
تُعدّ الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران أوّل حرب لواشنطن بلا غطاء دولي واضح، وكأنّها لحظة الحقيقة للقطبية الأحادية؛ فلا تفويضَ من مجلس الأمن، ولا دعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولا مباركة من حلفائها التقليديين في أوروبا. لم يعكس هذا الانكفاء عن الدعم أزمة ثقة عابرة، بل إعلاناً صريحاً عن تضارب المصالح الحيوية، ما يثبت التصدّع البنيوي داخل المعسكر الغربي، ويدفع العواصم الأوروبية، أكثر من أيّ وقت مضى، نحو تبنّي استقلال استراتيجي يخرجها من عباءة التبعية لواشنطن التي لم تعد قادرة على تحمّلها. وبعد شهر على اندلاع الحرب ضدّ إيران تحت ذريعة تقويض طموحاتها النووية، وجدت الإدارة الأميركية نفسها بلا ظهير سياسي أو إسناد عسكري، فالأسابيع المنصرمة أظهرت تآكل وحدة الصفّ الغربي، بانكشاف مواقف القادة الأوروبيين، وإنهاء سياسة “الغموض المتعمَّد” في أكثر من عاصمة أوروبية، باستثناء مدريد، إذ شقّ رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، منذ البداية عصا الطاعة معلناً أنّ “الحرب في الشرق الأوسط عبثية ووحشية وغير مشروعة”، في موقف فريد حظي بإشادة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان الذي اعتبر أنّ “سانشيز أنقذ شرف أوروبا بمواقفه العلنية المناهضة للحرب”.
الذاكرة الإسبانية مثقلةٌ بتبعات حماقات عام 2003 في العراق التي لم تجلب للعالم سوى الألم وانعدام الأمن
ظلّت مدريد وفيةً للشرعية الدولية في زمن التيه الأوروبي، فقد تحوّل الزعيم الاشتراكي الباحث عن مجد (راجع للكاتب “بيدرو سانشيز رجل دولة يبحث عن مجد”، “العربي الجديد”، 09/01/2024)، في أعين كثيرين، إلى رجل مبادئ برفضه، منذ اليوم الأول، التواطؤ مع ترامب ونتنياهو: “لا للحرب” (No a la guerra)، معتبراً أنّ “السؤال ليس ما إذا كنا نقف إلى جانب آيات الله – فلا أحد يقف إلى جانبهم. السؤال هو ما إذا كنا نؤيّد السلام والقانون الدولي”. يرفض سانشيز التفريط في بوصلة الأخلاق الدولية لمواجهة صراعات العالم العنيفة، غير آبه بانتقام ترامب وإدارته، فالذاكرة الإسبانية مثقلةٌ بتبعات حماقات عام 2003 في العراق، التي لم تجلب للعالم سوى الألم وانعدام الأمن. وقد برز أحد أوائل الزعماء الرافضين دعوة ترامب بشأن مبادرة مجلس السلام في غزّة، مؤكّداً التزام مدريد بالقانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة. وكان موقفه استثنائياً داخل أوروبا حين اعتبر الحرب في غزّة إبادةً جماعيةً، ما خلّف توتّراً حادّاً بين البلدَين، ولا سيّما بعد اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين (سبتمبر/ أيلول 2025)، ما اضطر مدريد إلى مراجعة التعاون مع إسرائيل، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي.
لم يقف الزعيم الإسباني في مواجهة ترامب عند حدود الشجب الدبلوماسي التقليدي على غرار تنديده بالعملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، معلناً أنّ السيطرة على موارد الطاقة الاستراتيجية هو الهدف الحقيقي وراء تغيير الحكومة التي، وللمفارقة، لا تعترف بها مدريد، لأنّ انتخابها لم يكن شرعياً، نظراً إلى خرق نيكولاس مادورو قواعد الديمقراطية، بل انتقل من التنظير إلى الفعل السياسي بقيادة مبادرة بالتنسيق مع المكسيك، وكتلة تضمّ 14 دولة، تعكس طموحاً لإعادة إحياء القانون الدولي مرجعية عليا، تطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بتطبيق المادة 27 (3) من ميثاق الأمم المتحدة؛ وهي مادة مهجورة تفرض على أطراف النزاع الامتناع عن التصويت على قرارات مجلس الأمن المتعلّقة بالتسوية السلمية.
