المجتمعات العربية وصورة دوريان غراي

  سمر يزبك

لم يكن الرعب الحقيقي كامناً في فساد الشخصية التي خلقها أوسكار وايلد في روايته “صورة دوريان غراي”، بقدر ما كان في العلاقة التي نشأت بين دوريان وصورته. تلك “الصورة/ اللوحة” لم تكن لها أيّ علاقة بجرائمه وفساده، وإنّما أخفت الزمن والعطب والتآكل البطيء الذي يصيب الروح حين تغرق طويلاً في الإعجاب بنفسها. وعندما تآكلت القيم أو أوشكت، لم تعد حياة دوريان مكرّسة للعيش بقدر ما صارت محاولةً لحراسة الصورة من التلف. شيء قريب من هذا يحدث داخل المجتمعات حين تتحوّل صورتها الجماعية إلى مرآة مغلقة تُخفي انحدار القيم. المجتمع يبدأ باختراع لغة تساعده في رؤية نفسه، وفي صياغة سرديات تمنحه شعوراً بالنقاء وتعفيه من مواجهة واقعه العاري. داخل هذا النوع من الوعي، تفقد الذاكرة وظيفتها المعرفية، وتتحوّل إلى جهاز انتقاء يعيد صياغة مفردات العنف بمفردات أخلاقية، بينما تجد الكراهية وصفاً قادراً على منحها شرعية نفسية بحجة العقيدة والإيمان أو حتى المظلومية.
غالباً ما تكشف المجتمعات بعد انتهاء الحروب علاقةً جدليةً بين هذه البنية النفسية المنقسمة على ذاتها والحرب، فتصبح الحرب في الوقت ذاته سبباً ونتيجةً لمحاولة تعقيم اللغة وتنظيفها من الخارج، في حين تنطوي النفوس على طبقات كاملة من الاحتقار والضغائن، وشهوة العصبية التي تميل إلى اختزال الإنسان داخل هُويّته الأولى الضيّقة. عندها يصبح السؤال الأهم متعلقاً بقدرة المجتمع على النظر إلى لوحته المخفية من دون أن يحطّم كلَّ من يقترب منها. ولهذا تفسير واضح لدى العين الخبيرة، فالمجتمعات التي تعيش زمناً طويلاً تحت الضغط لا تنتج سردياتها عن نفسها بدافع الفخر وحده. كثير من تلك السرديات يخرج من حاجة نفسية عميقة إلى الاحتماء. الصورة الجماعية هنا لا تعكس الواقع بقدر ما تعمل قشرةً واقيةً تُخفي الهشاشة الكامنة في الداخل. وكلّما ازدادت التجربة التاريخية قسوةً، ازدادت حاجة الجماعة إلى اختراع حكاية تمنحها الإحساس بالتماسك. لهذا السبب، تميل المجتمعات المأزومة إلى المبالغة في الحديث عن أخلاقها وأصالتها وقدرتها الاستثنائية على الاحتمال. وتتحوّل اللغة هنا تدريجياً إلى نوع من التخدير الرمزي، وتبدأ الجماعة بفقدان المسافة الفاصلة بين ذاتها الحقيقية والصورة التي صنعتها عن نفسها. هنا تحديداً ينشأ أخطر أشكال الوهم الاجتماعي، إذ تتحوّل الحكاية المتخيّلة مع الزمن إلى بنية إدراك كاملة.
بالعودة إلى الرواية، يبقى وجه دوريان غراي في الصورة نقياً بريئاً رغم الشرّ والفساد اللذين استشريا في شخصية دوريان الحقيقية. المجتمعات تفعل شيئاً مشابهاً أحياناً. حيث تحتفظ بنبرة نقائها زمناً طويلاً حتى في أثناء اهتراء نسيجها الداخلي، وحين تعجز عن رؤية نفسها خارج المرآة التي صنعتها، تبدأ بإعادة توزيع المسؤولية خارج ذاتها. تنبع هذه الآلية من حاجة نفسية عميقة إلى حماية الصورة الجماعية من التصدّع. في تلك اللحظة، يصبح البحث عن المذنب نشاطاً يومياً داخل الوعي العام. كلّ فشل يفتّش عن كبش فداء، وكلّ انهيار يحتاج إلى عدو خارجي (أو داخلي) يُحمّل العطب بدلاً من الجماعة نفسها. بهذه الطريقة، تتحوّل المؤامرة إلى صيغة مريحة لتفسير العالم وتكمن أهميتها في قدرتها على حماية الإحساس الداخلي بالنقاء. المجتمع يحتمل الهزيمة أكثر ممّا يستطيع احتمال فكرة مشاركته في إنتاجها. لهذا السبب تميل اللغة الجماعية في المجتمعات المأزومة إلى بناء سرديات تُبقي صورة البراءة قائمةً حتّى أثناء الكارثة، والمجتمع يبدأ برؤية نفسه ضحيةً خالصةً حتّى في اللحظات التي يمارس فيها العنف والإقصاء والتحريض. يتحوّل الإحساس الجماعي بالمظلومية إلى نوع من الحصانة الأخلاقية غير المُعلَنة. وتتّسع مساحة التبرير لكلّ شيء ما دام يُقدَّم بوصفه دفاعاً عن الذات الجماعية المظلومة. لهذا تصبح العلاقة بين المجتمع وصورته أخطر من العطب ذاته. دوريان غراي لم يسقط لحظة ارتكب الشرّ، وإنّما سقط حين عجز عن النظر إلى اللوحة إلا بوصفها تهديداً يجب إخفاؤه. المجتمعات تسلك المسار نفسه حين يصبح خوفها من صورتها الداخلية أكبر من خوفها من استمرار الخراب. حينها لا يعود العنف حادثاً عابراً في التاريخ، بل يغدو جزءاً من آلية حماية الصورة الجماعية. لهذا تبدو المجتمعات الخارجة من الحروب شديدة الحساسية تجاه الحقيقة، لأنّ الحقيقة تهدّد الصورة التي أبقت الجماعة قادرةً على تحمّل نفسها طوال سنوات الانهيار.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى