ثقافات سويدية

  عساف سلامة السلمان 

في السويد، يا أسعد، لا تُرفع القيم كشعارات، بل تُمارَس كأنها هواءٌ بارد يدخل الرئتين بلا ضجيج. كل شيء هنا له مكان… حتى التفاصيل الصغيرة التي كنا نمرّ بها بلا انتباه.

ثقافة الاعتذار، الخطأ لا يحتاج خطبة. كلمة واحدة تكفي: förlåt. مسؤول يعتذر… وربما، يغادر منصبه، الكرسي ليس شجرة زيتون متوارثة، بل مهمة مؤقتة. الاعتراف قوة، لا ضعف.
ثقافة الاستقلال ، الجار يبتسم، لكن لا يستعير مفكا ولا رفشا. ليس لأن الود مفقود، بل لأن الخصوصية قيمة عليا. كل بيت جزيرة صغيرة مكتفية. نحن الذين كان السكر يدور بين البيوت في صحنٍ مزخرف، نقف هنا متعجبين من هدوء الأبواب المغلقة.رثقافة العائلة ، يبلغ الابن سن الرشد، فيغادر البيت بلا مأساة. حياة مستقلة، قرارات شخصية، مسؤولية فردية. “كل شاة معلقة بكرعوبها” تتحول هنا إلى نظام حياة.
ثقافة الجسد ، الصحة واجب يومي. رياضة، سباحة، مشي في الغابات، دراجات في البرد. الجسد ليس مهمَلا، بل مشروع عناية مستمرة. حتى الشيخوخة تمشي بخطوات سريعة.
ثقافة المواعيد “دعني أرى الكالندر.” جملة تختصر احترام الوقت. الموعد ليس اقتراحًا، بل اتفاقا مُلزِما. الدقائق تُحسب، والتأخير يحتاج اعتذارا.
ثقافة الفيكاً ثم تأتي الفيكا… استراحة قهوة ليست مجرد قهوة. فنجان، قطعة كعك، حديث خفيف. استراحة محسوبة وسط نظام دقيق، دفء صغير في بردٍ طويل.
ثقافة الدواء الدواء ليس عادة، ولا المضاد الحيوي مسكّنا لكل رشح. لا يؤخذ إلا عند الضرورة، وبإشراف الطبيب. وما تبقى من الدواء يُعاد إلى الصيدلية، لا يُخزَّن، ولا يُوزَّع بنصيحة عائلية. الصحة هنا مسؤولية جماعية، والعلم فوق العادة.
ثقافة القمامة وحتى ما نرميه… له كرامته. البلاستيك في حاوية، الزجاج في أخرى، الكرتون، المعادن، بقايا الطعام… كل شيء في مكانه. الفرز ليس ترفا بيئيا، بل سلوك يومي يشبه غسل الأسنان.

تقف أمام الحاويات كأنك  أمام امتحان صغير في المواطنة: هل وضعت الشيء في مكانه الصحيح؟

نتذكر شرفاتٍ بعيدة، كانت الأكياس تُقذف منها بلا حساب، “نطوّطِحها”… ومن تقع على رأسه تقع. هنا، لا شيء يُرمى عبثا. حتى القمامة تدخل في نظامٍ دقيق، كأن المجتمع يقول: احترام البيئة احترامٌ للذات.

السويد، يا أسعد، بلد التفاصيل المنظّمة.

اعتذار بلا ضجيج، استقلال بلا قطيعة، عائلة بلا وصاية، جسد مُعتنى به، مواعيد محفوظة في كالندر، فيكا دافئة، دواء محسوب، وقمامة مفروزة بدقة. نحن أبناء الفوضى الدافئة، وهم أبناء النظام الهادئ. هناك… كانت الحياة أكثر عشوائية،
وأكثر صخبا، وأكثر دفئًا ربما. هنا… كل شيء في مكانه. حتى الخطأ، حتى الحبة، حتى القمامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى