
وقعت قوى “الإطار التنسيقي” (الشيعي) في العراق في فخٍّ صنعته بنفسها، عبر استحداث تقاليد عملٍ سياسي غير ديمقراطية، تحوّلت تدريجياً إلى عُرفٍ سائد في تشكيل الحكومات، ابتداءً من عام 2014، مع اختيار حيدر العبادي رئيساً للوزراء. كان الرجل حينها مجرّد قيادي من الصفّ الثاني في حزب الدعوة، ونائباً في كتلة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، الذي كان يسعى إلى تجديد ولايته للمرّة الثالثة.
أُبعد المالكي من ممارسة حقّه الدستوري في تشكيل الحكومة، بوصفه زعيم الكتلة الكبرى، وفرضت الظروف مرشّحاً آخر حظي بقبول الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن الشركاء من القياديين السنّة والكرد. وقد أمكن تبرير هذا التحوّل، آنذاك، باعتباره إجراءً استثنائياً لتسريع الوصول إلى نتائجٍ كانت متوقّعةً؛ إذ لو أُتيح للمالكي أن يقدّم تشكيلته الحكومية، لكان على الأرجح سيعجز عن تأمين الأصوات الكافية داخل البرلمان، بسبب حجم الرفض السياسي له، ما كان سيفتح الباب أمام مرشّحين آخرين.
غير أنّ ما بدا إجراءً طارئاً لمواجهة ظرف حرج، تمثّل في اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ثلث العراق في 2014، تحوّل لاحقاً إلى عُرفٍ سياسي ثابت، أخذ يبعد النظام السياسي أكثر فأكثر عن تقاليد العمل الديمقراطي السليم. ففي الانتخابات البرلمانية العراقية (12 مايو/ أيار 2018)، استقدمت القوى الفائزة رئيس وزراء من خارج العملية الانتخابية، فجاءت بعادل عبد المهدي. ثمّ قفزت هذه القوى خطوةً أبعد، حين اختارت شخصيةً غير حزبية تشغل منصباً أمنياً، هي مصطفى الكاظمي، لتولّي رئاسة الوزراء بعد استقالة عادل عبد المهدي في 2019. وبعد ذلك، عادت جزئياً إلى نموذج 2014 مع محمّد شياع السوداني، الذي أفرزته الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2021 نائباً في البرلمان، من دون أن يكون زعيماً لكتلةٍ كبيرة.
وحتى قبيل طرح اسم علي الزيدي لرئاسة الوزراء، كانت المؤشّرات تدلّ على أنّ قوى “الإطار التنسيقي” لا تزال تفكّر بالعقلية نفسها: تجاوز حقّ الكتلة الكبرى في ترشيح رئيس الحكومة، والبحث عن شخصية هامشية نسبياً، لا تمتلك مشروعاً سياسياً مستقلّاً، بحيث ينحصر دورها في تنفيذ التفاهمات العامّة داخل الإطار، وتكون مدينةً له بالمنصب بوصفه منحةً لا نتيجة استحقاق سياسي.
بالنظر إلى قوائم المرشّحين أخيراً، تبدو غالبية الأسماء المفضّلة لدى “الإطار” قريبةً من الزيدي في هامشيتها وضعف حضورها الشعبي. غير أنّ الزيدي امتلك، ربّما، ميزةً لم ينتبهوا إليها، واكتشفها توم برّاك، ومن خلفه دونالد ترامب وفريقه، تمثّلت في أنّه قد يكون الرجل المناسب للتحوّل إلى أداة لتنفيذ “انقلاب ناعم” داخل هذه المنظومة. لم تستطع قوى “الإطار” الاعتراض؛ لأنّها، أوّلاً، هي التي وضعت اسم الزيدي ضمن القائمة التي جرى “الاختيار” منها، وثانياً، لأنّها نفسها أسّست هذه الآلية في اختيار رؤساء الحكومات عبر دورات انتخابية متعاقبة.
قبل سنوات، قال أحد قادة الإطار التنسيقي صراحةً إنّهم يفضّلون رئيس وزراء يؤدّي دور “مدير عام” لتنفيذ إرادة قوى “الإطار”. والنتيجة المنطقية لهذا التصوّر أن يكون الخيار الأمثل شخصاً من خارج تقاليد العمل السياسي والحزبي. لكن ماذا لو جرت عملية “اختراق” لهذا الشخص وإعادة توجيهه من جانب قوى أخرى؟
إنّ الشخص الذي يُفترض أنّه ضعيف ويمكن السيطرة عليه، يكون ضعيفاً أيضاً أمام قوى خارجية مثل الولايات المتحدة، القادرة على منحه ما هو أبعد ممّا يمكن أن تقدّمه له القوى المحلّية. بهذا المعنى، تبدو إدارة ترامب وكأنّها “تقلب” اللعبة التي صنعها “الإطار التنسيقي”، وتعيد استخدامها ضدّه. والمؤشّرات المتوفّرة تفيد بأنّ الإجراء الأميركي يبدو أقرب إلى الرهان منه إلى السياسات الواضحة الصلبة.
لقد ظهر الزيدي علناً ثلاث مرّات، آخرها في كلمة وجّهها إلى الشعب العراقي من القصر الحكومي بعد تولّيه منصبه بشكل رسمي، وفيها لم يبدُ أكثر من شخص ضلّ طريقه ودخل في بؤرة الضوء صدفةً. وما يمكن تأكيده أنّ أميركا لا تسعى إلى إقصاء الشيعة من السلطة، كما يُشاع، بل إلى إعادة توجيه الماكينة السياسية الشيعية بعيداً من إيران، نحو مسارات أخرى، بعضها وطني عراقي وبعضها يخدم المصالح الأميركية في العراق والمنطقة.
المصدر: العربي الجديد






