
لم يمضِ سوى عقد من الزمن على هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية حتى لملمتا جراح هزيمتيهما وانطلقتا في إعادة بناء نفسيهما، انطلاقًا من استيعابهما لموازين القوى ولروح العصر بعد الحرب، إلى أن أصبحتا عملاقتين اقتصاديتين يُحسب لهما في موازين القوى الدولية. أما نحن فما زالت هزيمة 5 من حزيران/يونيو 1967 تلاحقنا حتى اليوم!
إنّ تاريخ العالم العربي المعاصر عامة، والمشرق العربي بوجه خاص، هو سلسلة من الأحداث التي تشكلت وانتظمت باعتبارها نتائج تلك الهزيمة. إذ ولّدت الهزيمة آثارًا عميقة في الحياة العربية كلها، فهي لم تكن هزيمة عسكرية منيت بها الجيوش العربية فقط، وإنما هزيمة شاملة لكل بنى المجتمع العربي، إذ كانت اختبارًا لـ ” التنمية ” التي تحققت، ولـ ” الدولة الأمنية ” التي تم تشييدها. ومهما يكن من أمر، فإنّ الهزيمة كانت إيذانًا بتغيير مجرى الأحداث نحو مزيد من الانحدار العربي، ومنعطفًا تاريخياً بدأت ديناميته تتضح وضوحاً جليًّا منذ صمت النظام الرسمي العربي عن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، والموقف الحالي من مآلات القضية الفلسطينية.
مما لا شك فيه أنّ إسرائيل قامت على أسس عنصرية، وأنها دولة توسعية، وهذا ما ظهر واضحًا في ظل القيادة اليمينية المتطرفة الحالية، التي تتوهم بإمكانية فرض إرادتها على شعوب فلسطين وسوريا ولبنان.
إذ لم تكن الهزيمة لحظة عابرة في الحياة العربية، فقد وضعت أغلب الدول العربية على منحدر، بل إنّ المجتمعات العربية انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى نمط من الحياة السياسية أقرب ما تكون إلى نمط الحياة في العصر المملوكي، الذي أبرز سماته انفصال الحكم عن الشعب وانفصال المجتمع عن الدولة، وركود المجتمع، وهيمنة قيم تقليدية تعزز التبعية والامتثال والعجز والعزوف والخوف، الخوف من سلطة الدولة ومن الحقيقة ومن الحرية، والخوف من مواجهة الذات ومن مواجهة الواقع، والخوف من المستقبل.
إنها أزمة بنيوية عامة، أصابت الاقتصاد والثقافة والسياسة والمجتمع، وما يتعلق بها أو ينتج عنها. وبهذا المعنى، يصحُّ أن نصفها بأنها أزمة حضارية. هي من تلك الأزمات التي تتقلص فيها الاختيارات إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من الفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تمامًا، انطلاقًا من التفكيك الواعي للوضعية القائمة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات حداثية جديدة كذلك.
ومما لا شك فيه أنّ إسرائيل قامت على أسس عنصرية، وأنها دولة توسعية، وهذا ما ظهر واضحًا في ظل القيادة اليمينية المتطرفة الحالية، التي تتوهم بإمكانية فرض إرادتها على شعوب فلسطين وسوريا ولبنان. ولكنّ السؤال المطروح هو: كيف استطاعت أن تصبح قوة في كل المجالات، بحجمها الصغير وعدد سكانها القليل، بحيث تستطيع تحقيق أحلامها التوسعية، في حين أن جيرانها غير قادرين على فعل شيء إزاء توسعها في غزة وسوريا ولبنان!
ويبدو أننا بمجرد أن نعرف أنّ العديد من جامعات إسرائيل صُنِّفت على أنها من الأفضل في العالم، وبمجرد أن نعرف أنّ إسرائيليين حصلوا على جائزة نوبل في العلوم، يكفي لوضع النقاط على حروف متفرقة، لنصنع منها جملة مفيدة في النهاية.
وفي المقابل، على طول المسافة الممتدة من ” الأيديولوجيا العربية المعاصرة ” كتاب عبد الله العروي، إلى كتاب محمد جابر الأنصاري ” مساءلة الهزيمة “، مروراً بكتاب ” الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة ” لياسين الحافظ، لم يكفَّ الخطاب العربي عن طرح التساؤل النهضوي المضاعف: لماذا تخلّفنا نحن وتقدّمت إسرائيل؟
إنّ التغيّرات الإقليمية والعالمية الجديدة، خاصة تداعيات مجزرة غزة والحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، والتنافس الدولي في المنطقة، ومخاطر الإرهاب والتطرف، تواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات وفرص جديدة أيضًا.
وفي هذا السياق لعلَّ ثقافة المراجعة النقدية، تسهم في توقف التراجع العربي، وتنحّي جانبًا ما يسميها خلدون حسن النقيب ” ثقافة التخلف وثقافة الذل “، تمييزًا لها عن تخلّف الثقافة الذي يمكن استدراكه، أما ثقافة التخلّف التي تمجّد الطاعة فيجب أن تتوجه إليها الأسئلة، القديمة منها التي ما تزال ناجعة في قراءتها لظاهرة التخلّف، والجديدة التي من شأنها أن تجعل من مساءلة الهزيمة رؤية معرفية تنحّي جانبًا الرؤى السلفية المغلقة التي ما زالت تعشش بين صفوفنا.
إنّ التغيّرات الإقليمية والعالمية الجديدة، خاصة تداعيات مجزرة غزة والحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، والتنافس الدولي في المنطقة، ومخاطر الإرهاب والتطرف، تواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات وفرص جديدة أيضًا. مما يتطلب قدرًا كبيرًا من العمق في المراجعة ونقد الذات في واقعنا السوري بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بما تمثله من مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات بناء دولة الحق والقانون والتحديث الفكري والسياسي والنهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما يفترض ممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الوطنية السورية الحديثة، دولة كل مواطنيها، هي جوهر تلك القضايا.
ولعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عصري، مع آليات فاعلة لتنفيذه، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائمًا التأويل والتعديل لصالح الشعب السوري. إنها إعادة قراءة واجبة، مدعوّة إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة، تتجاوز أدوات الهزيمة، وأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل.
المصدر: تلفزيون سوريا






