الاتفاق المستحيل

معن البياري

متى ستنتهي الوكالات، إكسيوس ورويترز وسواهما، من بثّ بنودٍ في مسوّدات اتفاقاتٍ أولى ومذكّرات تفاهمٍ وما شابههما، بين إيران والولايات المتحدة؟… مضى على هذا الحال أزيد من شهريْن، تواصلت فيها مفاوضاتٌ غير مباشرة، شاقّة، عبر الوسيط الباكستاني النشط، ثم مع إسهام قطريٍّ معلوم. والمؤكّد، أو المرجّح احتراساً، أنه سيستمرّ شهوراً أو أسابيع طويلة استنزافُ العاملين في غرف الأخبار في ملاحقة الأنباء اليومية عن وصول الطرفيْن إلى تفاهماتٍ في هذه الجزئيّة وتلك، وفي متابعة ما تعقُبُ أخباراً كهذه من تدويناتٍ للرئيس المتفرّغ لإرهاق أعصاب العالم، ترامب، عن خطوطٍ حمراء لديه، وعن عدم رضاه مما يصل إليه من ردودٍ إيرانيةٍ على مطالباتٍ ومقترحاتٍ تنطرح، وعن تعديلاتٍ وملاحظاتٍ لديه على هذه النقطة وتلك، وعن عدم استعجاله أي اتفاق، وعن مكالمات نتنياهو معه، إلى غير هذا كله من أخبارٍ تتوالى، وتتشابه، وتُشيع الضجر، ولم تعد تستحقّ تماماً اعتبارَها أخباراً عاجلة. سيستمرّ أيضاً فائض الكلام اليومي من مسؤولين إيرانيين رفيعين وغير رفيعين عن ثوابت نعرفها منذ ثلاثة عقود، وعن تكذيباتٍ لكل كلام أميركي أو تعقيباتٍ عليه أو تصحيحاتٍ له، وعن حقوقٍ لن يجري تنازلٌ عن أيٍّ منها. سيستمرّ الإيقاع الإيراني على هذا النحو، من دون أن يقع الناظر فيه أو سامعُه على مغادرة مربّعات أولى يحرص القائمون على النظام في إيران على البقاء فيها، أو يشيعون أنهم فيها.
بإيجاز، لن تصل واشنطن وطهران إلى اتفاقٍ متكاملٍ وشاملٍ ينهي كل مواضع الخلاف والاختلاف. ربما، وهذا احتمالٌ قد يقترب أو يبتعد، تُنجزان تفاهماتٍ موضعيةً في قضايا متعيّنة، ليس معلوماً وقتُها. وهنا، يُنصَح بالحذر من استقبال أخبار الوكالات المتتابعة عن اتفاقٍ قيد الإنجاز باطمئنانٍ وموثوقيّة، وقد صار من الرتيب محوُ مساءات هذه الأخبار نهاراتها. وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا المكوثَ في التشاؤم المزمن، فالأوضح، على ما في المشهد من تشوّشٍ شاسع، أن احتمالات استئناف حربٍ ومواجهاتٍ عسكرية كبرى تتراجع، وأن المزاج الأميركي، في الإدارة المضطربة وحواليْها، إيثارُ التفاوض، العسير، على تنشيط حاملات الطائرات، وتحريك البوارج، واستعمال الصواريخ والقاذفات في المهمّات إياها على مدن إيران وصحاريها وجبالها. ولذلك، لك أن تقول إن ما يؤدّيه فعل التفاوض الجاري، وهو ليس عبثيّاً أبداً وإنْ لن تُرى له نتائجُ تُنهي التأزّم التاريخيَّ قريباً، هو تخفيض التصعيد، وتنزيل التوتّر، وإيثار تبادل اللكمات في حلبة الإعلام، مع تناوبٍ على لغتي التهديد بالعودة إلى جولات القصف إياه والاستعداد لهذا كله وغيره.
لا بأس من تكرار صاحب هذه الكلمات إتيانَه على إعجابٍ مستحقٍّ بأداء المفاوض الإيراني في جولات مسقط وجنيف قبل الحرب، ثم في جولة إسلام أباد وما قبلها وما بعدها، وفي غضون الاتصالات المكثّفة وشديدة الحساسية الراهنة. والماثل أمامنا، أقلّه على ما نقرأ ونتابع، أن حاجة طهران للخروج من مأزقٍ ثقيلٍ تكابده في ظروفها غير الهيّنة، وهي تُفاوِض واشنطن بروح المستنزَف الصبور، القادر على تحمّل ما هو باهظ الكلفة عليها، لا تقلّ عن حاجة إدارة ترامب للتحرّر من مأزق المراوحة التي ظنّت أن في وسعها أن تنشل نفسَها بيسرٍ منها، ذلك أن هذه الإدارة تورّطت (نعم تورّطت) في أوهامها عن قدرة فائض القوة لديها على فرض ما تريد، وأن الذي أحدثته ضرباتُها المشتركة مع الحليف الإسرائيلي، وهو ليس هيّناً بالطبع، كافٍ ليُغادر صنّاعُ القرار في طهران (من هم بالضبط؟) عنادهم ومُتعتهم الباهرة في تدوير التفاصيل وتقليبها مع المفاوض الأميركي من دون أن يحسبَ الأخيرُ لهذا الحال الحساب اللازم.
سيكون الاتفاق الممكن موضعيّاً وجزئياً ومفخّخاً بالتباساتٍ غير قليلة، والوصول إليه في مدىً ليس قريباً وارد. أما الاتفاق الناجز المكتمل فمستحيل. ليس فقط لصلابة المفاوض الإيراني، المرهق أياً كانت مقادير نجاحاته، وإنما أيضاً لأن الإرادة السياسية للوصول إلى مثل هذا الاتفاق لا يتوفّر عليها العقل الأميركي الراهن في البيت الأبيض. ومفردة العقل هنا مجازية، مُستعارَة من بلاغياتٍ ومفاهيم إجرائيّة، ولا تُفيد بمعجميّتها المعلومة، فلا عقل لدى ترامب وفريق إدارته ومعاونيه، وهذا يُضاعف من أرصدة طهران التي تُراكمها، وهي تُفاوض، ولو ظلّت تُفاوض إلى الأبد إذا لزم الأمر.

المصدر:العربي الجديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هل يمكن أن يكون هناك اتفاق ناجز مكتمل بين الإدارة الأمريكية “الترامبية” ونظام ملالي طهران ؟ إنه المستحيل. لأن الإرادة السياسية للوصول إلى مثل هذا الاتفاق لا يتوفّر عليها العقل الأميركي الراهن في البيت الأبيض ، ولأن طريقة تعامل المفاوض الإيراني أربكت الأمريكان ، ولتضارب المصالح بين الإدارة الأمريكية والنتن.ياهو .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى