بمناسبة مسوّدة الدستور الفلسطيني… الدولة لا دين لها

صقر أبو فخر

(1)
“مسوّدة الدستور المؤقت لدولة فلسطين” الصادرة في فبراير/ شباط الجاري هي مشروع دستور قابل للتعديلات بعد إخضاعه للمناقشات والاقتراحات. ويعدنا هذا المشروع بنظام رئاسي برلماني جمهوري ديمقراطي يشبه، إلى حدٍّ كبير، النظام السياسي الفلسطيني السائد حاليّاً، والذي هو ليس نظاماً رئاسياً واضح المعالم تماماً، وليس نظاماً برلمانيّاً صريحاً، بل هو نظام مختلط، والصلاحيات الدستورية فيه موزّعة بين رئيس الدولة المنتخب ورئيس الحكومة المعيّن مع أرجحية لرئيس الدولة. ومن غرائب الأمور أن الحكومة الفلسطينية مؤسّسة دستورية، لكنها أدنى من مرجعيتها التاريخية، أي من منظّمة التحرير الفلسطينية. غير أن الحكومة التي تولت حركة حماس تأليفها في سنة 2006 لم تعترف بالمرجعية الأعلى، وكثيراً ما تحفّظت عن البرنامج السياسي لمنظمة التحرير. وهذه “الغرائب” ليست غريبة حقاً، لأن النظام السياسي الفلسطيني يختلف عن أي دولة جراء خصوصية قضية فلسطين؛ ففلسطين ليست دولة بعد، بل هي دولة تحت الاحتلال. وفوق ذلك هي دولة لم تُرسم حدودها، ولم تتحدّد سيادتها على أجوائها وتخومها ومواردها… إلخ. والدستور المؤقت الذي بين أيدينا الآن هو، بهذا المعنى، دستور لدولة لم تنشأ بعد، وسكان هذه الدولة (إذا افترضنا أن حدودها مؤقتة بدورها، وتشمل الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس الشرقية) لا يشكلون غير 40% من الفلسطينيين. وبناء على ذلك، ما تناقشه هذه المقالة إنما هو تطلّع إلى المستقبل، ومشروط بعبارة: “إذا صار لنا دولة”. أو، ربما، يكون دستوراً لدولة تحت الاحتلال، وهو من محاسن المصادفات التي لا سابق لها في التاريخ الحديث.
مهما يكن الأمر، ورد في المادة الرابعة (الفقرة الأولى) ما يلي: “الإسلام هو الدين الرسمي في دولة فلسطين”. وهذه الفقرة فيها مقدار صريح من التملص أو المواربة. فماذا تعني، جوهريًا، عبارة “الدين الرسمي في دولة فلسطين”؟ هل المقصود إليه أن الإسلام هو الدين الرسمي لدولة فلسطين؟ لكن الدولة، بالمفاهيم العصرية، لا دين لها؛ فالأفراد والجماعات لهم دياناتهم، بينما الدولة، كبناء فوقي، لا تنتسب إلى دين محدّد، بل تحمي ديانات جميع مواطنيها. والفارق بين عبارتي “الدين الرسمي في دولة فلسطين” و”الدين الرسمي لدولة فلسطين” فارق جوهري بالتأكيد. وكان مشروع الدستور الفلسطيني لعام 2003 قد نصّ على أن “الإسلام هو الدين الرسمي للدولة” ما يتيح لنا استنتاج أن إبدال حرف الجر في بحرف الجر لـِ لم يكن عفو الخاطر، بل إن مَن صاغ هذه المسوّدة أراد التملص من عبارة “الإسلام هو الدين الرسمي لدولة فلسطين”. ولمّا لم يجد عبارة ملائمة افتعل هذه الصيغة ذات المضامين المتخالفة. ولا يمكن الجزم هل إن هذا الفارق بين حرفين قد ورد مصادفة، وهو احتمال ضئيل بحسب ما أرى.
فلسطين لا تُحكم بالأغلبية العددية على الإطلاق، بل بموجب عقد اجتماعي نتطلع إلى أن يكون ديمقراطيّاً وعلمانيّاً
نقرأ في المادة الرابعة أيضاً (الفقرة الثانية) أن “مبادئ الشريعة الإسلامية [هي] مصدر رئيس للتشريع”. وكان ورد في مشروع الدستور الفلسطيني لعام 2003 أن “مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع”. والفارق بين الفقرتين كبير جدّاً. هنا تصبح مبادئ الشريعة “مصدر رئيس للتشريع”، أي مصدراً بين مصادر أخرى، وهناك أضحت “المصدر الأساسي للتشريع”. ولا ريب لديّ في أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي في دولة فلسطين يتعارض مع المادة السابعة والعشرين من مسوّدة الدستور التي تنص: “الفلسطينيون متساوون في الحقوق والواجبات”، لأن النصّ على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي (أو الدين الرسمي في الدولة) يتعارض مباشرة مع المساواة. وفي جميع الحالات، فإن هذه النصوص، أو ما يماثلها، هي انقلاب على التاريخ البهي للحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشوء الجمعيات الإسلامية – المسيحية في سنة 1918، وبالتوازي مع عقد المؤتمرات القومية التي دشنت مؤتمرها الأول في سنة 1919 فصاعداً. وهذه النصوص تلغي المساواة بين المواطنين، فالمساواة هي الأساس الذي تُبنى الديمقراطية عليه.
(2)
في فلسطين طوائف وإثنيات: مسيحيون وسامريون وأحمديون وبهائيون ودروز (ويهود حتى). وفيها أيضاً عرب وشركس وأرمن وأمازيغ وفرس وأفارقة. وفلسطين لا تُحكم بالأغلبية العددية على الإطلاق، بل بموجب عقد اجتماعي نتطلع إلى أن يكون ديمقراطيّاً وعلمانيّاً على غرار “دولة فلسطين الديمقراطية العَلمانية” التي أعلنتها حركة فتح في أواخر سنة 1968 نقيضاً للدولة الدينية اليهودية. لنتذكر أن الدول العربية التي تنصّ دساتيرها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لا تطبق قواعد الشريعة الإسلامية ألبتة. ففي مصر الذي يرد ذلك النص في دستورها لا يُجلد شارب الخمر، ولا تُقطع يد السارق، ولا يُقتل الزاني المحصّن، ولا تطبق عقوبات القصاص أي “السنّ بالسنّ والعين بالعين”، وهي عقوبات وردت في التوراة بعدما سرقها اليهود من شريعة حمورابي. وهؤلاء كلهم يَمْثُلون أمام المحاكم المدنية (لا أمام المحاكم الدينية) التي تطبق القوانين الوضعية وعقوباتها كالسجن أو الغرامة. فالقوانين في الدول العربية ذات الأكثرية الإسلامية، والتي تنصّ دساتيرها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، ما عادت تنص على اعتبار الردة عن الإسلام جريمة، وألغت الجزية منذ زمن بعيد، وحرّمت الرق. والدستور المصري، على سبيل المثال، ظلّ منذ 1923، أي منذ العهد الملكي، حتى سنة 1971، أي إلى العهد الجمهوري، ينص على أن دين الدولة هو الإسلام. وفي 1980، تحت ضغط الجماعات الإسلامية، عُدّلت العبارة لتصبح “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. وفي 1981 عمدت الجماعات الإسلامية إياها إلى قتل أنور السادات.
(3)
كان دستور المملكة العربية السورية في زمن الملك فيصل الأول أكثر تقدّماً في هذا الشأن من جميع الدساتير العربية القديمة والمحدثة، فقد نص على أن “دين الملك هو الإسلام”، وليس دين الدولة. والدستور السوري في 1950 الذي قبله مصطفى السباعي زعيم الإخوان المسلمين، نصّ على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام. وتكرّر النص نفسه في دستور 1973 بالعبارة التالية: “دين رئيس الجمهورية الإسلام” (المادة الثالثة، البند الأول). وقصارى القول في هذا الحقل الفكري والسياسي والدستوري أن في الإمكان الاكتفاء بعبارة “دين رئيس الدولة هو الإسلام”. ويُكتفى بعبارة “الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع” وليس “المصدر الرئيسي” كما هو شائع في معظم الدساتير العربية.
في المقابر الطائفية، لا يُدفن الميت من هذه الطائفة إلى جانب الميت من طائفة أخرى. فلا مساواة حتى بين الموتى. لكن، في مثوى شهداء فلسطين، عند مستديرة شاتيلا في بيروت، سنعثر على الشاعر كمال خير بك العلوي إلى جانب الشاعر كمال ناصر البروتستانتي ورفيقه بشير عبيد الماروني قريباً من المفتي الحاج محمد أمين الحسيني السنّي. وفلسطين المقبلة، حين يصير لها دولة ودستور، يجب ألا تكون بعيدة عن فضيلة المساواة وأقل من مقبرة شهدائها، وإلا تصبح مقبرة حقيقة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى