
منذ فشل انقلاب جينادي يانييف نائب الرئيس السوفييتي، ومجموعة من كبار المسئولين السوفيت ضد ميخائيل جورباتشوف في أغسطس 1991، وذلك لوقف تفكك الاتحاد السوفيتي، ومقاومة بوريس يلتسين له . مذاك حدث تحول نوعي في العلاقة بين زمن الحدث وزمن الصورة، وذلك من خلال الدور الذي لعبته احدى القنوات الفضائية الأمريكية، في نقل وقائع الانقلاب، وبات زمن الحدث هو زمن الصورة، على نحو أثر على مسارات الأنتفاضات والانقلابات، والحروب التي باتت عملياتها العسكرية تجري في ميادين القتال، بالصواريخ والمدرعات، وأنظمة الدفاع الجوي وعمليات القصف بالطائرات، والمسيرات تجري، ومعها الفضائيات تتابع بعض ما يحدث من دمار في الأبنية المدنية، والمصانع، والمدارس، والمستشفيات، ودور العبادة، ومن ثم بات المشاهدين في عالمنا، أطرافا فاعلة فيما يجري ، وذلك في تلقي الصور، والمشاهد، والفيديوهات، لاسيما مع الثورة الرقمية، وفضاءات وسائل التواصل الاجتماعي. كان فعل المشاهدة جزءا من عمليات استهلاك الصور والفيديوهات في التلفازات، والقنوات الفضائية -في غالبُ لغات عالمنا المتعددة-، ومع الثورة الرقمية باتت الجموع الرقمية الغفيرة طرفا فاعلًا في استهلاك وتوزيع الصور والفيديوهات الطلقة، والمنشورات، والتغريدات على كافة المواقع الرقمية ، ولا يقتصر دور بعض الجموع الرقمية الغفيرة على استهلاك المادة التي يتم بثها في القنوات القضائية، وإنما في نشر الأخبار، والأكاذيب السوداء، وإنما اختلاق وقائع لم تحدث، أو وقائع تحاول السلطات الحاكمة حجبها، حفاظاً على صورتها الدولية أثناء الحرب، وللتماسك الوطني إزاء الأطراف / الطرف المعادي، خاصة تلك التي تم التقاطها من مواقع القصف بالصواريخ، والمسيرات، والمضادات الأرضية، على نحو ما حدث ولا يزال في حرب روسيا، وأوكرانيا، والإبادة الجماعية للمدنيين في قطاع غزة، والاغتيالات الإسرائيلية لقيادات حماس، والجهاد الإسلامين في القطاع ولبنان، وأيضا في اغتيالات قادة حزب الله -ثلاثة مستويات قيادية-، وفي اغتيالات القادة الإيرانيين الدينيين والعسكريين ، والعلماء في إيران، ومعهم وقبلهم الولايات المتحدة الأمريكية، في مسارات الحرب العدوانية على إيران.
بات بعض النشطاء الرقميين، وغيرهم في الدول النفطية العربية الست، والعراق، ولبنان طرفًا فاعلاً في رصد العمليات، وآثارها، والأهم المشاركة بالرأي، والأكاذيب، من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي، في المسارات الإعلامية الرقمية للحرب.
لا تقتصر مشاركة بعض الجموع الرقمية في التفاعل السلبي أو الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في انكشاف مستويات الوعي، وتراكمات الصور النمطية، وبعض من موروث المواقف السلبية تجاه سياسات إسرائيل، والولايات المتحدة، إزاء العالم العربي، والأخطر بين بعضهم في الشعوب العربية إزاء بعضهم بعضا، من تاريخ مراحل حركات التحرر الوطني، وما بعدها ونشأة الدول الوطنية الهشة، ومجتمعاتها الإنقسامية في منطقة الخليج، والمشرق العربي على نحو ما حدث ولا يزال، من بعض الكتاب، ورجال السلطات العائلية الحاكمة والتابعين لهم في منطقة الخليج، تحت وقع حرب تمت دون معرفة منهم ضد إيران، وإزاء الضربات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ الباليستية ضد مواقع القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية، والتركية في هذه البلدان، وأهداف أخرى.
بعض الآراء والانطباعات السريعة والمكثفة والانطباعية كاشفة عن توترات مسبقة ظاهرة وضمنية، إزاء عدم مشاركة بعض البلدان العربية -ومنها مصر أساسا- وانخراطها في الحرب الدائرة عسكريا – رغم ادانتها للحرب والعمليات الإيرانية ضد دول الخليج ، ودورها مع تركيا وباكستان كأطراف وسيطة بين الولايات المتحدة وايران – دفاعًا عن هذه البلدان التي تمتلك ترسانات من الأسلحة التي تم دفع مئات المليارات من الدولارات ولايزالون ، ولم تستخدم، بل وتحولت القواعد العسكرية إلى مراكز للهجوم على إيران، بديلاً عن وظيفتها في حماية البلدان الخليجية. مماسبق يبدو أن أحد أخطر مألات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعد أن تسكت المسيرات والصواريخ الباليستية، والقصف بالطائرات، والاغتيالات، ستدور دوائرها على الإدراك والوعي شبه الجمعي بين بعض الشرائح الاجتماعية في هذه البلدان الميسورة ، وبين بعضهم في دول العسر العربية، بل وبين بعض المكونات المذهبية الشيعية، والسنية في عالمنا العربين خاصة أن بشائرها ظهرت في الملاسنات، والتنباذات والسجالات السلبية على الصحافة والإعلام التقليدي، والحياة الرقمية. ظهرت اللغة العنيفة، وأحكام القيمة السلبية في المنشورات، والتغريدات، والصورة والفيديوهات المخلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والمحمولة على إشاعة الكراهية، من خلال بعض المفردات والصفات السوقية البذيئة.
ظاهرة السوقية والبذاءة اللغوية تجاه بعضهم إزاء شعوب دول العسر، ومشكلات الفقر، ليست جديدة، على الرغم من أنها لم تدرس سوسيولوجيا، في علاقات الدول بعضها بعضا، ومواقف بعض الشرائح الاجتماعية العربية تجاه بعضها بعضا، وذلك للقيود السلطوية على البحث الاجتماعي في دول اليسر، والعسر معًا، كي لا تسيئ نتائج هذه الدراسات السوسيو-ثقافية للعلاقات بين السلطات الحاكمة بعضها بعضا، حتي في ظل التوترات الظاهرة، أو المضمرة بين قادة هذه الدول.
على الرغم من غياب الدراسات الميدانية ، إلا أن بعض التوترات الشعبية، ليست جديدة، ويبدو بعضها في الأزمات البينية بين السلطات السياسية الحاكمة بعضها بعضًا، وتظهر في بعض البيانات السياسية، وفي الإعلام التقليدي في الصحف والمجلات، والتلفزات، والقنوات الفضائية . بعض الأزمات الكبرى، اظهرت بعض هذه الفجوات والتوترات مثل هزيمة 5 يونيو 1967، إلا أن الخطابات النقدية آنذاك ، كان بعضها يتسم بالجدية والموضوعية والرصانة، وبعضها اتسم بالشعاراتية الإيديولوجية الشائعة في تلك المرحلة .
تزايدت هذه الفجوات الشعبية مع النزاعات بين الدول المحافظة، وبين الأنظمة الراديكالية البعثية في العراق وسوريا، وبين مصر والدول العربية، بعد اتفاقية كامب ديفيد، وطردها من الجامعة العربية، وتبادل الخطابات السياسية الخشنة بين السادات، وبعض الزعامات العربية ، ومعها الصحافة وأجهزة الإعلام الرسمية والممولة في لبنان .
ثمة عديد الأسباب وراء ظاهرة السجالات الشعبية الخشنة على الحياة الرقمية بين بعض الجموع الرقمية الغفيرة، وأيضا على وسائل الإعلام التقليدي يمكن رصدها فيما يلى:
1- بعض الصور المشوهة في الذاكرة الجماعية داخل بعض الشرائح الاجتماعية الشعبية والنخبوية، كنتاج لتجربة الحياة بحثا عن الرزق في دول اليسر، أو السياحة والترفيه في بعض دول العسر، وتم استدعاءها في ظروف التوترات العربية الرسمية، وفي حالة الحرب في منطقة الخليج، وإيران من الولايات المتحدة وإسرائيل.
2- الصور النمطية والخبرات النائية المحمولة على ميراث الشفاهية الشعبية تجاه بعض الشعوب العربية إزاء بعضها بعضا.
3- ضعف بعض المعرفة والوعي التاريخي في الحدود الدنيا عن تاريخ الدول والمجتمعات العربية لاسيما في الخليج والمشرق العربي، وخاصة لدى المصريين، وغالب النخب المثقفة والسياسية.
4- في دول ما بعد الاستقلال في المشرق والخليج وشبه الجزيرة العربية، كان التركيز على تاريخ هذه المجتمعات من منظور العائلة أو النظام الحاكم، ومواقفه إزاء دول المنطقة الأخرى، والدرس السطحي في أنظمة التعليم عن المنطقة العربية ومكوناتها الداخلية، وثقافتها، ومشاكلها، وذلك لمنع التوترات في العلاقات مع أنظمة هذه البلدان.
5- الدور السلبي الذي تقوم به السلطات الإعلامية العربية التابعة والفضائيات الممولة نفطياً ، في أثناء النزاعات والتوترات السياسية بين دول اليسر، ودول العسر، وأيضا تجاه قضايا الإقليم، وخاصة بعد اتفاقيات إبراهام، وحرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وتدمر الحجر، والبشر ، والتنافسات بين بعض دول اليسر علي لعب أدوار إقليمية .
6- توظيف السلطات العربية الحاكمة للمذهبية الدينية السياسية السنية، تجاه المذهبية السياسية الشيعية تجاه إيران، وإزاء بعض المكونات الشيعية في دول اليسر، وفي المشرق العربي .
7- التناقضات بين الشعور القومي لدى المصريين -كدولة أمة -، وميراث الحركة القومية المصرية التاريخي، والثقافي-، وبين الشعور الديني والطائفي والمذهبي في مجتمعات عربية انقسامية ما دون الأمة.
8- بعض الشرائح المسيحية المصرية – تحت ضغوط عديدة وأنماط التعليم الديني واللاهوتي – ، لديها إدراكات شبه جماعية سلبية إزاء الفكرة العربية الجامعة، وهو اتجاه تزايد في ظل المد الإسلامي السياسي، وأيضا ما بعد انتفاضة يناير 2011، وظهور الدعوات إلى الكيميتية الشعاراتية الغامضة والسطحية واللا تاريخية.
9- ارتباط بعضهم في النخب السياسية في المشرق العربي ومصر، منذ ماقبل ومابعد ثورة عوائد النفط بمصالح مع بعض العائلات الحاكمة ، والمراكز الإعلامية والثقافية، والسياسية في دول اليسر العربية، ودفاع عديد من الإعلاميين، والكتاب، والفنانين عن هذه الأنظمة، على نحو شكل صور سلبية تجاههم، وإزاء سياسيات هذه الدول، لدي بعض المفكرين المستقلين، وعناصر ونشطاء من الأجيال منذ السبعينيات حتي جيل Z .
10- التغيرات الجيلية في البلدان العربية، أدت إلى تشكل مواقف سلبية لدى بعض أجيال Y، وZ، وآلفا ، ممن لم يعملوا وأسرهم في دول النفط ، وذلك تجاه الشعوب بعضها بعضا من خلال ما يطرح على الحياة الرقمية، وخاصة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، واتفاقات إبراهام وايضاً استقطاب جماعة الفنانين والموسيقيين ، والكتاب في الجوائز الخليجية .
11- بعض السلوكيات الاستعلائية من بعضهم في دول اليسر إزاء بعض العمالة العربية رقيقة الحال والتي ذهبت للعمل سعيا وراء الرزق.
12- بعض التوترات الظاهرة والمضمرة مع موجات الهجرة من دول الحروب الأهلية إلى دول مجاورة، وخاصة من الأجيال العربية الشابة التي نشأت على بعض التعليم الإسلامي السلطوي في السودان تجاه المصريين، أو من بعض مكونات الشعوب العربية تجاه الهجرة إلى دول عربية مجاورة، مثل السوريين في لبنان.
من ثم تبدو هذه التوترات الشعبية، مصدرا للخطر في العلاقات الشعبية، وبين السلطات الحاكمة في أعقاب نهاية الحرب الأمريكية الإسرائيلية إزاء إيران في ظل نزعة للتمدد الإسرائيلي الإمبراطورية، وإعادة تشكيل المنطقة، ومواقع القوة داخلها، وهو ما يحتاج إلى دراسات موضوعية، وسياسات إعلامية، وثقافية وتعليمية مختلفة لرأب الصدوع في العلاقات، وتجسيرها شعبياً، وسلطويًا.
المصدر: الأهرام






