
في حياتي كلها، كنت أؤمن أن العالم ينقسم إلى قسمين: قسم يأكل البرغل والثريد ومصكعة الباذنجان… وقسم ضالٌّ يأكل أشياء تشبه الطُعم الذي نرميه للسمك.
كنت من القسم الأول. إنسانٌ واضحٌ كصحن مجدّرة. صادقٌ كقدر فاصولياء يغلي على نار هادئة.
أيام الدراسة، لم أكن أملك رفاهية الفلسفة الغذائية. كنت أؤمن بالطبخات التي تُنجَز في ربع ساعة، مثل “الجزمز” — ذلك الكائن الغامض الذي لا يعرف أحد مكوّناته بالضبط، لكنه يظهر فجأة حين يجتمع البيض والبصل والبطاطا في لحظة يأسٍ قومي.
ثم تغرّبت. دخلت مطاعم فاخرة، فيها كراسٍ تجلس عليها كأنك متهم ينتظر الحكم. ويوضع أمامك شوكة وسكين وملعقة وأداة حديدية رابعة لا أعرف إن كانت للأكل أم للدفاع عن النفس. ويضعون على حضنك قطعة قماش… كأنهم يتوقعون منك مجزرة صلصات.
كنت أشتاق إلى صحن يتكئ على الأرض بثقة، لا يحتاج إلى بروتوكول ولا إلى اجتماع مجلس أمن قبل تناوله. ثم أوصلتني الحياة إلى أحضان المنطقة القطبية. هناك، حيث البرد لا يحتاج إلى تأشيرة، وحيث الإنسان يتنفس فيتحول صوته إلى غيمة صغيرة.
تعرفتُ إلى امرأة جميلة وراقية، كانت تستقبل اللاجئين في محطات القطارات والباصات. تمد لهم الطعام بابتسامة تشبه شمسا صغيرة ضائعة في الثلج. كانت تؤمن بالإنسان. وأنا كنت أؤمن بالبرغل.
حين حصلتُ على تدريب لتدريس اللغة السويدية في الـ ABF، زارتني. نظرت إليّ بإعجابٍ وأنا أشرح القواعد، أحفظ الدرس كأنني أقاتل به، وأستعين بمتطوعين يشبهون ملائكة بدوامٍ جزئي. كنت أشعر لأول مرة أنني لست لاجئا فقط، بل جملةً صحيحة في لغةٍ صعبة.
ذات يوم قالت لي: لنذهب إلى لوليو. اسم المدينة بدا لي كأن أحدهم عطس في القطب الشمالي. ذهبنا. الثلج يلمع مثل ابتسامةٍ رسمية. وعند الظهيرة قالت بثقة إنسان يعرف مصيره: سندخل هذا المطعم… بوفيه مفتوح. بوفيه مفتوح! كأن الحياة قررت أخيرا أن تعوضني عن سنوات الجزمز. دخلنا. أطباق مصطفة كجنودٍ في استعراض. ألوان بحرية، وردية، خضراء… وأمامها لافتة صغيرة تقول: “Sushi”.
قالت بابتسامةٍ حنونة: يجب أن تجربه. إنه لذيذ، خاصة في المناطق الباردة. لم أفهم العلاقة بين البرد وسمكةٍ نيئة ملفوفة بأرز بارد، لكنني هززت رأسي كأنني أفهم الجغرافيا الغذائية. أمسكتُ القطعة بعيدان خشبية. عيدان! أنا الذي كنت أتناول الثريد بيدي بثقة تاريخية، أصبحت فجأة أتعلم مسك الطعام كأنني أجري عملية جراحية لسمكة صغيرة. وضعتها في فمي.
في تلك اللحظة… شعرت أن البحر بأكمله قرر أن ينتقم مني. ارتفع داخلي صوت موجٍ قديم، واكتشفت أن الأرز يمكن أن يكون بارداً كرسالة رفض لجوء. حاولت أن أبتسم. لكن وجهي كان يكتب وصيته.
قالت: أليس رائعا؟ أردت أن أقول: “اطلبي الإسعاف… البحر يحاول احتلال معدتي.” لكنني اكتفيت بهزة رأس تشبه بيانا دبلوماسيا بعد هزيمة.
هربتُ إلى شوربة السلمون والأرز. كانت دافئة… بشرية… تشبه هدنة بيني وبين الأسماك.
عدنا من لوليو. انتهت الرحلة. لكن السوشي بقي يسكنني كذكرى حزينة لسمكةٍ لم تُطهَ جيدا. ومنذ ذلك اليوم، كلما ذُكر السوشي، أشعر بوخزةٍ في معدتي تشبه حنينا معكوسا. حنينا إلى قدر الباذنجان، إلى الجزمز، إلى طبقٍ لا يحتاج إلى ترجمة.
اكتشفت أن الاندماج صعب… خصوصًا حين يبدأ من المعدة. فأنا قد أتعلم لغة جديدة، وأشرح قواعدها، وأصبح جملةً صحيحة في مجتمعٍ بارد .. لكنني، في أعماقي، سأبقى رجلاً يؤمن أن السمكة يجب أن تموت مرتين: مرة في البحر، ومرة في القدر.






