
محمد خليفة، الذي تصادف اليوم 22 أبريل/ نيسان 2021 الذكرى الخامسة لرحيله في ستوكهولم/ السويد، في آخر منافيه العديدة، الطوعية والاجبارية، والذي ذهب ضحية جائحة كورونا العالمية، هو واحد من عشرات، وربما مئات، الشخصيات الوطنية السورية التي قدّمت الكثير، بل الكثير جداً، في مواجهة الاستبداد والطغيان والقهر الإنساني في زمن الأسديين، الأب والابن، وعلى مدى عقود طويلة.
إن استذكاره اليوم، وفي هذه السنة تحديداً، ليس كما جرت العادة في السنوات الماضية، وفاءً له وتذكيراً بمناقبه وفضائله، أو كشفاً عمّا لم يُعرف ويُقال عنه في مسيرته الطويلة والغنية.
هذا العام، نريد للاحتفاء بالذكرى أن يكون مختلفاً، وبعيداً عن أية عواطف طافحة فرضتها صلة الدم والأخوة، والمسيرة الكفاحية المشتركة والطويلة، وعلاقة الأستاذ بتلميذه في مهنة الصحافة والإعلام وصنعة الحرف.
هذا العام، يشكّل تذكّر الراحل الكبير، محمد خليفة شقيقي، مناسبة لطرح قضية وطنية مهمة جداً، يشكّل العمل عليها والاهتمام بها والتفاعل الإيجابي مع مضمونها وجهاً من وجوه الجمهورية الوليدة الجديدة، وتأسيساً على قيم ومفاهيم الحق والعدل والوفاء، وهي التي أتت من تضحيات السوريين الطويلة والغالية.
لقد كانت سياسة الأسد الأب القمعية والشمولية، ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه ومنع السياسة عن المجتمع، وتحديداً بعد مرحلة الثمانينيات والصراع الدامي آنذاك، سبباً في فرار وهجرة المئات من النخبة السورية وتشتتهم في بلاد الله الواسعة، سياسيين، كتاب، شعراء، فنانين تشكيليين، مناضلين، وهو ما أسفر، بمرور الوقت، عن وفاة قسم كبير منهم بعيداً عن وطنهم، ودفنهم في المنافي، بعد أن ضاقت الأرض، التي ناضلوا وضحوا لأجلها، بما رحبت عليهم في وطنهم الأم.
وهؤلاء لم يكونوا من طيف سياسي واحد أو اتجاه فكري بعينه، بل من مختلف ألوان الطيف الوطني الواسع والمتعدد، فالقمع والاستبداد والطغيان طال الجميع ولم يفرق بين اتجاه وآخر ناهض آل الأسد، أو بين شخص وآخر قال لا.
في ذكرى رحيل محمد خليفة، الكاتب الصحفي والشاعر والمناضل السياسي، وأحد رموز ثورة الحرية والكرامة، أدعو اليوم، إلى استعادة رفاته إلى وطنه، ودفنه في تراب بلده، الذي بقي بالنسبة له حلماً عصيّاً طالما بكاه بحرقة وألم، من على منابر متعددة، في شعره ومقالاته ودراساته، وفي مجالسه الخاصة والعامة.
وهنا لا ندعو إلى استعادة رفات محمد خليفة وحده، بل رفات آخرين كثر من رموز سوريا وأعلامها، مثل: الداعية، والمرشد العام للإخوان المسلمين عصام العطار، والكاتب والباحث والشخصية الوطنية المعروفة ميشيل كيلو، والزعيم السياسي الكبير، نزيل سجون العتمة والحبس الانفرادي لسنوات عديدة رياض الترك، والشخصية الوطنية الليبرالية الذي رفض الأسد الأب أن يدفن بوطنه حسب وصيته رشدي الكيخيا، ومؤسس حركة الاشتراكيين العرب وأحد قادة البعث أكرم الحوراني، وأحد مؤسسي البعث الذي اغتاله الأسد الأب في باريس/ فرنسا صلاح البيطار، والقائد البعثي الذي سجنه الأسد الأب سنوات طويلة يوسف زعين، والعالم الجليل عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ العالم ذائع الصيت طاهر خير الله، والكاتب والباحث في الشأن الاسرائيلي، وأحد مؤسسي رابطة العمل الشيوعي أحمد جمول، والمفكر القومي فيلسوف التنوير العربي مطاع صفدي، والمفكر الكبير والمترجم والناقد الدكتور جورج طرابيشي، والصحفي والشاعر عبد الرزاق إسماعيل، وآخرون كثر جداً.
إن الخطوة التي ندعو إليها ليست ترفاً وطنياً في ظل تزاحم القضايا التي تستحق الاهتمام والمتابعة، وليست بلا معنى في ظل غياب آلاف لا يُعرف أين قُتلوا، وكيف دُفنوا، أو كيف تم التخلص من جثثهم، أو آلاف ممن استشهدوا في معارك الشرف والتحرير.
بل إن هذه الخطوة تعني أن الذاكرة الوطنية لم تنسَ هؤلاء الرموز، وأن الصبر، ومن ثم النصر، هو امتداد طويل وتاريخي لتضحيات الكثيرين من السوريين، كما أن تكريم هؤلاء، وإعادة الاعتبار لهم، ولو بعد موتهم وبشكل متأخر، يعني أن سورية الجديدة تتمتع بضمير وطني جامع، ووجدان حي ويقظ لا ينسى أحداً، ولا أي محطة من محطات النضال المرير لشعب أصرّ على الحياة بكل ما تحمله من قيم ومبادئ.
كما أن ما نقوله يندرج في إطار العدالة الانتقالية، وتوطيد السلم الأهلي، وإرساء قيم المسامحة وجبر الضرر، ليس للراحلين بذواتهم ولأسرهم فحسب، بل للمجتمع بأكمله. ويستدعي ذلك أيضاً تشكيل لجنة مختصة تتولى تقديم مقترحات للجهات المعنية، لتسمية مدارس وشوارع وساحات عامة وملاعب وغيرها بأسماء هؤلاء، وتضمين سيرهم وما قدموه في مناهج التعليم، لتروي للأجيال القادمة حكاية الطغيان والاستبداد التي عانى منها السوريون. وكل ذلك يحمل دلالات عميقة وانعكاسات إيجابية على المجتمع بأسره.
لا يمكننا قصر الحديث على شهداء الثورة السورية، ولا يمكننا القول إن مقاومة الاستبداد والطغيان بدأت بعد آذار/مارس 2011، فهذا ظلم ونكران، وقراءة غير واقعية، إذ لا شيء يبدأ من فراغ، بمعزل عمّا سبقه وما ترتّب عليه في حركة التاريخ.
إن الشعوب العظيمة والحية هي التي تعتبر أمثال هؤلاء علامات فارقة، ورموزاً خالدة في الضمير الوطني الجمعي، لا يجوز انكارهم أو التغافل عمّا قدموه لنا.
رحم الله كل من قضوا في المنافي بعيداً عن أوطانهم التي أنجبتهم.
رحم الله محمد خليفة في ذكراه الخامسة.






