
بين كتاب فلسطيني وآخر إسرائيلي عن حرب الإبادة، تصدّر كتاب “الرهينة” (الإسرائيلي) قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك (NYT Best Seller)، بينما توزّعت عشرات الإصدارات العربية عن غزّة خارج أيّ منظومة قياس أو دعم مؤسّسي واضح، ولا يتعلّق هذا الأمر بالمقارنة بين روايتَين، بل بالسؤال: من يملك أدوات الانتشار؟
تناول الكتاب الإسرائيلي مذكّرات أحد الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزّة، وحقّق مبيعاتٍ عاليةً بنسخته الإنكليزية على المستوى الدولي، كذلك بنسخته العبرية داخل دولة الاحتلال. وفي المقابل، صدرت عشرات، وربّما مئات، الكتب التي تناولت حرب الإبادة على غزّة، سواء باللغة العربية أو الإنكليزية وبعديد من اللغات، بعضها وجد له مكاناً بين قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، خصوصاً الصادرة باللغات الأجنبية، في حين لم تحظَ بذلك الكتب الصادرة بالعربية. يعكس هذا المشهد، كيف أصبحت غزّة مادّة للنشر، إضافة إلى عوامل أخرى عزّزت فرص ترجمة وانتشار مذكّرات الأسير الإسرائيلي (فهي كما كُتب عنها) تناولت يومياته وما فيها من جوانب إنسانية، عدا عن توقيت نشر الكتاب في أوائل حرب الإبادة. الجانب الإنساني يفوز حتى في الرواية الإسرائيلية، على الرغم من التعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية، وما يحدث في غزّة على وجه الخصوص؛ لقد احتضن العالم السردية الفلسطينية إنسانياً، لكنّ البنية العربية لم تُنتج منظومةً استراتيجيةً لنشرها.
ندرك جيّداً أنّ نسب مبيعات الكتاب الإسرائيلي لا تعكس تفوّقاً سردياً، لكنّها تعكس تفاوتاً مع البنية المؤسّسية العربية في النشر والترجمة. ومن تجربة شخصية، يغيب الدعم المؤسّسي العربي من الشهادات الفلسطينية، وحين يوجد يكون بأقلّ الإمكانات. ومثلما يجد الكتاب الإسرائيلي الحاضنة والدعم، كذلك يجد الكتاب الفلسطيني إذا كتب بلغات أجنبية دعماً غير محدود من المؤسّسات ودور النشر الغربية، بل إنّ إضافة كلمة “غزّة” إلى غلاف أيّ كتاب في إسبانيا على سبيل المثال كفيلة بانتشاره، وبأن يصبح الكاتب محاضراً زائراً يجوب إسبانيا وإيطاليا ودولاً أخرى مجاورةً للحديث عن غزّة وتجربة الإبادة. وهكذا، كان للعواصم الغربية نصيب كبير في احتضان وإطلاق وإنتاج القصّة الفلسطينية تحت الإبادة جزءاً من التضامن الشعبي العالمي.
النشر باللغات الأجنبية جزءٌ من ذاكرة مشتركة عن حرب الإبادة في غزة أُنتجت خارج حدود اللغة العربية
النشر باللغات الأجنبية جزءٌ من ذاكرة مشتركة عن الحرب أُنتجت خارج حدود اللغة العربية، ورغم أهميته إلا أنّه يستوقفني البحث في دور المؤسّسات الثقافية ودور النشر العربية في إنتاج رواية فلسطينية عربية، ودورها في توثيق حرب الإبادة، وتصدير هذا الإنتاج على نحو مدروس من خلال إبرام شراكات مع دور نشر غربية. السؤال المطروح، في معرض حديثنا عن الأمن الثقافي العربي: هل فقد حقّاً المشهد الثقافي العربي دوره في إنتاج سردية عن فلسطين؟
في السوق العربي لا توجد قوائم “الكتب الأكثر مبيعاً” كما في الغرب، وهذا مؤشّرٌ على غياب نظام عربي موحّد لقياس المبيعات، وبالتالي غياب أدوات التخطيط الثقافي، وطبعاً لا يمكن الحديث عن أمن ثقافي بلا بيانات. المعلومات عن نسب البيع لا تعتبر مقياساً علمياً يمكن البناء عليه، وتتعلّق بتسجيل بعض معارض الكتب حركة البيع فيها، مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب حيث حقّقت هيئة قصور الثقافة أعلى المبيعات في عام 2024، وتناولت كتبها موضوعات الثقافة والفنون والتراث والفلسفة، وفي دورة 2025 كان الإقبال كبيراً على كتب وزارة الثقافة المصرية، ومعظمها يتعلّق بالتاريخ والمعرفة، إضافة إلى الإقبال على العناوين المترجمة، ما يعكس اهتمامات الجمهور العربي. في حين لم تنشر معارض الكتب الكبرى الأخرى معطيات عن مبيعات الكتب، لكنّ هناك تقارير صحافية تشير إلى أنّ الروايات، وكتب تطوير الذات، هي من بين أكثر مبيعات دار الشرق في معرضي الدوحة للكتاب لعام 2025.
وفيما يتعلّق بالإصدارات العربية المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، تناولت حرب الإبادة عبر مذكّرات وشهادات من داخل غزّة وبعض الدراسات التاريخية والسياسية، في حين قلّ إصدار الكتب والدراسات التوثيقية والتحليلية عن الحرب، وتركّز هذا الدور على دُور نشر ومؤسّسات فلسطينية خارج فلسطين، بل هناك شهادات صدرت عن غزّة بالإنكليزية تُرجمت ودخلت الأسواق العربية على عكس المتوقّع والمطلوب، وهذا يفيد بأنّ المنتِج الأجنبي هو الذي يصدِّر الرواية الفلسطينية وليس العكس. لا ضير في ذلك، لكن يجب أن تكون الأسبقية والأولوية للناشر والمؤسّسة الفلسطينية والعربية.
