مسارات الحرب بين غياب الحسم العسكري والاستعصاء التفاوضي

أمجد أحمد جبريل

                

بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يتجلّى مأزق “المراوحة” بين غياب “الحسم العسكري” و”الاستعصاء التفاوضي”، بفعل ثلاثة متغيّرات: أوّلها اتّجاه سياسات الأطراف الأميركية والإسرائيلية والإيرانية نحو “التصعيد الممنهج”، ولجوء إدارة دونالد ترامب إلى أسلوب “الخداع الاستراتيجي” مرّات، بغية إضعاف المركز التفاوضي لإيران. وثانيها تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي، خصوصاً تصاعد التنسيق العملياتي والاستخباري و”التخادم الاستراتيجي” بين الطرفَين، وبروز مسألة “توزيع الأدوار” بينهما. وثالثها إحجام أغلب القوى الدولية عن لعب أدوار الوساطة في هذه الحرب، ربّما بسبب تقديراتها لعدم نضوج ظروف تهدئة الحرب أو إنهائها تماماً، بالتوازي مع بروز أدوار القوى الإقليمية، سيّما باكستان وتركيا ومصر، في محاولة الوساطة بين واشنطن وطهران.

وفي إطار تحليل مسار الحرب على إيران واستعصائها على “الحسم العسكري السريع”، واحتمالات عودة الطرفين الأميركي والإيراني إلى المسارات التفاوضية لحلّ هذه الأزمة الدولية الإقليمية المعقَّدة، يمكن التوقّف عند أربع ملاحظات: أولاها تتعلّق بانعكاسات سياسة “القوة” التي تنتهجها إدارة ترامب، لا سيّما الاندفاع تحت تأثير نجاح نموذج اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في محاولة تطبيق سياسة مشابهة في إيران، علماً أنّ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لم يؤدِّ إلى انهيار النظام، أو خروج الإيرانيين إلى الشارع لإسقاطه.

أيّ تقويم لموقف واشنطن من الحرب لا يمكنه تجاهل حجم الدور الإسرائيلي في التأثير في القرار الأميركي بخوضها، أو تعجيل موعدها على الأقلّ، ما يؤكّد تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي، خصوصاً تطوّر التنسيق العملياتي والاستخباري، إلى حدود غير مسبوقة تاريخياً، كما يتّضح من ثلاثة أمور: أوّلها مثابرة نتنياهو في تحريض واشنطن على طهران، ودعم الانقلاب الأميركي على مسار مفاوضات مسقط – جنيف، على الرغم من تصريحات عُمانية وإيرانية مبشِّرة بوجود مستوى من التوافق العام بين واشنطن وطهران. وثانيها وجود “توزيع أدوار” بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ففي حين تستهدف واشنطن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، مع الحفاظ على مصادر الطاقة الإيرانية، توسّع إسرائيل استهدافاتها لتشمل ضرب القدرات العلمية والبشرية والبنى التحتية عموماً، بغية إخراج إيران من معادلات التأثير الإقليمي ومعادلات أمن الطاقة؛ إذ يبدو واضحاً “الاستعجال الإسرائيلي” في توظيف الفرصة السانحة، وصولاً إلى “حسم الصراع” مع إيران ومحورها الإقليمي، وتدشين “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”، إذ يريد نتنياهو محو عار هجوم الفصائل الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزّة (7/10/2023) من ذهن المجتمع الإسرائيلي الخائف قبيل موعد الانتخابات الإسرائيلية القريبة. وثالثها، أنّ الأبعاد الشخصية والنفسية تلعب دوراً أكبر من المألوف في هذه الحرب، بسبب الانسجام الواضح بين مسؤولي حكومة نتنياهو وبين المسؤولين الأميركيين، وقدرة الأوّل على تسويق الحرب على إيران في أروقة صنع القرار الأميركي، علماً بأنّ غموض أهداف الحرب النهائية، واتساع رقعتها الجغرافية ونطاقها التدميري، قد يدفعان باتجاه إطالة أمدها، وربّما التأثير سلبياً في شعبية الرئيس ترامب والحزب الجمهوري عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

إحجام أغلب القوى الدولية عن لعب أدوار الوساطة في هذه الحرب، ربّما بسبب تقديراتها لعدم نضوج ظروف تهدئة الحرب أو إنهائها تماماً

تتعلّق الملاحظة الثانية بالأبعاد الدولية للحرب، خصوصاً ما يتعلّق بالمواقف الصينية والأوروبية والروسية التي تكشف، على تفاوتها، قيودَ المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الإقليمي والدولي، في ظلّ خشية أغلب الدول من تبعات التحدّي الصريح لسياسات واشنطن، والمزاج المتقلّب للرئيس ترامب، وهذا ما يفسّر مواقف فرنسا وبريطانيا وألمانيا التي عادت إلى ما يشبه “الاصطفاف” خلف مواقف واشنطن، والسماح لها باستخدام القواعد العسكرية على أراضيها، بالتوازي مع انتهاج سياسة “التحوّط الاستراتيجي” وعدم الانخراط المباشر في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكذا تبرز “المقاربة الصينية الحذرة”، وحرصها على العلاقات الاقتصادية – النفطية مع إيران ودول الخليج، بغض النظر عن مآلات النظام السياسي في طهران، حتى لا تخسر علاقاتها مع أيّ نظام قد يخلفه، بالتوازي مع تشديد خطاب الدبلوماسية الصينية على وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، لتجنّب تأثيرها في إمدادات النفط؛ إذ يبدو تفضيل الصين مصالحها الاقتصادية وتنويع مصادر طاقتها (عبر اللجوء إلى دول آسيا الوسطى) على توظيف الحرب لفرض توازنات مختلفة على واشنطن، وتكريس دور بكين في معادلات الأمن العالمي والإقليمي.

من جانب آخر، تتجلّى أمام موسكو فرصةٌ لكسر عزلتها الدولية وإعادة تصدير نفطها إلى الصين والهند، لا سيّما بعد الاضطراب في الإمدادات الإيرانية والخليجية، وتصاعد التوتّرات الجيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز، ناهيك عن احتمال انصراف أنظار العالم، ولو مؤقتاً، عن أزمة أوكرانيا، التي تتداخل بشدّة مع حرب إيران، خصوصاً في مسألة دور “الطائرات المسيّرة” في المعركة، وحرص كييف على عرقلة أيّ تسوية تتنازل فيها عن إقليم دونباس لمصلحة روسيا. ومن المحتمل أن يؤدّي تفاعل هذه المواقف الدولية إلى ثلاث نتائج؛ أولاها تصاعد حدّة الاصطفافات/ الاستقطابات في حرب إيران، ما يعني احتمال إطالة أمدها وانخراط أطراف أكثر فيها، خصوصاً إذا انحازت أطراف أخرى (مثل الهند وروسيا) لأحد الطرفَين الأميركي والإيراني. وثانيتها تضاؤل فرص قيام القوى الدولية بجهود وساطة بين واشنطن وطهران، ما يزيد فرص القوى الإقليمية، سيّما تركيا وباكستان ومصر، بحكم توازن موقفها من الحرب والتمتّع بثقة الطرفَين المباشرين فيها الأميركي والإيراني. وثالثها بروز خطابات “قوى متوسّطة”، مثل إسبانيا، في التأكيد على ضرورة احترام قواعد الشرعية الدولية، كما تجلّى في تصريح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (4/3/2026)، حول رفضه حرب إيران، رغم التهديدات الأميركية بفرض عقوبات على بلاده، ورفض مدريد تكرار أخطاء الماضي في حرب العراق، و”عدم إمكانية حلّ المشكلات الدولية عبر القنابل والحروب، وأنّ الحلّ الحقيقي يكمن في الحلول السياسية والدبلوماسية واحترام القانون الدولي”.

تتعلّق الملاحظة الثالثة بالأبعاد الإقليمية للحرب، التي تضيف حتماً عوامل تُعزّز محرّكات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، بالتوازي مع استمرار المعضلة الأمنية (Security Dilemma)، في نظام إقليمي يتّسم بالتنافس الشديد، والتشابكات المعقّدة مع النظام الدولي، خصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الدولي والإقليمي.

تتجلّى أمام موسكو فرصة لكسر عزلتها وإعادة تصدير نفطها إلى الصين والهند

وعلى الرغم من أنّ قرار إنهاء الحرب هو بيد الرئيس ترامب، يمكن أن تسهم ضغوط الأطراف غير المباشرة في الحرب (دول الخليج، تركيا، باكستان، مصر) في إعادة واشنطن إلى سياسة أكثر توازناً، بدلاً من اختزال كلّ شيء في المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، على نحو يؤدّي إلى إطالة المعركة مع إيران، بسبب تمادي إسرائيل في توظيف هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتوظيف ضعف ردّات فعله على “تغوّلها” في المنطقة برمّتها.

وإذ تتسارع عجلة الحرب في إيران والخليج والإقليم، فمن نافل القول إنّ العلاقات الخليجية الإيرانية، لا سيّما السعودية الإيرانية، قد انحدرت إلى “حضيض سحيق” بسبب أخطاء استراتيجية الأمن القومي الإيراني التي استهدفت دول الخليج كلّها، بما فيها عُمان وقطر، الوسيطان الأساسيان في الصراع الأميركي الإيراني، من دون تقدير لتصاعد الغضب الخليجي والعربي من تصدير طهران صراعها مع واشنطن إلى دول الخليج التي تمثّل إحدى البوابات المهمّة لإيجاد مخرج من هذه الحرب المجنونة، نتيجة تحوّل الصراع الإسرائيلي الإيراني على مكانة القوة الإقليمية الأولى إلى “نزاع صفري” (Zero-Sum Game).

