
أراد العراقي المجتهد، السارد البارع، ضياء جبيلي (1977)، أن يكتب روايةً مختلفة، بمعنى أن تذهبَ في مجرىً نادراً ما عَبَرت فيه الرواية العربية. وأرادها شائقةً، بمعنى أن إيقاع الحكاية (أو الحكايات) فيها يشدّ القارئ بمؤانسةٍ وإمتاعٍ فائضيْن، فلا يغشاه ازورارٌ عنها، بفعل إملالٍ أو ما شابه. وأرادها أن تتحدّاه، بمعنى أن يُغامر في أزمنتها وجغرافيّاتها وانعطافات مسارها وتنوّع شخصياتها وتعدّد أمكنتها وفضاءاتها. رأى التاريخ أرضاً مناسبةً لهذا كله (وغيره)، وأظنّه أصاب في روايته السخيّة بما هو لافتٌ وجديد، “الرائي… رحلة دامو السومري” (دار رشم، عرعر، 2025). ولئن كان سفر رواياتٍ عربيةٍ غير قليلةٍ إلى شخصياتٍ ووقائع من التاريخ ليس رخصة تميّز أو تمايز، يمنح الكاتب تفوّقاً مسبقاً على الأعمال التي سلكت غير هذا الممْشى، فإن ما لوحظ (لمن يرى الملاحظة خاطئة فليصحّح) أن الروايات التي ارتحلت إلى تاريخٍ قريبٍ أو بعيد، قديم أو أقدم، غالباً ما نجح كاتبوها، الموهوبون من قبلُ ومن بعد، في معادلة علوّ المستوى الجمالي وذيوع المقروئية. ولئن يرى من أراد أن يرى أن صاحب هذه الكلمات يرتجلُ من عنديّاته انطباعاً متسرّعاً، في هذا الشأن، ويُصدِر حُكماً، متزيّداً، لا ينتسب إلى النقد الأدبي والتأنّي الحذر، في شأن رواية ضياء جبيلي، فلا بأس. إذ لا يخرُج ما ينكتبُ هنا عن انطباعات قارئٍ متذوّقٍ، له مزاجه، ولا يزعم انتسابَ آرائه (ارتساماته؟) إلى النقد.
قد تُشيع فيك روايةٌ في أزيد من 650 صفحة، على ما هي عليه المتحدّث عنها، تهيّباً من قراءتها، ولكن ثقةً لديك بضياء جبيلي، وكنتَ قرأتَ له تُطمئنك. كما أن قناعتك الباقية، عن تفريقٍ لازمٍ بين الطول والتطويل، لا تجعلك تتحسّب من الإقدام على قراءة “الرائي…” (القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026)، فالحشو والثرثرة قد يكونان في رواية من مائة صفحة ولا تلقاهما في رواية من 500 صفحة. وفي الوسع القول هنا إن هذا العمل حافظ على إيقاعٍ جاذب، وخلا من تطويلٍ قد يوقِفك عن القراءة، إلا من قليلٍ منه قبيل نهاياته المفتوحة. وإن يمتدّ الزمن من نحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد إلى العشرية الثانية في القرن الواحد والعشرين. ويبقى البطل الرئيسي فيها سارداً ومشاهداً ومسافراً ومغامراً لا يموت، دامو ابن نسّاخٍ في مدينة أوروك على ضفة نهر الفرات، إبّان الإمبراطورية الآشورية. يدوّن هذا الفتى الذي يُصاب بالخلود، وقد مات أخوه غرقاً، ما يرى وما يسمع وما يقع له من مصادفاتٍ، وعمّن يرى ويلتقي، وعن أعمالٍ وأشغالٍ ومهنٍ وحرفٍ زاولها، وعن سجونٍ رُمي فيها، وعن محاولات قتله غير مرّة، وعن إمبراطورياتٍ وحكّامٍ وملوكٍ ومعارك وحروب، عن أنهرٍ وبحارٍ وبلادٍ وأمصارٍ وحضاراتٍ وثقافات، عن أزمنةٍ تمضي وذكرياتٍ تتباعد، وعن أديانٍ وعقائد، وعن دولٍ وأممٍ وشعوب. يكتُب هذا كله في أسفار، اختار جبيلي أن تنقسم إلى ما تُمثل أزمنة التدوين في تاريخ البشرية، منذ سِفر الطين، حيث الكتابة الأولى على الألواح السومرية، إلى سفر “مايكروسوفت”، حيث الراهن.
كانت رحلة القراءة ممتعةًً مع دامو، الضّجِر من خلودِه أحياناً، الذي تقيم فيه نوستالجياتٌ بلا عدد، سيّما إلى أيامٍ كان هو وشقيقُه دودو مأخوذيْن في صغرهما بشخصيتي جلجامش وأنكيدو. كانت رحلةً مع الكتابة التي ابتدعها الإنسان، ومع السفر إلى الذاكرة وسؤال الهويات ومشاغل الإنسان. بذل الكاتب مجهوداً مُضنياً، خلّاقاً في مواضع ليست قليلة، وهو يوازي المتخيّل بالتاريخي، والأسطوري بالمعيش، وهو يستحضر أزمنةً وثقافاتٍ بلا عدد، مأكولاتٍ وملبوساتٍ وروائح وزراعاتٍ، وأنماط عيشٍ تنوّعت في مطارح غزيرة في الأرض. والنجاح الذي أصابه ضياء جبيلي في صنيعه هذا كله (الإيجاز هنا مخلّ) يقع في الغنى والثراء الوفيريْن في القصص والمرويّات والمحكيّات، وفي التتابع الشائق، التقليدي الكلاسيكي العالي، في سرودٍ تتوالى من سرود.
خذلتني الرواية، ليس لأخطاء نحويةٍ وإملائيةٍ وعيوبٍ تحريرية فيها، وإنما لأن دامو وصل إلى زمننا، حيث “داعش” و”مايكروسوفت”. أحببتُه أن يظلّ هناك، في مجاهيل التاريخ وعتاقته، في القديم من أزمنةٍ أولى للبشرية، لمّا كان آشوريون وبابليون وسومريون وفراعنةٌ وفينيقيون وكنعانيون. وددْتُه باقياً هناك. كانت حرارة القص والحكي أوقعَ، ثم بدَت فاترة لمّا صار دامو في أزمنةٍ تاليةٍ إلى أن أصبح بيننا. ربما كانت الرواية ستصير أبدع لو بقي هناك، ولو مُصاباً بالخلود؟ أمّا كيف فلا أعرف.
المصدر: العربي الجديد