أهمية القضية الفلسطينية أساساً للأمن القومي العربي أمر بات دامغاً في الأكاديميا والسرديات العربية
لقد بدا أدب الشهادة من داخل الحدث واضحاً في النشر العربي، وهذا يحوّل الكتابة إلى شكل من التوثيق وتعزيز الهُويّة والوجود في مواجهة المحو، عدا عن أنّ وجود قراءات في القضية الفلسطينية، وتأطيرها ضمن إطار أوسع يشمل الأبعاد القانونية للإبادة مثلاً، أو تحوّلات الصراع بعد “7 أكتوبر” (2023)، هذا كلّه يعكس محاولةً عربيةً لوضع القضية الفلسطينية ضمن سياق أوسع مرتبط بالأحداث التاريخية والقضايا الإقليمية والتحوّلات الدولية. قد يحتاج البحث في العناوين العربية للكتب ومدى ارتباط مضامينها بالإبادة، وبالقضية الفلسطينية إجمالاً، إلى عمق، لكنّ الثابت أنّ الجهود البحثية والتوثيقية تركّزت فلسطينياً، وبدت واضحةً أيضاً، في الإنتاج العالمي أكثر من الجهد العربي الذي يحتاج إلى أن يطوّر النشر ويوسّعه عبر الترجمة وتصدير إنتاجه إلى دول العالم.
أهمية القضية الفلسطينية أساساً للأمن القومي العربي أمر بات دامغاً في الأكاديميا والسرديات العربية، إلا أنّ هذا الأمن لا يشمل الجانب العسكري بالتأكيد، فهو يشمل جوانب ثقافية وحضارية تتعلّق ببقاء المجتمع وقيمه وهُويّته وتماسكه، وتتعلّق بوجودنا، وهذا يتطلّب سياسات إعلامية وثقافية تعزّز هذه القيم، وهذه الهُويّة الجمعية العربية، بما فيها من ثقافة ومعارف وتراث، لتبقى دائماً على قدر من الوعي والاستعداد لمواجهة التحدّيات الخارجية والثقافات الأجنبية. فمركزية القضية الفلسطينية جعلتها أكثر الاختبارات الحقيقية لمفهوم الأمن القومي العربي، فهي جوهر هذا المفهوم، لا سيّما في مواجهة الاحتلال والاستيطان، اللذين يشكّلان تهديداً استراتيجياً لهذا الأمن، ويتطلّب رؤيةً جماعيةً مشتركةً وضمان احتضان البُعد الحضاري والرمزي الذي يمثّله الفلسطينيون داخل الأمّة العربية، بدلاً من محاولات عزلهم، وتفكيك أحد أركان الهُويّة العربية المشتركة.
يشمل الأمن القومي العربي جوانب ثقافية وحضارية تتعلّق ببقاء المجتمع وقيمه وهُويّته
فلسطين ليست مجرّد أرض أو قضية سياسية فقط، بل تراث، ولغة، وموسيقى، ورواية، وذاكرة شعبية، وهي جزء من التراث الحضاري للمنطقة العربية كلّها، وارتكاب الاحتلال الإسرائيلي الإبادة الثقافية في قطاع غزّة، واستهدافه الهُويّة والتراث الفلسطينيَّين، منذ النكبة، من خلال المجازر وتدمير قرى بأكملها، بما فيها من ذاكرة وتقاليد وعادات، ومصادرة المواقع الأثرية الفلسطينية… هذا كلّه يصبّ في محاولات الاحتلال تفكيك الرواية الفلسطينية الوطنية وتاريخ المكان وأصالته وجذوره. تتعارض هذه الممارسات الإسرائيلية والأمن القومي العربي، ومع التنشئة الثقافية، بما فيها من تعزيز للقيم واللغة والتاريخ، ومع السياسات الثقافية والفكرية لحماية المجتمع من الهيمنة الثقافية الغربية، ولتعزيز نشر المعرفة والإبداع، ليظلّ المجتمع منتجاً وحاضراً، وبقوة، لمواجهة التحدّيات الخارجية.
ومن دون الانتقاص من الجهد العربي الحالي في دعم الثقافة الفلسطينية، المطلوب سياسات عربية ثقافية بعيدة عن الحسابات السياسية الضيّقة، منها سياسات مبنية على قوائم عربية موحّدة لقياس مبيعات الكتب وتوجّهات الجمهور العربي، لأهمية هذا في رسم السياسات الثقافية عدا عن دور المكتبة الوطنية الفلسطينية في جمع الإصدارات العربية والأجنبية التي تناولت القضية الفلسطينية، والمطلوب أيضاً رؤيةٌ موحّدةٌ للجهود التوثيقية والبحثية وتوجّهات الإنتاج الثقافي، بما يجعلنا قادرين على مواجهة سياسة المحو الثقافي من الاحتلال الإسرائيلي للتراث والهُويّة الفلسطينية، وهذا يعني أنّ القومية العربية يجب أن تقدّم الدعم أيضاً للمؤسّسات البحثية والإعلامية والأكاديمية الفلسطينية، وأن تساهم في تمويل المشاريع الثقافية والفنّية الفلسطينية، وفي حماية الموروث الثقافي الفلسطيني، وأن تكون الأمّة العربية، عبر مؤسّساتها، سنداً فعلياً للثقافة الفلسطينية.
الأمن القومي العربي يتحقّق بإنتاج المعرفة، وأرشفة الرواية، وتمويل الترجمة العكسية لها من العربية إلى اللغات العالمية، وحماية اللغة العربية الناقلة لهذه السردية.
المصدر: العربي الجديد