وبناءً عليه، يسير إقليم الشرق الأوسط حثيثاً نحو مرحلة من “التعقيد الشديد”، لعدّة أسباب؛ أوّلها احتدام الصراع الإيراني الأميركي (بتحريض إسرائيلي واضح). وثانيها تصاعد/ تداخل أدوار قوى إقليمية من خارج الإقليم (الهند، باكستان، إندونيسيا، أذربيجان، إثيوبيا… إلخ). وثالثها احتمال تراجع دورَي الفاعلين الإيراني والإسرائيلي، في المديين المنظور والمتوسّط، على نحو يطرح سؤالاً جوهرياً عن القوى الإقليمية والدولية التي يمكنها توظيف هذا التراجع (روسيا، الصين، إسبانيا، تركيا، الهند، باكستان… إلخ). ورابعها زيادة التشابك في مسارح الصراعات الدولية والإقليمية، نتيجة تصاعد الصراع بين السياسات الأميركية والإسرائيلية والأوروبية من جهة، وبين السياسات الروسية والإيرانية من جهة أخرى؛ ما يعني عملياً صعوبة الفصل بين تسوية أيّ من هذه الصراعات بمعزل عن الأخرى، بسبب تداخلها لتشكّل ساحة جيوسياسية واحدة، كما يتجلّى في “العجز الإقليمي” عن وقف حرب إبادة غزّة، الذي شجّع على تغوّل إسرائيل على منطقة المشرق العربي، خصوصاً سورية ولبنان، وأدّى في المحصّلة إلى تصاعد الصراع في البحر الأحمر، والانخراط اليمني/ الحوثي في مساندة الشعب الفلسطيني المحاصر… إلخ.

 تصعيد الحرب على إيران وطول مدّتها سيؤدّيان إلى تصاعد دور الحرس الثوري وتحكّمه بمفاصل القرار

تتعلّق الملاحظة الرابعة بتعقيدات البعد الداخلي الإيراني؛ إذ تقترب طهران من خوض “صراع وجودي” بعد اغتيال علي خامنئي، وذلك على الرغم من أنّ إيران تسعى إلى كسر التوافق الأميركي الإسرائيلي، وسحب موقف واشنطن بعيداً عن رغبة نتنياهو في “صراع صفري” مع النظام الإيراني، تمهيداً لإسقاطه في نهاية المطاف، كما سلف القول. والحقّ أن تصعيد الحرب على إيران وطول مدّتها سيؤدّيان إلى نتيجتَين؛ إحداهما تصاعد دور الحرس الثوري، وتحكّمه بمفاصل القرار الاستراتيجي، كما يكشف تصريح الناطق باسم الحرس الثوري علي محمّد نائيني (8/3/2026) إن القوات المسلّحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على مواصلة حرب ضارية مدّة ستّة أشهر على الأقلّ بالوتيرة الحالية للعمليات ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل. والأخرى تآكل الواجهة السياسية للبلاد (لمصلحة الحرس الثوري)، ما يؤكّد ارتباك القرار الاستراتيجي الإيراني، على نحو ما ظهر في استهداف أراضي الوسيطين العُماني والقطري، كما ذكر آنفاً، بغية رفع الكلفة الاستراتيجية على واشنطن ودفعها لطلب وقف الحرب، بدلاً من توجّهها نحو مغامرات أكبر (مثل التوغّل الأميركي البرّي، أو توظيف ورقة أكراد إيران لتسريع تفكّك الدولة، أو تحريك الشارع الإيراني ضدّ النظام… إلخ).

إجمالاً لما تقدّم، تظلّ تداعيات الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مفتوحةً على سيناريوهات مختلفة، لأنّها تشكّل “نقطة فاصلة” في تاريخ المنطقة والعالم، في ظلّ ثلاثة أمور متداخلة: أوّلها تصاعد أخطار تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي على الخليج والإقليم والعالم. ثانيها تضخيم تل أبيب لتوقّعاتها بشأن آفاق التطبيع الإقليمي معها، خصوصاً بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إسرائيل (25 و26 فبراير/ شباط 2026)، وعودة إسرائيل للحديث عن تحالفها مع اليونان وقبرص. وثالثها وجود فرصة أمام إقليم الشرق الأوسط، في حال “تماسكه” وتطوير قدرته على الضغط على واشنطن، لوقف هذه الحرب الضروس، وصولاً إلى بلورة “ائتلاف عالمي” يتعامل مع تصاعد تحدّيات سياسات المحور الأميركي الإسرائيلي في فلسطين والإقليم، على نحو يُعيد الاعتبار إلى قواعد القانون الدولي، ويُعظّم إمكانية الوساطات الدولية والإقليمية، لإعادة لغة الحوار والدبلوماسية، بغية التصدّي لغياب نمط صنع القرار الرشيد العقلاني، وتصاعد الأبعاد المسيانية الغيبية، وأوهام “النصر المطلق” لدى كلّ من ترامب ونتنياهو، التي تؤدّي في المحصّلة إلى “اتساع الخرق على الراتق”، وبلوغ نقطة “اللا عودة”، في سيناريو “الفوضى الإقليمية الشاملة” التي ستأكل الأخضر واليابس في المنطقة والعالم بأسره.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى