعل عملاً عسكرياً يخدم أهدافاً غير عراقية ينطلق من تراب عراقي وببصمات عراقية، من دون أن يكون قراراً عراقياً. وهي الفجوة التي حاولت ضربات الرياض والكويت ردمها من الخارج، بعد أن عجزت بغداد عن ردمها من الداخل.
في هذا السياق، تكتسب اللجنة التي شكّلها الزيدي بمشاركة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمّد شياع السوداني، وزعيم منظّمة بدر، هادي العامري، دلالةً تتجاوز قراءتها خطوةً إجرائيةً. تصنيف الفصائل في أربع فئات، من المُدرَجة فعلياً ضمن الحشد إلى المستقلّة عملياً عن سلطته، يعكس وعياً بأنّ المعالجة الموحَّدة لملفّ غير موحَّد هي ذاتها السبب في تعطّل المعالجة طوال السنوات الماضية. التصنيف يتيح، تحليلياً، التمييز بين ما يقبل الدمج (سرايا السلام، “بدر”، تشكيلات حشد تقليدية) وما يستعصي بنيوياً (كتائب حزب الله، “النجباء”، كتائب سيد الشهداء). هذا التمييز شرطٌ ضروريٌ لأيّ معالجة جادّة، حتى لو لم يكن شرطاً كافياً.
والزيدي، بخلفيته رجلَ أعمال ومصرفياً بلا قاعدة سياسية حزبية، يحتلّ موقعاً يتيح هامش مناورة محدوداً، لكنّه حقيقي. من لا يدين بمنصبه لأيّ فصيل بعينه يستطيع نظرياً أن يتحرّك بين الفصائل من دون أن يخسر قاعدته. والائتلاف الذي رشّحه يحتاج إليه أكثر ممّا يحتاج هو إلى أيّ طرف منفرد فيه، خصوصاً بعد تدخّل ترامب لاستبعاد نوري المالكي. هذه معادلة قد تنقلب ضدّه إن طال الوقت، لكنّها في الأشهر الأولى تشكّل ورقة قوّة، وإن كانت هشّةً.
الحسابات الإيرانية: ربح تكتيكي بكلفة استراتيجية
الزيارة المفاجئة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد قبل أسابيع، وتأكيده للفصائل الحليفة، بحسب مصادر قريبة منها، رفضَ التنازل عن السلاح مقابل المناصب، تستدعي قراءةً استراتيجيةً أعمق من اعتبارها تدخّلاً إيرانياً تقليدياً. فإيران الخارجة من حرب فبراير تعمل بمعادلات تختلف عن إيران ما قبلها. اقتصادها أكثر هشاشةً، شبكتها الإقليمية فقدت جزءاً من قدراتها، البنية القيادية الإيرانية ذاتها مرّت بصدمة. في هذا الواقع، يصبح السؤال التحليلي: ما الذي يخدم المصلحة الإيرانية حقّاً؟ شبكة فصائل تحتفظ بقدرة استعراضية، لكنّها أثبتت في الحرب أخيراً أنّها لا تردع، أم علاقة دولة بدولة مع عراق سيّد قادر على أن يكون منفذاً اقتصادياً وممرّاً دبلوماسياً وعمقاً ثقافياً مستداماً؟
هنا يكمن التناقض البنيوي في الموقف الإيراني. عراق قويٌّ ومستقرّ يخدم المصالح الإيرانية طويلة الأمد على نحوٍ أعمق وأكثر استدامة من شبكة وكلاء. لكن البيروقراطية الأمنية الإيرانية، وفيلق القدس تحديداً، بُنيت حول إدارة شبكة الوكلاء، لا حول إدارة علاقات دولة بدولة. التخلّي عن الشبكة يعني إعادة هندسة مؤسّسية للسياسة الإقليمية الإيرانية، وهو ما لا يبدو أنّ طهران مستعدّة له الآن. النتيجة التحليلية: الاحتفاظ بالعراق ورقةَ مساومةٍ في ملفّات أخرى (النووي، العقوبات، الانتشار الأميركي)، حتى لو كانت كلفة هذا الاحتفاظ، استراتيجياً، أعلى من فائدته التكتيكية.
الدرس العملي الذي تكشفه ضربات الرياض والكويت هو أنّ هذه الورقة فقدت معظم قيمتها الردعية. حين تدخّلت دول الخليج عسكرياً في العمق العراقي، لم يردعها أحد. الفصائل تلقّت الضربات، والمنشآت الإيرانية ذاتها تلقّت ضربات أكبر. الاحتفاظ بشبكة وكلاء عاجزة عن الردع لا يحقّق ردعاً، بل يستجلب ضربات إضافية على الأرض العراقية وعلى المصالح التي تفترض طهران أنّها تحميها.
موقع الزيدي يجعله مرشّحاً موضوعياً، أكثر من أيّ رئيس وزراء سابق، لإيصال مشروع طريق التنمية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي
معضلة الرافعة الأميركية
في الجهة المقابلة، يواجه الموقف الأميركي معضلة تكتيكية يجدر بمحلّلي السياسة في واشنطن قراءتها بدقّة. إدارة ترامب تملك أدوات ضغط هائلة على بغداد: تعليق تحويلات الدولار من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، عقوبات الخزانة على فاعلين عراقيين بينهم نائب وزير النفط علي معارج البهادلي، مكافآت “العدالة” بقيمة عشرة ملايين دولار على رؤوس كلّ من قادة كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيّد الشهداء، وما رافق ذلك من “عملية الغضب الاقتصادي” التي تَلت “عملية الغضب الملحمي” العسكرية.
لكن الرافعة المالية ليست رافعةً بلا حدود. الاقتصاد العراقي يعتمد على عائدات النفط بنسبة 90%، وقد تراجعت هذه العائدات بأكثر من 70% منذ بدء الحرب، من 6.8 مليارات دولار شهرياً في فبراير/ شباط إلى أقلّ من ملياري دولار في الشهر التالي. يتوقّع صندوق النقد الدولي انكماشاً اقتصادياً عراقياً بنسبة 6.8% في 2026. ويأتي الضغط المالي الأميركي، إذن، على اقتصاد يكاد ينهار من تلقاء نفسه، ما يُضيّق هامش المعايرة المتاح لواشنطن.
من زاوية تحليلية، تطرح هذه المعطيات سؤالاً جدّياً على إدارة ترامب: هل المطلوب فعلياً دفع العراق نحو انهيار اقتصادي؟ إن كان الجواب لا، وهو ما تشير إليه المكالمة الهاتفية المباشرة بين ترامب والزيدي ودعوته إلى البيت الأبيض، فإنّ منطق الضغط يحتاج تعديلاً عمليّاً. الإصرار على نتائج فورية في ملفّ يحتاج بنيوياً إلى أشهر، تفكيك شبكات معقّدة، وتسريح عشرات الآلاف من المقاتلين، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، قد يدفع الإطار التنسيقي إلى إعادة التكتّل حول خيارات أكثر تشدّداً، بدلاً من التكتّل حول الزيدي. وهذا، تحليلياً، آخر ما تريده واشنطن.
التقط الباحث تامر بدوي، في مقاله في “فورن بولسي”، جوهر المعضلة، حين تساءل ما إذا كانت واشنطن ستقبل “النيّات” المُعلَنة بشأن نزع السلاح أم ستشترط نتائج محسوسة. وتقع الإجابة التحليلية في موقع متوسّط: الاكتفاء بالنيّات يفرّغ الضغط من مضمونه، والإصرار على النتائج الفورية يُسقط الحكومة قبل أن تبدأ. ربط رفع التضييق المالي بخطوات تنفيذية متدرّجة قابلة للقياس، تجميد رواتب فصائل بعينها، إقصاء أسماء بعينها من الحقائب الوزارية، تسليم منشآت بعينها لقيادة العمليات المشتركة، هو ما يُنتج النتيجة التي تريدها واشنطن استراتيجياً: عراق مستقرّ يضبط فاعليه المسلّحين، لا عراقاً منهاراً يصبح ساحةً مفتوحةً لتنافس إيراني – تركي – خليجي يكلّف الأميركيين أكثر ممّا يكلّفهم الوضع الراهن.
ثمّة نقطة إضافية يتجاهلها كثير من النقاش الأميركي حول العراق: الفصائل التي تضمّها مظلّة المقاومة الإسلامية في العراق ليست متجانسةً. بعضها (كتائب حزب الله، “النجباء”) كيانات أيديولوجية مرتبطة عضوياً بالحرس الثوري الإيراني، وبعضها الآخر كيانات سياسية – عسكرية لها مصالح عراقية محلّية يمكن التفاوض معها. التعامل مع الجميع فئةً واحدةً يدفع المتفاوضين المحتملين نحو معسكر المتشدّدين. التمييز بينهم، أميركياً، شرط ضروري لنجاح أيّ معالجة عراقية.
طريق التنمية: المحور الذي يربط الملفات
في خضمّ هذا النقاش الأمني، ثمّة ملفّ اقتصادي – جيوسياسي يستحق أن يُرفع إلى صدارة التحليل: مشروع طريق التنمية. المشروع، الذي أُطلق عام 2023 برأسمال يبلغ 17 مليار دولار، يربط ميناء الفاو الكبير على الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر شبكة سكك حديد وطرق برّية. وهو، من الناحية الجيو – اقتصادية، أهم مشروع عراقي منذ عقود، لأنّه يحوّل العراق من ساحة جذب للنزاعات إلى ممرّ تجاري يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسّط.
موقع الزيدي يجعله مرشّحاً موضوعياً، أكثر من أيّ رئيس وزراء سابق، لإيصال هذا المشروع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فهو، بحكم خلفيته المصرفية ومن تجربته رجل أعمال يدير شركات في قطاعات متعدّدة، يفهم البنية المالية للمشاريع الكُبرى بشكل يتجاوز فهم السياسيين التقليديين. وهو، بحكم استقلاليته النسبية عن الفصائل المسلّحة التقليدية، أقلّ ارتهاناً لشبكات المحاصصة التي حوّلت معظم المشاريع العراقية الكبرى إلى مغانم توزيعية لا إلى منجزات تنفيذية. وهو، بحكم الأزمة المالية الحادّة التي تواجهها حكومته، يملك حافزاً وجودياً لإنجاز مصدر إيرادات بديلاً من النفط المتعثّر.
طريق التنمية ليس مجرّد مشروع بنية تحتية، بل أداة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للسلاح في العراق
الأهم تحليلياً أنّ طريق التنمية وملفّ الفصائل ليسا منفصلَين. الطريق يمرّ مادّياً عبر مناطق نفوذ تقليدية للفصائل في جنوب العراق. تشغيله بأمان يتطلّب حصراً للسلاح بيد الدولة على طول مساره. وفي المقابل، يوفّر المشروع لأيّ تشكيلة سياسية شريكةً في الحكومة بديلاً اقتصادياً واضحاً ممّا تقدّمه الفصائل المسلّحة من ريع وتوظيف. بهذا المعنى، طريق التنمية ليس مجرّد مشروع بنية تحتية، بل أداة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للسلاح في العراق.
شركاء المشروع المحتملون، الإمارات (التي وقّعت مذكرة تفاهم في 2023) وقطر والسعودية وتركيا هم بالضبط الأطراف التي تحتاج بغداد إلى إعادة بناء الثقة معها بعد ضربات إبريل. الترابط هنا تحليلي وعملي: التقدّم في طريق التنمية مرتبط بتطبيع العلاقة مع الخليج، وتطبيع العلاقة مع الخليج مرتبط بضبط الفصائل، وضبط الفصائل ممكن سياسياً إن وُجد بديل اقتصادي حقيقي يُعوّض ما تُقدّمه شبكات السلاح من ريع. الزيدي، نظرياً، يجلس في النقطة التي تتقاطع فيها هذه المسارات الثلاثة.
خلاصة المشهد
الحكم على نتائج مرحلة الزيدي قبل أن تبدأ فعلياً ممارسةٌ في التسرّع التحليلي. الرجل يفتقر إلى قاعدة سياسية صلبة، ويواجه أزمة مالية حادة، ويتحرك في بيئة يعمل فيها فاعلون أقوى منه يدفعون كلٌّ في اتجاه مختلف. الاحتمالات ليست في صفه بالضرورة. لكن قراءة معطيات اللحظة تكشف أن أمامه تقاطعاً نادر الحدوث: ضغطٌ أميركي يجعل الإصلاح أرخص سياسياً من المماطلة، وأزمة مالية تجعل ضبط الإنفاق العسكري الموازي ضرورة بنيوية، ومناخ خليجي قرّر أنّ للتأجيل ثمناً ملموساً، ومشروع اقتصادي إقليمي يُعيد تعريف موقع العراق من ساحة إلى ممرّ. هذه ليست ضمانات نجاح، لكنّها مكوّنات نجاح ممكن، إذا توفّر الوقت الكافي لنضوج المعالجة.
السيادة لا تُستعاد عبر إعلان، ولا تُمنح من الخارج. تُستعاد بتراكم قرارات صحيحة في وقت محدود وبدعم صبور من شركاء يدركون أنّ عراقاً سيداً على قراره أفضل للجميع، بمن فيهم دول الخليج العربي وطهران وواشنطن، من عراقٍ يُدار بالضغط والوكلاء. ما يكشفه تحليل المشهد اليوم أنّ الفرصة موجودة، والقيود معقّدة، والنتيجة مفتوحة على احتمالات لا يستطيع أيّ تقييم جاد أن يحسمها مسبقاً.
المصدر: العربي الجديد






