
مع حرب “السيوف الحديدية” التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزّة، دخلت إسرائيل مرحلة الحرب المفتوحة، سواء ضد حزب الله في لبنان، على الرغم من التوصل إلى وقف إطلاق النار في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أو ضد حركة حماس في غزّة، على الرغم من وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسرائيل.
على مضضٍ، وافقت حكومة اليمين الإسرائيلية على إعلان وقف إطلاق النار وعلى خطّة ترامب ذات العشرين بنداً من أجل ترسيخ الاستقرار في القطاع وإعادة إعماره. وفي الوقت عينه، حصلت من الإدارة الأميركية على ضوء أخضر بالتصدّي بالقوة لأي مما تسميها انتهاكات من “حماس” للاتفاق، تماماً مثلما فعلت مع الاتفاق على وقف النار مع لبنان، بحيث إن الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان أو ضد ما تبقّى من قدرات عسكرية لـ”حماس” في القطاع لم تتوقف، بل تحوّلت إلى حرب مفتوحة تجري على نار منخفضة تحت ذرائع إسرائيلية مختلفة.
وبينما تمضي إدارة ترامب في مخطّطها في القطاع، وتتحدّث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، تؤكّد إسرائيل أن مثل هذا الانتقال من الصعب أن يحدث من دون نزع سلاح “حماس”، وهذا يبدو حالياً أمراً شبه مستحيل ضمن مدة المائة يوم التي اقترحها الوسيط الأميركي جاريد كوشنير، وفي ظل رفض “حماس” تسليم سلاحها، وعدم وجود طرف عربي أو دولي يمكن أن يقبل القيام بهذه المهمّة الشاقة.
حملة تشكيك إسرائيلية بقدرة الجيش اللبناني على تطبيق الخطّة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية بشأن حصرية السلاح في يد الدولة
ويسود عدم الاستقرار الأمني الحدود مع لبنان، إذ تشهد البلدات في جنوب لبنان، وفي سهل البقاع، عمليات اغتيال وخطف واعتداءات يومية بحجة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية. يترافق هذا مع حملة تشكيك إسرائيلية بقدرة الجيش اللبناني على تطبيق الخطّة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية بشأن حصرية السلاح في يد الدولة وبسط سيادتها على أراضيها كاملة، مع سياسة إسرائيلية علنية ومكشوفة لمنع انطلاق عملية إعادة الإعمار في بلدات الجنوب اللبناني.
ولا يختلف الوضع كثيراً على الحدود بين إسرائيل وسورية، إذ على الرغم من ضغوط إدارة ترامب على إسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاق أمني مع الحكم الجديد في دمشق، تشهد هذه الحدود أيضاً انتهاكات إسرائيلية مستمرّة بذرائع شتى، مثل منع تمركز تنظيمات جهادية بالقرب من الحدود الجنوبية، أو حماية الدروز في سورية، أو تدمير بنى تحتية ومخازن سلاح لقوات معادية لها، ويمكن أن تشكل خطراً عليها.
وهناك جبهة إيران التي لا تقل خطورة بالنسبة إلى إسرائيل عن الجبهات الأخرى. وعلى الرغم من بدء جولات التفاوض بين واشنطن وطهران، تدأب إسرائيل على إعداد الخطط العسكرية وتشكك بقوة في إمكانية نجاح العملية الدبلوماسية التي يقودها الرئيس ترامب، وتنتظر بصبر فشلها للعودة إلى سيناريوهات هدفها إسقاط النظام الإيراني، وليس فقط تدمير برنامجه النووي أو صواريخه الباليستية، والقضاء على أذرعه في المنطقة.
تعوّل حكومة اليمين برئاسة نتنياهو أساساً على الدعم اللامحدود للإدارة الأميركية
تدير حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية حروبها المفتوحة، في ظل وضع داخلي مأزوم، بسبب تداعيات الحرب على غزّة، وبدء الحملات الانتخابية للكنيست، التي من المفترض أن تجري في وقت ما من هذا العام. وفي ظل احتدام الجدل الداخلي بين موقف الحكومة الرافض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر (2023) وفئة عريضة من الجمهور مؤدّية إليها؛ وهناك الأزمة التي أثارتها دعوة الرئيس ترامب رئيس الدولة الإسرائيلي، حاييم هرتسوغ، لإصدار عفو رئاسي عن نتنياهو، ناهيك عن عدم حسم قانون إعفاء تلامذة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية الإلزامية، وتصاعد الجريمة في المجتمع العربي في إسرائيل الذي لا يمرّ يوم من دون وقوع ضحايا جدد للعصابات الإجرامية. بالطبع، ذلك كله في وضع اقتصادي إسرائيلي يعاني من تبعات الحرب على غزّة، والذي شهد تراجعاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، وانكماشاً وارتفاعاً في كلفة المعيشة، بالإضافة إلى هرب الاستثمارات الأجنبية وهجرة العقول.
في ظل وضع إسرائيل المأزوم اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، والإنهاك الذي تعانيه القوات النظامية والاحتياط في الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من عامين على الحرب على غزّة والحروب المفتوحة التي تلتها، تعوّل حكومة اليمين برئاسة نتنياهو أساساً على الدعم اللامحدود للإدارة الأميركية الحالية لها على كل الأصعدة، والتطابق شبه الكامل في وجهات النظر، وكل ما يقال عن فجوات في المواقف وخلافات في الرأي هو مجرّد ترهات، فالفوارق ليست في الجوهر، بل في المقاربة. الولايات المتحدة في ظل ترامب دولة عظمى تهوى الصفقات، وتعتقد أن في إمكانها حل نزاعات تاريخية مستمرّة منذ أكثر من مائة عام من منظور اقتصادي مادي ومصالح تجارية بحتة.
تعتقد إسرائيل أن هذه المقاربة ستصطدم، عاجلاً أم آجلاً، بالواقع الحقيقي، وكل الخطط الأميركية والمساعي الدبلوماسية ستبوء بالفشل، كما حدث مع غيرها، وستفقد الإدارة الأميركية اهتمامها بما يجري في المنطقة، وتتحوّل إلى ساحات أخرى، ويبقى الوضع على ما هو عليه حالياً، حرب مستمرّة في ظل ضم إسرائيلي زاحف في الضفة الغربية، ودمار وفوضى في قطاع غزّة، وعدم استقرار أمني في لبنان، وعدم اليقين في سورية. حينها تصبح جولة العنف المقبلة مسألة وقت.
المصدر: العربي الجديد


