
لعل من بديهيات العمل التغييري في أي مجتمع؛ أنه بحاجة إلى جهود جماعية تعاونية تأتلف وفق برنامج عمل موضوعي وواقعي في ذات الوقت. يحدد المشكلات ويرسم الأولويات والأهداف ويدرك من يؤيد التغيير ويستفيد منه ومن يقف ضده ويتضرر منه.. فيدرك بالتالي أن المتضررين من التغيير سوف يحاولون بكل الطرق والإمكانيات إفشاله أو الالتفاف عليه أو إفراغه من مضمونه الإيجابي وصولًا إلى زرع الشكوك فيه لإيصال الناس إلى حالة تشبه الندم على المطالبة بالتغيير ذاته.
فكل تغيير اجتماعي؛ سياسيًا كان أم ثقافيًا؛ يتعرض لمثل هذا..
فكيف إذا كان التغيير بحجم إسقاط نظام القهر والفساد والتبعية والقمع الذي تحكم بسورية وشعبها ومقدراتها طيلة نصف قرن وبضع سنوات..
كيف يكون الأمر وحال التغيير في بلد مثل سورية العربية ذات التاريخ والعراقة والحيوية الشعبية والموقع الإستراتيجي العظيم، حيث التدخلات الأجنبية الطامعة والمعادية تتدخل في كل تفاصيل حياة السوريين وآمالهم والممتدة عبر عقود طويلة من الزمن؟؟
ليس هذا تبريرًا لأي خطأ. أو تغطية على أي نقص أو تغاضيًا عن أية ضبابية أو ضعف أو قصور رؤية في المشهد الراهن. أردناها مقدمة للتأكيد على ما شرحناه وقلنا به سابقا ومنذ الأيام الأولى لسقوط نظام الاستبداد الاسدي: إن تغييرًا حقيقيًا بهذا الحجم وبهذه الآمال الكبيرة المحملة على متنه وبتلك الظروف القاهرة الماكرة؛ لا يمكن أن ينجح أو يتحقق ويحمي ذاته ليستمر إلا وفقًا لقواعد أساسية تعي مراحل التغيير ومتطلباته وحيثيات حمايته والحفاظ عليه..
أول تلك القواعد تتمثل في تأمين أوسع مشاركة شعبية في تنفيذ مراحل التغيير وحماية ما يتحقق تدريجيًا من مكاسب.
وثانيها يتمثل في تحديد كل المتضررين من التغيير ذاته ومحاصرتهم وإبطال قدرتهم على التخريب والالتفاف والمناورة والتكويع.
ثالثها يتجسد في برنامج عمل وطني جامع يعبر عن رؤية متكاملة للتغيير ومراحله وأولوياته ومعوقاته.
رابعها: اجتثاث كل العناصر المشاركة في أي عمل جرمي أو جنائي مارسه النظام الساقط بحق أي مواطن سوري. وكل من مارس فسادًا أو سرق مالًا أو اعتدى على ملكية وكل من اغتنى من دم الشعب السوري. وتقديم الجميع إلى محاكمات عادلة.
خامسها: مصادرة أموال وأملاك كل من أجرم بحق الشعب وكل من اغتنى على حساب الناس وضمها إلى الخزينة الرسمية للدولة.
سادسها: تعيين المسؤولين الجدد الذين سوف يتولون مسؤولية عمليات التغيير ومراحله؛ من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة وممن لم تتلوث أيديهم بأي شكل من أشكال الفساد أو الاسترزاق على حساب الشعب السوري في أية مرحلة من المراحل.
سابعها: تعيين العسكريين المدربين ذوي الخبرة والكفاءة ممن لهم إعداد عسكري أكاديمي، في المناصب العسكرية القيادية الرسمية ذات الصلاحيات التنفيذية والتقريرية. وكف يد من ليس لهم مثل هذا المستوى من الإعداد الأكاديمي.
ثامنها: توحيد القوى الأمنية في جهاز أمني واضح المعالم وفرض قواعد إدارية نظامية صارمة عليه لمنع أية ممارسات غير منضبطة متعمدة أو غير متعمدة..
تاسعها: الانطلاق من حتمية تاريخية ومصيرية وموضوعية واحدة وهي أن سورية لكل السوريين وطنًا يتشاركون جميعًا في بناء مستقبله على أساس من وحدة الشعب السوري ووحدة مصيره. ولا يعني هذا أبدًا إغفال المسؤولية عن كل من شارك أو يشارك في كل ما يضر بوحدة سورية ووحدة شعبها ووحدة مصيرها ومستقبلها.
عاشرها: إصدار القوانين والتشريعات التي تضمن وتحمي وتحقق كل هذه القواعد التأسيسية وتحول دون التهرب منها أو الالتفاف عليها وتسمح بالتالي للشعب السوري بالمراقبة والمشاركة وتحمل المسؤولية بما يضمن تحقيق التغيير المنشود.
يقتضي هذا الابتعاد عن أي خطاب تقسيمي فئوي ينظر للشعب السوري كطوائف ومذاهب وفئات متناقضة. لا بل منعه ومحاسبة كل من يتحدث أو يتعامل بخلفية مذهبية أو طائفية.
ولضمان أوسع مشاركة شعبية في تنفيذ التغيير وحمايته؛ ينبغي إيجاد الأطر القانونية والنظامية التي تحقق تلك المشاركة. ولعل تفعيل دور مجلس الشعب المنتخب ليكون أحد تلك الأطر. وهنا تكمن أهمية وضرورة الإسراع في تعيين أصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة والفعالية لملء المقاعد الشاغرة أو التمثيل الناقص.. وعلى مجلس الشعب كمؤسسة رسمية تشريعية البدء وفور اكتماله بإطلاق أوسع حوار شعبي وطني في كل المناطق السورية لدراسة الاحتياجات وتحديد المعوقات وتوظيف الطاقات ومحاصرة المعوقين والفاسدين والمكوعين. وذلك حتى تتحقق مشاركة شعبية حقيقية واسعة في توصيف المشكلات وتحديد الحلول المناسبة.
إن وقف أية ممارسات تستند على خلفيات دينية دون اعتبار للحالة الوطنية؛ وفي كل مستويات السلطة وصنع القرار، مسألة حيوية لا ينبغي التغاضي عنها أو التساهل معها. كما أن الاستعانة ببعض من كانوا من أعوان النظام السابق؛ أمر غير مقبول أبدًا، فضلًا عن خطورته على المزاج العام والحالة النفسية للمواطنين ولا سيما أهالي الضحايا.
كما أنه من الأهمية بمكان منع أية مظاهر ” سلطوية ” توحي باستغلال نفوذ أو التباهي بالرفاهية أو المبالغة في الإجراءات الأمنية؛ لما في ذلك من استعلاء ومكابرة واستفزاز للآخرين.
وفي ذات الوقت فإن إعطاء الأولوية الأكبر لحل مشكلات الحياة اليومية المعيشية للمواطنين؛ باتت مسألة غير قابلة للتأجيل. وهذا يستدعي التقشف التام في كل مستويات السلطة لتأمين مقومات الحياة لكل السوريين.
إن عدم الاقتصاص من المجرمين يعيق التغيير كما يعيقه كل خطاب فئوي وكل ممارسة غير مدروسة وكل إجراء غير عادل.
إن المشاركة الشعبية الواسعة في التقرير والتنفيذ هي المدخل المضمون لنجاح التغيير وحمايته من كل المتربصين به من قوى محلية سورية ومن قوى إقليمية ودولية لم تتوان يومًا عن التدخل في الشؤون السورية وفرض إملاءاتها والتخريب على كل ما يعرقل مصالحها. وفي مقدمة تلك التدخلات الخارجية تأتي الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي تقضم المزيد من الأرض وتقتل وتدمر المزيد من البشر والعمران.
وفي كل تجارب الشعوب لم ينجح أي تغيير جوهري وحقيقي إلا بالمشاركة الشعبية الحقيقية الفاعلة. إن أعداء التغيير في الداخل والخارج يملكون من الإمكانيات ما هو خطير ومخيف. وحده الشعب السوري الواحد الموحد قادر على مجابهتهم والانتصار عليهم.
إن تحديد الوسائل الكيفية لضمان المشاركة الشعبية لحماية التغيير وإنجاحه مسؤولية مشتركة بين السلطة القائمة والفعاليات الشعبية المتنوعة من نقابات وأحزاب وتنظيمات وتيارات حرة.


