
حسن الخطيب روائي سوري متميز ، قرأت له رواية رصاصة أخيرة وكتبت عنها.
أبناء التيه رواية حسن الخطيب التي اكتب عنها تعتمد أسلوب السرد بضمير المتكلم على لسان بطلة الرواية التي اسمها “سادسة من العائلة الخامسة عشرة”، وايضا على لسان الشخصيات التي تتابع السرد في متن الرواية.
تنقسم الرواية الى فصول متتابعة تكاد تكون مداخل جديدة الى عوالم الرواية المختلفة والمتنوعة.
تبدأ الرواية من فصل تعيش به “السادسة” في عالم من العزلة عن كل المحيط، تعيش مع ذاتها أنا وهي ، تتخاطب معها في محطة قطار تنتظرانه يأتي ويجلسان به وينقلهما إلى مكان ما. هي الحياة إذن.
ثم نعرف أن السادسة ولدت من عائلة هي السادسة في ترتيب ولادتها. لذلك سميت السادسة، في بلاد يطلقون الارقام كأسماء على ابنائهم. يفرحون بالذكور، ويكرهون الإناث. الذكور يتعلمون إلى مستوى معين ليكونوا أفضل بخدمتهم ل “الكبير”. والإناث ممنوع أن يتعلموا. دورهم أن يكنّ أمهات وربات بيوت.
السادسة تعيش في بلاد يحكمها “الكبير” الذي يسيطر على مقدرات الحياة كاملة، وكل الناس يعيشون في البلاد اتباع اقرب للعبيد. كما يتواجد فيها حزب سرّي معارض يعمل لإسقاط الكبير.
تنتمي عائلة السادسة إلى الحزب السرّي المعارض ولذلك قرروا أن يعلموا السادسة على يد مدرس خاص من ذات حزبهم، حتى تصبح واعية بحال بلادها و يرسلوها إلى بلاد العالم الافضل والاقوى حتى تلتمس منهم الدعم للقضاء على حكم الكبير.
لم يكن أمام السادسة إلا أن تذهب الى بلاد الغرب بواسطة القوارب أشبه بالهروب، ذهبت مع الكثيرين رجال ونساء واطفال هاربين من ظلم بلادهم ، لكن البحر لم يكن رحيما بالقارب، تحطم وانقلب قبل الوصول الى شاطئ الأمان، وغرق الكل.
استيقظت السادسة من غيبوبتها في البلد الآخر وقد ادركت انه تم إنقاذها وإسعافها الى المشفى وهي تحت رعاية الطبيبة التي تحمل اسمها حرفا وليس رقما. انهم هناك يحملون اسماء حروف. وهي في بلادها أسماؤهم ارقام.
اعتنت الطبيبة بها كثيرا. وساعدتها باحضارها الى بيتها. لكي لا تعيش ظروف حياة اللاجئين المأساوية القادمين الى بلادها. واوكلت اخاها المحامي حتى يجري لها معاملة اللجوء بأفضل حال.
في غيبوبة السادسة تعايشت مع كثير من القضايا بدأت تعود الى وعيها و تسردها :
اكتشفت السادسة أن الدول التي ذهبت إليها لدعم الحزب السري واستاذها لكي يساعدون الشعب للقضاء على حكم الكبير، اكتشفت انهم شركاء له في جريمة ظلم الشعب في بلادها. وأن هناك مصالح مشتركة بين حكم الكبير الظالم وبين هذه الدول. لذلك لن يساعدوها للقضاء عليه ابدا.
اكتشفت ايضا ان كل حكم سيأتي سيشبه حكم الكبير الظالم. بمجرد أن يتغير النظام سيصبح الحاكم الجديد ظالما. الحكم يساوي الفساد والظلم والاستغلال. يظهر ذلك جليا أمام السادسة في ذلك المشهد الجنسي المثير بين ذكر وانثى يحضره لها “برمودا” الكائن المخيف المختفي في قاع المحيط. ليظهر الكبير تحت القناع تارة والاستاذ من الحزب السرّي المعارض تارة أخرى.
