
فُجع الشارع الأردني قبل أيّام بتفاصيل جريمة مروّعة، بشعة ومقزّزة، تقشعرّ لهولها الأبدان، وتثير كثيراً من الاستهجان والأسئلة، وتضع العقل في الكفّ من فرط وحشيتها. كان مرتكبها أحد المشاهير، سُمّي شعبياً “إبستين الأردن” للدلالة على مستوى إجرامه وانحرافه، بعد أن تبيّن، بالصوت والصورة والوثائق وشهادات الضحايا، درجة انحطاطه. وهو، بالمناسبة، شخصية معروفة، ويُعدّ من أبرز نجوم التواصل الاجتماعي عربيّاً، وله حضور إعلامي كبير، ونشاط كثيف في مواقع التواصل، يطرح نفسه فيها صاحب مبادرات مجتمعية إنسانية تُعنى بالشباب.
طبيب عام انتحل صفة طبيب تجميل، يمارس النصب والدجل والاحتيال، ويتقاضى مبالغ طائلة لقاء خدماته، إذ تبلغ قيمة جلسة تجميل روتينية في عيادته، غير المرخّصة، ألف دولار. وتتفاخر سيدات مترفات مضلَّلات كثيراتٌ بأنّهن من عملائه، وقد اعتدن الإشادة ببراعته وقدرته على الإقناع. وهو، مثل غيره من المشاهير الطارئين ممَّن اكتسبوا، من دون وجه حق، صفة “مؤثّرين”، واستُضيفوا في محافل التفاهة يبثّون محتوياتهم الهابطة التي من شأنها أن تحقّق لهم، إلى جانب الشهرة، ثروات هائلة من أرصدة ضخمة، إضافة إلى السيارات والعقارات. وقد أُفسحت لهم المنابر، واستقبلتهم كُبرى المحطّات التلفزيونية، التي نفترض فيها الرصانة والجدّية، كي يبثوا هراءهم من دون رقيب أو حسيب، كما أُتيح لكثير منهم لقاء شخصيات سياسية ذات وزن، في تشجيع مؤسف لهم للمضي في تسميم الذائقة الجمعية، وخدش الذوق والحياء، ونشر أكثر الأفكار انحطاطاً.
استغلّ الطبيب المجرم شهرته الواسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لديه ملايين المشاهدين والمتابعين، وركّز نشاطه الإجرامي خصوصاً في موقع سناب شات الأكثر شعبية بين المراهقين. واستدرج ثلاثة أحداث لم يبلغ أكبرهم السادسة عشرة، عقد معهم صداقات وهمية، وأوهمهم، مستغلّاً براءتهم وسذاجتهم وصغر سنّهم، أنّه “واصِل”، وأنّ بإمكانه توفير فرص عمل لهم عارضي أزياء لقاء مبالغ مجزية، وإشراكهم في أنشطة ترفيهية: مخيّمات ورحلات. فطمع الصغار، والتقطوا، مثل أي فرائس، الطُّعم المُحكَم الذي ألقاه المفترس، مدغدغاً أحلامهم بالشهرة والكسب السريع. وانتهى بهم الأمر في منزله مخدَّرين، متعرّضين للانتهاك والاعتداء الجنسي، وصوّر المجرم أفعاله الشائنة لغايات ابتزاز الضحايا وتوريطهم في مزيد من الوحل، قبل أن يتركهم فجراً مذهولين، مصدومين، غير مدركين، إثر تعرّضهم للتخدير، أمام مطعم مأكولات سريعة، طالباً منهم العودة إلى بيوتهم بواسطة تطبيق “أوبر”، لأنّه “متعب ونعسان”، ويعود بعد هذا أدراجه مطمئن البال بانتظار صيد سهل جديد، فيما يبدو سلوكاً اعتيادياً بالنسبة إليه، وهذا ما ستكشفه الأيّام المقبلة، لأنّ المخفي أعظم.
أعلنت مديرية الأمن العام توقيف المجرم، إثر تقدّم عائلات المجني عليهم بشكاوى رسمية في حقّه، فأُحيل إلى المدّعي العام في محكمة الجنايات الكُبرى، وتقرّر توقيفه على ذمة التحقيق بتهمة هتك العرض. ومن الطبيعي، والحال هذه، أن تثير الجريمة المشينة موجة غضب واسعة في الشارع الأردني، وطالب ناشطون بتغليظ العقوبة على المجرم، لأنّ الضحايا المُعتدى عليهم قُصّر تعرّضوا للتخدير، ولم يملكوا القدرة على الدفاع عن أنفسهم، إذ إنّ العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات غير رادعة بما يكفي.
ويبقى السؤال الأكثر أهمّية عن دور الأهل الرقابي، وكيف يمكن لعائلة سويّة عاقلة أن تنام ليلها الطويل وهي لا تعلم أين قضى ابنها المراهق الذي لم يغادر الطفولة تماماً أوقاته؟ وكيف تسمح له بالتسكّع ليلاً في الشوارع مُعرَّضاً للأذى والانتهاك؟
نتمنّى أن يأخذ القضاء مجراه العادل، وأن ننتبه إلى صغارنا أكثر، فهم أمانة في أعناقنا، يُعدّ التخلّي عنها محض خيانة ستعذّب ضمير مقترفيها من عائلات تهاونت طويلاً.
المصدر: العربي الجديد






