
ماجد مرشد روائي سوري متميز، قرأت له رواية “في التيه” وكتبت عنها.
سبيل اسطنبول ( الجزء الثاني من رواية في التيه) للروائي ماجد مرشد التي نشرتها دار نورس هاوس للنشر الترجمة والأدب عام ٢٠٢٦م. تمثل امتدادا للجزء الاول في التيه.
تبدأ الرواية من اسطنبول حيث تحوم روح محمد البحار الاسطنبولي حول جسده بعد إخراج جسده الغارق من البحر وغسله وتكفينه ونقله إلى مقبرة في اسطنبول ودفنه هناك.
محمد الذي عمل صيادا للسمك في بحر مرمرة و غرق فيه في يوم عاصف.
روح محمد تحلق في السماء تبحث عن جسد وليد تحلّ فيه.
تُسرد أحداث الرواية على لسان بطلها محمد على شكل فصول متتابعة تنتقل في الحدث والزمان والمكان والتاريخ.
في كتابتي لهذه القراءة ساعيد نسج خيوط الرواية بتركيز شديد، واقدم محتواها ورسائلها، قدر الامكان.
حلّقت روح محمد عاليا في السماء وغادرت إلى حيث ولد طفل في قرية زهرة اللجاة في السويداء وذلك في اوائل ستينات القرن العشرين وحلّت به.
في قرية زهرة اللجاة ولد الطفل محمد وسط عائلة درزية والده يعمل بالزراعة في أرضه المتواضعة، ويعمل أيضا في مهنة العمار في لبنان.
زهرة اللجاة قرية كمثل كثير من القرى المتناثرة في جبل الدروز الذي أصبح اسمه جبل العرب بعد استقلال سوريا وجلاء الفرنسيين عنها. أرضه متميزة بوعورتها الشديدة، كان للفرنسيين فضل تسوية طرقها عبر سخرة اجبارية فرضت على أهلها.
يعتمد أهل القرية على الزراعة كوسيلة أساسية للعيش. القرية درزية بالكامل لرجال الدين فيها حضور واحترام. تقسم القرية بين عائلاتها الكبيرة والصغيرة في القوة والحضور. وبالتالي تتمايز في مقدار السطوة والتراحم. تتزاوج غالبا بين بعضها حسب نديّة غناها وقوة عشيرتها. تعيش على الصراعات البينية بسبب أمور حياتية بسيطة من توسع في الأرض أو خلافات اخرى. يتشاجرون ويتصالحون، ويكون لكبارهم والمشايخ فيهم دور في إنهاء مشاكلهم البينية. منهم من يأخذ دينه يلقب شيخ وشيخة.
يتوحدون عن الصراع مع الغريب، اي غريب وخاصة من الجوار أو المستعمر كما حصل لمواجهة المستعمر الفرنسي والثورة السورية الكبرى ودور سلطان باشا الأطرش.
نشأ محمد في ستينات القرن العشرين ودخل المدرسة الابتدائية حتى صف الخامس في القرية، كان متميزا، كانت ابنة عمه فاطمة من جيله وتذهب معه الى المدرسة. هو نجح في صف الخامس وهي رسبت. أهلها رفضوا استمرارها بالتعلم. محمد تابع دراسته في السويداء.
محمد وفاطمة يحبون بعضهم كثيرا. منذ طفولتهم ، ساعد محمد فاطمة في متابعة تعلمها حتى وصلت الى صف البكالوريا، لكنها لم تنجح بها. يتابع محمد دراسته الجامعية بعد البكالويا في قسم اللغة العربية. ويحصل على الشهادة الجامعية ويصبح مدرسا للغة العربية.
يتزوج محمد من فاطمة ويعيشان حياة غير سعيدة، تظهر عقد وأمراض فاطمة النفسية، ومحمد لم يستطع أن يقنعها بما يعيشان ولا بأن الحياة الزوجية ممكنة ويجب أن يعيشاها.
عاش محمد أحلاما مع فاطمة اخرى عاش معها في زمان ما سبق أن عاشه، كانت تعينه على تحمل حياته مع ابنة عمه فاطمة.
عاش محمد في ستينات القرن الماضي ونضج وعيه على التغيرات العميقة التي حدثت في سورية وقتها. بدء من الوحدة المصرية السورية التي يتحفظ عليها الكاتب، وبعد ذلك ثورة ٨ آذار ١٩٦٣ التي استحوذ عليها البعث مقصيا الضباط الناصريين من الحكم مبكرا (وهذا ما لم تذكره الرواية). وينتصر الكاتب للبعث في سورية حتى عام ١٩٧٠م. حيث يعتبر انقلاب حافظ الأسد على رفاقه خيانة للحزب وانحراف عن طريقه.
التحق محمد مبكرا بصفوف حزب البعث وأصبح من كوادره النشيطة وحصل على العضوية العاملة. شكّل مع رفاق آخرين له تيارا نقديا داخل الحزب، سرعان ما تمّ ملاحقته امنيا واتهامه بأنه ضد الحكم في البلاد. وأنه ينتمي الى تيار البعث العراقي. استكان محمد وقتها وخفف من نقده خوفا من بطش النظام.
كان ذلك في الوقت الذي يعيش النظام صراعا مع الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين التي أدت الى حصول مذابح ومجازر في حماة وحلب وغيرها في سورية على يد النظام طبعا. وكان للقوى المعارضة الديمقراطية موقفا معارضا للنظام. ذكرت الرواية البعثيين جناح العراق و رابطة العمل الشيوعي ، ولم تذكر بقية القوى الوطنية الديمقراطية حزب الاتحاد الاشتراكي الناصري والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري وبقية القوى الوطنية الديمقراطية. الذين شاركوا بالحراك الوطني الديمقراطي مطلع الثمانينات ضد النظام لإسقاط الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية. اعتقل الكثير ولقي بعضهم الموت أو السجن المديد.
تنتقل الرواية بعد ذلك إلى مرحلة الثورة السورية بعد ربيع عام ٢٠١١م. ولم نعرف ما هو مآل حياة محمد مع ابنة عمه فاطمة؟.
تتحدث الرواية عن محمد الشاب الذي درس في الجامعة اللغة العربية وتعرف على حبيته زهور التي ستصبح زوجته بعد ذلك. وينجبان ورد عبير. يعمل في جريدة الثورة التابعة للنظام ، بعثي عضو عامل كما نعلم. لكنه من التيار الناقد لتعامل النظام العنيف مع المتظاهرين ومطالبهم المشروعة. ولأن النظام لم يعد يحتمل النقد وخاصة من مواليه وفي صحفه الرسمية.
تم استدعاء محمد للأمن اكثر من مرة وكاد يعتقل. وهدده أحد المسؤولين الأمنيين ونصحه بالمغادرة.
كان محمد يساند المطالب المشروعة للمتظاهرين. ويساعد في الجانب الإغاثي للهاربين من بلداتهم المنكوبة بقصف النظام ومداهماته واعتقاله العشوائي وتعفيش البيوت التي تركها أهلها وهربوا ناجين بروحهم. . كونه كان يسكن في ضاحية صحنايا التي كانت آمنة نسبيا.
وقبل الحديث عن مصير محمد و محاولة سفره إلى أوروبا.
تحدثت الرواية عن أهل السويداء الدروز وموقفهم من الصراع بين الشعب السوري والنظام. وكان موقفهم ان يكونوا على الحياد في هذا الصراع. مع رفضهم أن يقاتل أبنائهم الشعب السوري كجزء من جيش النظام. لذلك امتنع أبناءهم عن الالتحاق بالجيش.
حاول النظام كثيرا أن يثني الدروز في السويداء وجبل العرب عن موقفهم الرافض للالتحاق بجيش النظام. وعندما فشل بذلك. قرر ان يسلط عليهم الارهابيين صنيعته من الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”. قاموا بتفجيرات كثيرة في مراكز الأمن وبمواجهة الناس الآمنين، وهجموا كالوحوش على القرى والبلدات الدرزية ونكلوا وقتلوا الجميع واغتصبوا النساء. وخطفوا عددا منهم. ليكونوا ورقة مساومة من قبل النظام ومعه ومع صنيعته داعش.
كان كل ذلك في وعي محمد سواء على مستواه الشخصي والتهديد الأمني له. أو العام في سورية التي أصبحت بلد مستباح من جيش النظام وشبيحته وحزب الله اللبناني والقوات الايرانية والطيران الروسي الذي استباح سورية كلها وجعلها ضحية موت عشوائي تحت قصف الطائرات والبراميل المتفجرة.
لم يكن أمام محمد من مفر من العمل جديا لمغادرة سورية، اتفق مع زوجته أن يذهب امامهم الى المانيا ثم يقوم بلم شمل معهم بعد ذلك.
باع أملاكه ؛ البيت والسيارة، وجمع بعض المال وتواصل مع اصدقاء سبقوه في طريق اللجوء. ذهب الى اسطنبول ومنها الى السودان ومنها كان يجب أن يصل ألمانيا عبر مصر. لكن المصريين اعادوه للسودان بعد الغاء الشنغن الموضوعة على جوازه.
عاد إلى اسطنبول مجددا وسكن في فندق بجوار جامع آيا صوفيا وجامع السلطان أحمد . وهناك كان على موعد مع قدره مرة اخرى. التقى بصاحبة الفندق فاطمة التي وجدها شبيهة جدا بفاطمة فتاة أحلامه التي كان يحس انها حبيبته في حياة سابقة له.
اخذته المفاجأة وتعرف مع فاطمة على حياتها وانها حفيدة فاطمة التي كانت حبيبة لمحمد البحار الذي أحبته وتزوجته. لكنه غرق في بحر مرمرة في جو عاصف. هي حفيدة فاطمة وشبيهتها.
حدّثها محمد عن إيمانه بالتقمص وأنه هو محمد الذي غرق في البحر حبيب فاطمة جدتها . وأن روح محمد ذهبت الى زهرة اللجاة في السويداء وحلت فيه . سمعت فاطمة ما قال واطلعته على مذكرات جدتها فاطمة. التي صورها وترجمها واحتفظ بنسخة منها. وذهبت معه الى قبر جدتها بجوار قبر محمد زوجها . وجد قبره هو في حياته السابقة جوار قبر حبيبته فاطمة.
وبعد ذلك عاود محمد السفر الى المانيا عن طريق احدى دول افريقيا ووصل إلى هناك، وهو الآن ينتظر لم شمل عائلته زوجته وأطفاله.
هنا تنتهي الرواية.
في التعقيب عليها اقول:
تكاد تكون الرواية أسفارا في العقل والقلب والوجدان والازمان والتاريخ والعقائد، تجعل القارئ يبحر فيها بسلاسة وشغف .
تطل الرواية على موضوعات متعددة أرادت أن تنورها عبر سردها الروائي.
السويداء والدروز فيها بقراها واهلها ومدينتها عاداتهم ومعتقداتهم – نسبيا – ما يجمعهم وما يفرقهم. إيمانهم بالتقمص من جملة ما يؤمنون.
في الرواية محاولة لتأكيد هذا المعتقد عبر مسار حياة بطلها محمد. الذي عاش أكثر من حياة ليس اولها محمد الاسطنبولي ولن يكون آخرها محمد الذي استقر في ألمانيا. فالروح في هذا المعتقد خالدة. تنتقل من جسد إلى آخر، من قميص الى قميص. القميص “الجسد” يفنى والروح خالدة.
لن أدخل في مناقشة هذا المعتقد. فهو ككل معتقد بعضه ايمان والايمان تسليم له مبرراته عند أصحابه. والايمانات في الدنيا متنوعة وحتى عندنا نحن العرب والمسلمون بتنوع الطوائف والملل وكذلك المسيحيون بتنوع معتقداتهم.
المهم بالنسبة لي هو أن يكون في صلب أي اعتقاد قبول الآخر بمعتقداته، والتعايش معه وقبول أن يصنع الكل في المجتمع بتنوع عقائدهم وتنوعهم الاثني مجتمعا واحدا محكوم بالصالح العام للكل، والعمل لأجل الكل.
تمر الرواية على تاريخ الدروز في السويداء وقراها في القرن الأخير والتغيرات التي طالتها. ومحنتها في سنوات الثورة السورية. وكيف انتقم منها النظام الساقط عبر داعش وكيف بقيت على العهد الوطني السوري ممثلا بنشاط ابنائه في ساحة الكرامة في السويداء.
لم تقترب الرواية من آخر تطورات الحال في السويداء بعد انتصار الثورة ومحاولة الشيخ الهجري أن يقود أهلنا في السويداء الى حضن الصهاينة ، مستفيدا من أخطاء حصلت من دولة الثورة ومن بعض أتباع الشيخ الهجري . ووقوع ضحايا من الطرفين، ومحاولة طمس الهوية الوطنية السورية الاصيلة لاهلنا الدروز في السويداء…
لن ينجح الشيخ الهجري بذلك.
تتناول الرواية أيضا الثورة السورية وتداعياتها وموقف النظام الساقط الوحشي بحق الشعب السوري. وكيف استعان بإيران وحزب الله و المرتزقة الطائفيين وروسيا ضد الشعب السوري.
لكن الشعب السوري انتصر وسقطت دولة القهر والاستبداد والظلم والقتل والفساد جزء من الماضي الذي يجب أن نستفيد من عبره.
مطلوب منا كسوريين بتنوعنا الثري ان نعمل جميعنا لبناء سورية المستقبل.
سورية الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة المتساوية والديمقراطية.
اخيرا : اعتز بك صديقي ماجد مرشد على ابداعاتك الرائعة …