اكتشفت السادسة وتعايشت مع العقائد والأديان وتوقفت امام “ع” و “م” وحاورتهم. متساءلة عن سبب الأديان ومن هو “العظيم” الذي أرسلهم وهل هم مختلفون؟ وِلمَ ؟، أم هم متنوعون حسب الزمان والمكان وظروف البشر؟. وأن الرسل جاؤوا ليساعدوا البشر على الانتصار على الشر الذي انتشر بينهم. وان يعيشوا في ظل الحرية والعدالة ، وأن الشرائع جاءت بنصوص واضحة ومهمة البشر أن تعيد قراءتها بما يناسب المكان والزمان الذي يعيشون فيه. وتوقفت مع “م” متساءلة عن تعدد الزوجات، وجاءها الجواب أن عدد الزوجات الأربع كان طورا افضل من العدد اللامتناهي للزوجات. ولم تقتنع السادسة.
ثم تكتشف السادسة نفسها في حضرة كائن لا هو انسان ولا حيوان ، كائن مائي له حضور، قال أن اسمه برمودا الذي أخذ معه السادسة الى عالمه في أعماق الماء، هناك اطلعها على حياة نموذجية رائعة. وهناك اوضح لها ان برمودا يبتلع الظالمين ليصنع عالما أفضل لمن يكونون فيه مثلها.
تنتهي الرواية عندما تستيقظ السادسة من غيبوبتها التي استمرت زمنا حيث هي في المشفى بعد انقاذها من الغرق.
في التعقيب على الرواية اقول:
نعم نجحت رواية حسن الخطيب ابناء التيه أن تعيد طرح الكثير من الموضوعات التي عايشناها في بلادنا في العقود الأخيرة بأسلوب مختلف ومبتكر، وان تقدم رؤية فكرية سياسية عقائدية حول كل القضايا التي نعيشها كسوريين، وتُعاش في عالمنا المعاصر.
لنبدأ من الفتاة المسماة “السادسة” … نعم كلنا نحن السوريون عند الحاكم الظالم “الكبير” مجرد أرقام- الذي سقط والحمد لله – لقد حرمنا من سماتنا الإنسانية بالنسبة للحاكم وعصبته، الذي فعل بالسوريين من مظالم ما لم يفعله حاكم على وجه الأرض.
وقدمت الرواية رأيا نقديا بأن أي حاكم مصيره أن يصبح ظالما. ونضيف نحن هنا ان هناك استثناء عندما يكون الحاكم منتخبا من الشعب ويعود مصيره للشعب وأن يلتزم بقواعد الديمقراطية كما هي معرّفة بمتونها.
تومئ الرواية الى هروب الكثير من السوريين من بلادهم لاجئين الى الغرب عبر البحر غرق الكثير ووصل الكثير.
تحاكم الرواية الغرب بأنه صنع بعض الأنظمة الظالمة ودعمها كما حصل عندنا في سورية، وأن الغرب لم يتصرف مع قضايانا العادلة وفق ما يدعي من حريات وحقوق وديمقراطية. بل وفق مصالحه التي كان يجنيها مع الانظمة الاستبدادية.
حاورت الرواية الأديان من خلال مناقشة الأنبياء “ع” عيسى و “م” محمد واستحضار أسباب الأديان من “العظيم” الله، الله الذي نحتاجه لنفهم وجودنا ونبرر حياتنا ومماتنا وماذا بعد هذه الحياة الدنيا. وان ذلك كان ضروريا لنصرة عموم البشر على الظالمين فيهم. وأن الشرائع تأتي وتتطور بالزمان والمكان بما يخدم البشر. توقفت الرواية عند تعدد الزوجات في الإسلام وكان تحليلها صحيحا كما نرى بأن تحديد التعدد بأربعة كان افضل من الاباحة المطلقة قبل التحديد. وأن النص القرآني يلزم بالعدالة، وانها غير ممكنة. وأن اجتهادات البشر مفتوحة في التعامل مع النصوص بتغير حياة البشر وتطورها.
ثم إن تفسيرنا لعالم برمودا الرائع النموذجي في الرواية وكأنه استنساخ للجنّة التي وعد بها الله البشر في رسالاته السماوية. هي انتصار عميق لتوق البشر إلى حياة الحرية والعدالة والمساواة والحفاظ على الكرامة الإنسانية واحترام انسانية الانسان.
تصر السادسة للعودة الى حياتها السابقة رغم كونها تعيش في جنّة برمودا. لماذا؟ لأنها تتوق لتعيش انسانيتها في وطنها الذي ولدت به وعاشت فيه الحلو والمر. نعم الوطن هو نحن بذات كل منّا وذواتنا جميعا. لا تعيش ذواتنا إلا به او تتوق دوما اليه. وان يضم ترابه أجسادنا وأن نعيش في كنفه احياء واموات.