في محاولة جادّة لانتزاع مجلس الأمن من براثن المصالح القومية للدول الكُبرى، وإحياء وظيفته الأصلية أداةً للوساطة والتحكيم لا أداةً للمواجهة والابتزاز السياسي في سياق الإحباط الدولي المتزايد من توظيف حق النقض (فيتو) الذي تحوّل من أداة لحفظ التوازن إلى عائق بنيوي، فمن إجمالي 320 حالة استخدام فيها حق النقض (منذ تأسيس المنظمة حتى نهاية عام 2025)، كانت نسبية 78% من نصيب الولايات المتحدة (94 مرّة) وروسيا (155 مرّة).
أربك التمرّد الدبلوماسي الإسباني ضدّ واشنطن حسابات الأوروبيين، ولا سيّما مع وصول التوتّر إلى ذروته من دون صدور ردّة فعل أميركية حازمة. فقد وجدوا أنفسهم مطالبين بدعم دونالد ترامب في مغامرة عسكرية لم يشاركوا في صياغتها، فقد كانوا في موقع المراقب القلق لا الشريك الفاعل. وضعٌ اضطرَّهم إلى الانحياز إلى صفّ مدريد برفض الحرب صراحةً، بحجّة أنّها خارج القانون الدولي (باريس وروما)، أو الاكتفاء بالتلميح من خلال التوازن الحذر بين التضامن والدعوة إلى ضبط النفس (برلين ولندن). وتستشعر العواصم الأوروبية اليوم وطأة المواجهة مع طهران بشكل يفوق نظيرتها في واشنطن المحصّنة جغرافياً خلف المحيطات (أمن الملاحة، كابوس اللاجئين، الردّ الإيراني…). لذلك، لم تصفّق أوروبا لترامب هذه المرّة خوفاً من تكرار سيناريو أوكرانيا. بيد أنّ التحوّل الأبرز يكمن في تبلور قناعة أوروبية ترى أنّ نهج الإدارة الأميركية الحالية هو تهديد للنظام الدولي يفوق في خطورته التحدّي الإيراني نفسه؛ فبمعزل عن الموقف من طهران، تظلّ عنجهية ترامب وغطرسة إدارته التقويض الحقيقي لأسس الاستقرار، وما محاولة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند إلا نموذجٌ صارخٌ لهذا النهج الذي بات يُنظر إليه معولَ هدم للنظام الدولي المعاصر.
لم يعد السؤال المؤرِّق متعلّقاً بمَن سينتصر في الحرب، بل بمَن يمتلك الإرادة الأخلاقية لفرض السلام
لم يكن التمرّد الدبلوماسي الذي قاده بيدرو سانشيز مجرّد مناورة سياسية عابرة، بل هو إعلانٌ صريحٌ عن طيّ صفحة التفويض المطلق والتبعية العمياء للسياسات الأميركية. فقد أعادت مدريد بالتزامها الصارم بمبادئ القانون الدولي في غزّة وفنزويلا وإيران، صياغة مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين؛ لتثبت أنّ الهيمنة لا تُقاس فقط بضجيج الترسانات العسكرية، التي اهتزّت بدورها أمام التطوّر التكنولوجي، بل بالقدرة السيادية على قول لا في وجه التغوّل الأحادي الذي يستبيح الضمير الإنساني.
تقف القارّة الأوروبية اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فإمّا أن ترتضي لنفسها دور الصدى لقرارات واشنطن وتحالفاتها المتقلّبة، وإما أن تعتمد “البوصلة الإسبانية” نهجاً جديداً يعيد الحياة لمواثيق المجتمع الدولي التي طاولها التهميش. لقد وضعت شجاعة مدريد العالم بأسره أمام حقيقة ناصعة وسط صخب الحروب؛ وهي أنّ السلم العالمي لا يُشيّد عبر فوّهات البوارج، بل يُبنى على قواعد عدالة لا تتجزّأ، واستقلال استراتيجي لا يقبل المساومة. لكن السؤال المؤرِّق لم يعد متعلّقاً بمَن سينتصر في الحرب، بل بمَن يمتلك الإرادة الأخلاقية لفرض السلام.
المصدر: العربي الجديد






