
لن ينسى تاريخ كرة القدم اللحظة التي ألبس فيها أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، “البشت” لقائد منتخب الأرجنتين ليونيل ميسي، في مختتم مونديال 2022. أثارت اللقطة كثيراً من الجدل، وفتحت الباب أمام نقاشات بشأن توظيف الرياضة في السياسة، وأهمية صناعة الصورة. اليوم، وقبيل انطلاق كأس العالم بأيّام، تحضر تكهنات من باب التندّر والسخرية عمّا سيفعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المباراة النهائية، هل يمكن لصاحب المفاجآت أن يخطف الكأس ويحتفظ به لنفسه في البيت الأبيض؟
مونديال 2026 مختلف عن البطولات السابقة، إذ يُقام في أجواء مشحونة بالحروب والنزاعات، ما يلقي بظلال سياسية واقتصادية على أجواء المباريات، ويثير مخاوفَ من ضغوط أو تضييقات على فرق رياضية بعينها، مثل إيران، في قضايا متعلّقة بالتأشيرات والتنقّل وحضور الجماهير للمباريات. الجديد في هذه البطولة متعدّد الأوجه، فهذه هي المرّة الأولى التي يشارك فيها 48 منتخباً، وتتوزّع فعالياتها بين ثلاث دول، الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وستشهد 104 مباريات، وقد تكون أيضاً الأغنى مالياً في تاريخ كرة القدم.
في تاريخ المونديال قصص كثيرة تُروى، ولا يمكن تجاهلها أو نسيانها. ففي الحرب العالمية الثانية توقّفت البطولة بالكامل في عامَي 1942 و1946. وحين استضافت المكسيك كأس العالم عام 1986، كانت قد خرجت من زلزال مُدمِّر. وفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في حرب يوغسلافيا عقوبات ومنع فرقاً من المشاركة. واليوم تغيب روسيا من البطولة بعد حرمانها المستمرّ منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا. ولم تمنع “فيفا” إسرائيل من المشاركة، على غرار ما حدث مع روسيا، رغم مطالباتٍ بفرض عقوبات عليها بعد حرب الإبادة على غزّة، واكتفت “فيفا” بعقوبات انضباطية مرتبطة بقضايا التمييز والعنصرية في الملاعب، وفرضت على تل أبيب غرامةً ماليةً بلغت 150 ألف فرنك سويسري، مع إلزامها بخطّة لمكافحة التمييز.
تأهّلت ثمانية منتخبات عربية للمشاركة في البطولة، تتقدّمها المغرب، صاحبة الحضور القوي في مونديال 2022 في الدوحة، ومعها الأردن والسعودية ومصر وتونس والعراق وقطر والجزائر
يعيش العالم العربي فرحةً غامرةً بعد تأهّل ثمانية منتخبات للمشاركة في البطولة، تتقدّمها المغرب، صاحبة الحضور القوي في مونديال 2022 في الدوحة، ومعها الأردن والسعودية ومصر وتونس والعراق وقطر والجزائر. أشجّع المنتخب الأردني (النشامى) في هذه البطولة، ثمّ جميع المنتخبات العربية التي أتمنى أن يكون لها حضور متميّز ومشرّف، يتجاوز دور المجموعات، وأن تقاتل لإثبات أنّ الكرة العربية تتطوّر، وأنّ مشاركتها ليست مجرّد حضور عابر ينتهي في الأدوار الأولى.
صحيح أنّ الهوى عربي، ولكنّ العشق يبقى لمنتخب البرازيل وسحر السامبا، فمنذ كنّا صغاراً استحوذت صورة الأسطورة بيليه على ذاكرتنا، وظلّت في الوجدان، ولا أعلم السبب. وربّما كنّا، في مواقفنا وعواطفنا، نصطفّ إلى جانب الفقراء في مواجهاتهم الكروية، مثلما نقف اليوم مع المنتخبات التي تساند فلسطين، مثل منتخب إسبانيا الذي سجّل أكثر المواقف تقدّمية في التضامن مع فلسطين، والتحرّك لمواجهة سياسات حكومة الاحتلال العنصرية، ونهتف في الوقت نفسه لهذا الشابّ، لامين يامال، ليس لأنّه لاعب موهوب وفذّ أو من أصول عربية فحسب، بل لأنّه رفع علم فلسطين في احتفالات برشلونة بعد فوزه ببطولة الدوري الإسباني.
إمبراطورية “فيفا” الأكثر ثراءً عالمياً، وتفيد التوقّعات بأنها حققت إيرادات تقترب من 13 مليار دولار من عام 2023 وحتّى 2026. وتفصيلاً، فإنّ حقوق البثّ وحدها تدرّ نحو أربع مليارات دولار، والتذاكر والضيافة نحو ثلاثة مليارات دولار، والرعاية والإعلان نحو 2.7 مليار دولار، بينما تأتي بقية الإيرادات من مصادر أخرى. وفي المقابل، ستُوزَّع جوائز بقيمة 727 مليون دولار؛ فيحصل الفائز بالبطولة على 50 مليون دولار، وكلّ فريق مشارك على عشرة ملايين دولار.
بطولة صعبة لوجستياً على الجهات المُنظِّمة والجمهور معاً
ليس مونديال 2026 أكبر بطولة كرة قدم في التاريخ فحسب، بل أيضاً أكبر مشروع تجاري رياضي تنظّمه “فيفا” على الإطلاق. ولهذا؛ لم تسلم “فيفا” تاريخياً من اتهامات بالفساد، وما زالت فضيحة 2015، التي أطاحت رئيسها السابق، جوزيف بلاتر، ماثلةً في الأذهان. فالحديث عن الرشاوى وغسل الأموال والتلاعب بالعقود وحقوق البثّ وتضارب المصالح لم يتوقّف، والمطالب مستمرّةً بضرورة تعزيز الحوكمة في أكبر “كارتل” اقتصادي رياضي.
وفي هذا المونديال الكبير هناك خمسة منتخبات تتجاوز القيمة السوقية لكلّ منها مليار دولار، تتصدّرها إنكلترا، تليها فرنسا، ثمّ إسبانيا، فالبرتغال، وبعد ذلك البرازيل. أمّا المنتخب المغربي، فهو الأول عربياً بقيمة سوقية تصل إلى 350 مليون دولار.
يشهد مونديال 2026 قصصاً طريفةً ومهمّةً قد تحدث للمرّة الأولى؛ فاللاعبان كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي حقّقا رقماً قياسياً بالمشاركة في ستّ بطولات لكأس العالم، ومن القضايا المثيرة للجدل، أيضاً، السؤال: هل ستكون هذه البطولة آخر مونديال يقوده البشر بعد التوسّع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الملعب وخارجه؟ فاليوم توجد في الملعب كاميرات متعدّدة ومتطوّرة ترصد أدقّ التفاصيل آلياً، كما تحتوي الكرة على مجسّات إلكترونية، وأصبحت حالات التسلّل محكومة بتقنية “فار”، والسؤال: لماذا لا يُستبدل الحكم بإنسان آلي (روبوت) يرى بصورة أفضل، ولا ينفعل أو يتعب، وتستند قراراته إلى معاينة إلكترونية دقيقة؟ لكن أين الشغف؟ ألن تفقد كرة القدم بعد ذلك جزءاً من متعتها؟
مونديال 2026 أكبر مشروع تجاري رياضي تنظّمه “فيفا” على الإطلاق
أكبر الخاسرين في هذا المونديال الجمهور، وخصوصاً في الشرق الأوسط، فبسبب فارق التوقيت ستكون مواعيد مباريات كثيرة غير ملائمة، وهو تحدٍّ يواجه “فيفا”، وقد تتأثر نسب المشاهدة، ما يعني تراجعاً في عائدات حقوق البثّ والإعلانات، فضلاً عن التحدّيات الأخرى المرتبطة ببعد المسافات بين الدول والمدن المستضيفة، إذ تُقام المباريات في 16 مدينة موزّعة بين ثلاث دول شاسعة المساحة، وما يرتّبه ذلك من تعقيدات تنظيمية واختلافات في آليات التعامل مع الجماهير.
هذه البطولة صعبة لوجستياً على الجهات المُنظِّمة والجمهور معاً، وربّما تكون تجربة مونديال 2030، التي تستضيفها إسبانيا والمغرب والبرتغال، أسهل وأكثر سلاسةً، وننتظر المنجز السعودي في مونديال 2034 لصناعة تجربة فريدة لا تقلّ نجاحاً عن البطولة التي استضافتها الدوحة.
يبقى كأس العالم الحدث الرياضي الأبرز الذي يستحوذ على اهتمام البشرية، ومهما كانت الصعوبات، فإنّها أيّام لا تُنسى، تعمّ الفرحة بلاد المنتخبات المنتصرة، ويخيّم الحزن على الدول التي تتجرّع مرارة الخسارة. ومن آخر الأمنيات أن يأتي المونديال وقد توقّفت الحروب والنزاعات في منطقتنا.
المصدر: العربي الجديد






