من الرغيف إلى أسطوانة الغاز.. ضغط معيشي متصاعد في إدلب خلال رمضان

عبد الغني العريان

مع حلول شهر رمضان 2026، تشهد مدينة إدلب ازدحاما ملحوظا أمام الأفران ومراكز توزيع الغاز، في مشهد بات يتكرر يوميًا مع ساعات الصباح الأولى وخلال فترات النهار.
ويأتي ذلك في ظل شكاوى من تراجع جودة الخبز، ومحدودية الكميات المطروحة، إلى جانب اعتماد الدفع بالليرة السورية داخل الأفران، رغم أن التداول السائد في المدينة يعتمد منذ سنوات على الليرة التركية.
وتتزامن هذه التطورات مع زيادة الطلب المعتادة خلال الشهر الفضيل، ما أدى إلى عودة الطوابير أمام المواد الأساسية، وسط تباين في الآراء حول أسباب الأزمة بين اختناقات في التوزيع، وإجراءات تنظيمية جديدة، وضغوط موسمية مرتبطة بارتفاع الاستهلاك.

خبز بجودة سيئة
ولم تكن طوابير الخبز وحدها ما أثار غضب الأهالي، بل نوعية الخبز ذاته، الرغيف الذي يُفترض أن يكون المادة الأكثر استقرارًا في حياة السوريين، بات سريع التفكك، متغير الطعم، ومحروق الأطراف أو عجينًا في داخله، في رمضان، حيث يرتفع الاستهلاك اليومي، تتضاعف الشكوى، ويتحول الخبز إلى عبء إضافي بدل أن يكون عنصر أمان غذائي.
يقول محمد عدنان (45 عاما)، من ريف إدلب لـ موقع تلفزيون سوريا: “نقف ساعة أو أكثر للحصول على ثلاث ربطات فقط، ثم نعود إلى المنزل لنكتشف أن نصفها لا يصلح للاستهلاك، الرغيف يتفتت بمجرد لمسه، وإذا تُرك ساعة واحدة في المطبخ يفقد طراوته بالكامل”.
ويضيف: “نحن لا نطلب رفاهية، بل خبزًا، والمشكلة لا تتعلق بالطحين وحده، بل بغياب رقابة حقيقية على مراحل الإنتاج، من نوعية الدقيق إلى آلية الخَبز والتخزين، في رمضان، تعتمد العائلات على الخبز في كل وجبة تقريبًا، وعندما يصبح غير صالح، فهذا يعني زيادة الهدر أو اضطرارنا لشراء بدائل أعلى ثمنًا”.
إلى جانب الجودة، برز عامل جديد زاد الاحتقان؛ بحيث فرض على الأفران الدفع بالليرة السورية حصراً، إدلب التي تتعامل منذ سنوات بالليرة التركية، وجدت نفسها أمام عملة غير متوفرة بسهولة.
يشرح أبو أحمد، صاحب أحد الأفران في ريف إدلب، موقفه بالقول: “التعليمات التي وصلتنا تلزمنا بقبض ثمن الخبز بالليرة السورية الجديدة، بحجة تنظيم الدعم وضبط الحسابات، لكن الواقع مختلف؛ هذه العملة غير متوفرة بكثرة في إدلب، ومعظم الناس يتقاضون أجورهم أو يديرون تجارتهم بالليرة التركية والدولار الأميركي، وما يحدث أن المواطن يضطر للبحث عن صراف ليحوّل عملته، فيدفع عمولة إضافية، أو يؤجل شراء الخبز”.
ويضيف؛ “نحن كأصحاب أفران عالقون بين التعليمات والواقع النقدي في السوق، إذا قبلنا بالليرة التركية نخالف القرار، وإذا التزمنا به نخسر رضا الناس، الأزمة هنا ليست تقنية، بل نتيجة غياب مواءمة بين القرار والبيئة الاقتصادية المحلية”.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، محمود إسماعيل، أن أزمة الخبز في إدلب تكشف خللًا أعمق: “عندما تتزامن ثلاثة عوامل رداءة الجودة، محدودية الكميات، وإرباك في وسيلة الدفع فإننا لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن خلل في منظومة الإدارة”.
ويضيف: “الخبز سلعة ذات حساسية اجتماعية عالية، وأي مساس باستقرارها ينعكس فورًا في الشارع، وفرض عملة غير متداولة بكثرة يخلق سوقًا موازية للصرف، ويضيف كلفة خفية على المستهلك”.
ويتابع: “أما تراجع الجودة، فيرتبط غالبًا بتقليل التكاليف أو ضعف الرقابة، في رمضان، حيث يزداد الطلب، تتكشّف هذه الاختلالات بوضوح أكبر، والمطلوب ليس زيادة الكميات فقط، بل إعادة ضبط معايير الجودة، وتوحيد آلية الدفع بما ينسجم مع واقع السوق، وإلا ستبقى الطوابير عنوان المرحلة”.

غاز مفقود
إذا كان الخبز يُنتظر مع الفجر، فإن الغاز يُلاحق طوال اليوم؛ الأهالي يتحرون عبر مجموعات إلكترونية عن موعد وصول سيارة التوزيع، ثم يقفون في طابور قد يمتد لساعات، من دون ضمان الحصول على أسطوانة.
وفي رمضان، ترتفع الحاجة للغاز للطهي اليومي المكثف، ومع غيابه، تضطر عائلات إلى استخدام سخانات كهربائية أو بدائل مكلفة.
وليد، صاحب محل تجاري في سوق إدلب، يصف تجربته لـ موقع تلفزيون سوريا قائلاً: “أغلق محلي لساعتين أو ثلاث لأحجز دورًا في طابور الغاز، وأحيانًا أصل مبكرًا فأكون الرقم خمسين أو ستين، وأحيانًا تنفد الكمية قبل أن يصل دوري، والمشكلة ليست في السعر فقط، بل في عدم اليقين، لا يوجد جدول ثابت للتوزيع، ولا آلية واضحة تضمن وصول الأسطوانة لكل بيت خلال فترة محددة”.
ويضيف: “في رمضان، الاستهلاك يتضاعف، ولا يمكن تأجيل الطهي أو الاعتماد على بدائل بشكل دائم، كل ساعة أقضيها في الطابور تعني خسارة في عملي، أي إن كلفة الأسطوانة لا تقف عند سعرها الرسمي، بل تمتد إلى خسائر غير مباشرة”.
أما السيدة أم هناء (50 عامًا)، وهي أرملة تعيش مع أبنائها، فتتحدث عن أثر غياب “البسطات” العشوائية التي كانت تؤمن الخدمة داخل الأحياء، مشيرةً إلى أن تلك النقاط، رغم مخالفتها، كانت تشكل متنفسًا للأسر التي لا تملك وسائط نقل.
وقالت إن استبدال الأسطوانة كان يتم سابقًا من بسطة قريبة، وكان صاحبها يوصلها إلى المنزل مقابل مبلغ بسيط، وهو ما كان يخفف عنها مشقة الحمل والتنقل. وأضافت أن اختفاء هذه البسطات حرم كثيرًا من النساء، خاصة الأرامل وكبيرات السن، من وسيلة سهلة وآمنة للحصول على الغاز.
وأوضحت أن البائعين الجوالين كانوا يمرون في بعض الأحياء ويعلنون عن توفر الأسطوانات، ما كان يختصر الوقت والجهد، أما اليوم فباتت مضطرة لطلب مساعدة أحد الجيران لنقل الأسطوانة من مركز بعيد، وقد تعود أحيانًا خالية اليدين بعد انتظار طويل.
وأكدت أن حاجتها للغاز تتضاعف في رمضان لإعداد وجبات يومية لعائلتها، في ظل غياب بدائل عملية، فالسخانات الكهربائية مكلفة.
وختمت بالقول إن الطابور بالنسبة لها لم يعد مجرد انتظار، بل تحول إلى عبء جسدي ونفسي يومي، معتبرة أن التنظيم الجديد لم يراعِ أوضاع النساء اللواتي يعشن دون معيل.

ضغط معيشي
تزامن طوابير الخبز والغاز في شهر واحد أعاد إلى الأذهان صورًا ظن كثيرون أنها أصبحت من الماضي، في مدينة لم تشهد طوابير بهذا الشكل سابقًا، يبدو المشهد صادمًا، خصوصًا في رمضان الذي يفترض أن يكون شهر تيسير لا شهر أزمات.
يقول الشاب محمد عدنان، معلقًا على المشهد العام:
“نقف صباحًا للخبز، وبعد الظهر للغاز، وفي المساء نبحث عن عملة سورية جديدة لندفع ثمن الرغيف، المسألة لم تعد مجرد أزمة مادة، بل أزمة إدارة ومعيشة متكاملة، دخل الأسرة ثابت أو متراجع، بينما تتزايد التكاليف الخفية: أجرة نقل، عمولة صرافة، وقت ضائع في الطوابير”.
أما الخبيرالاقتصادي محمود اسماعيل، فيحذر من الأثر  طويل المدى لهذه الأزمات: “الطوابير ليست مجرد مشهد بصري، بل مؤشر على اختلال التوازن بين العرض والطلب، عندما يشعر المواطن أن الوصول إلى الأساسيات يتطلب جهدًا يوميًا مضاعفًا، تتآكل ثقته بالمنظومة الاقتصادية”.
ويضيف؛ “في إدلب، التي اعتمدت لسنوات على الليرة التركية واستقرت نسبيًا في هذا الإطار، فإن إدخال عملة جديدة دون تأمينها بكميات كافية يخلق ارتباكًا إضافيًا وإذا استمر تراجع جودة الخبز وتذبذب توريد الغاز، فإننا أمام ضغط معيشي قد يتجاوز حدود الشهر الفضيل”.
من جهته، يرى “أبوفراس” أحد الناشطين المحليين أن الحل يبدأ بالشفافية: “المطلوب إعلان جداول توزيع واضحة للغاز، وضمان وصول كميات عادلة لكل حي، وإعادة النظر في آلية الدفع داخل الأفران بما يراعي واقع التداول النقدي في إدلب، كما يجب تشديد الرقابة على جودة الخبز، لأن الدعم بلا جودة يفقد معناه”.
وبين رغيف يتفتت سريعًا، وأسطوانة يصعب الحصول عليها، تقف إدلب في رمضان 2026 أمام اختبار معيشي جديد؛ الطوابير التي لم تعرفها المدينة من قبل، أصبحت عنوان يومها، فيما يبقى السؤال مفتوحًا: هل هي أزمة عابرة في شهر ذي طلب مرتفع، أم مؤشر على تحولات أعمق في إدارة المواد الأساسية؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى