التحديات الأمنية للدول العربية وارتباطها بمفهوم متجدد للعروبة

معقل زهور عدي

مر زمن طويل على انتكاسة الفكرة القومية العربية ابتداء من نكبة فلسطين وفشل العرب في الدفاع عنها ومنع نشوء الكيان الاستيطاني , مرورا بهزيمة حزيران / يونيو 1967 التي اعتبرت هزيمة للفكر القومي العربي في الممارسة والحكم , وصولا لما سمي بالصحوة الاسلامية التي قدمت نفسها كبديل عن فشل الفكر القومي , وحتى تحول الأحزاب القومية في السلطة في كل من العراق وسورية لغطاء للديكتاتورية والاستبداد , وفي سورية خاصة حيث تم تفريغ حزب البعث  من خلال السلطة من أي محتوى وطني وشعبي وديمقراطي ليتحول إلى جهاز سلطوي كجزء من بنية المنظومة السلطوية مخفيا خلفه طابعها الطائفي الديكتاتوري الدموي .

تكفلت هذه  الصيرورة التاريخية بتشويه الفكرة القومية إضافة للحمولة التعصبية التي حملها الفكر القومي التقليدي , وانتقاله من حيز الفكر السياسي القابل للتطور إلى حيزالايديولوجيا الشمولية التي تتمظهر كدين يمس حياة الناس في جميع وجوه نشاطهم الانساني .

لكن ما تواجهه الدول العربية الآن من تحديات مصيرية يدفع باتجاه استعادة مفهوم الأمن العربي , وعندما نتحدث عن الأمن العربي فنحن نتحدث  بطريقة غير مباشرة عن الرابطة القومية العربية التي تجمع الدول العربية , وتجعل منها مشروع كتلة سياسية واحدة , بطريقة مشابهة للاتحاد الأوربي مع الفارق .

فوجود  الدول العربية وأمن كل منها أصبح مهددا بفعل التحديات القادمة من النزعة التوسعية الصهيونية من جهة والنزعة التوسعية الايرانية من جهة أخرى . وأصبحت الحاجة ماسة لنشوء تكتل أمني لايمكن تصوره خارج مفهوم الأمن العربي .

ويرتبط ذلك باستعادة مفهوم قومي عربي حضاري واسع بديلا عن القومية العربية التقليدية التعصبية والضيقة ذات النزعة الايديولوجية .

الدفاع عن المنطقة , وبناء تكامل اقتصادي وسوق واسعة وحرية الحركة والتنقل للمواطنين ضمن المنطقة العربية لم يعد حلما طوباويا , بل ضرورة حيوية للمحافظة على أمن الدول العربية واستقلالها وسيادتها , وهو مفهوم بعيد عن أفكار التوحيد القسري أو التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية ضمن أدوات حزبية عقائدية . لقد استهلك التاريخ تلك الأفكار والتصورات , وجاء وقت التفكير في عروبة واقعية , تحترم حدود الدول , وسيادتها , وخيارات كل شعب من الشعوب , في حين تستعيد الجوانب الثقافية والروحية والقيم السامية للحضارة العربية – الاسلامية والتي تشترك فيها شعوب المنطقة من المشرق للمغرب ومن الشمال للجنوب , وتستخدم ذلك التراث الانساني العميق والثمين برسم المستقبل , لضمان أمن وحرية واستقلال الدول والشعوب العربية وكذلك ازدهارها وتطورها وسط عالم لايحترم سوى التكتلات الاقتصادية والعسكرية الكبيرة , بينما تتعرض الدول الأخرى للاستغلال والتسلط وأحيانا للقضم أو تهديد الوجود .

حين تصبح العودة إلى مفهوم الأمن العربي المشترك أداة للدفاع عن الوجود فذلك لابد أن يقترن باستعادة مفهوم الرابطة العربية بتخليصه من كل ما علق فيه من سلبيات تجمعت في المراحل التاريخية السابقة , ووضعه كضرورة برسم المستقبل وليس كايديولوجية لم تعد صالحة في هياكلها القديمة البالية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى