
كان يُفترض أن تنتهي مع سقوط نظام الأسد الأسبابُ التي كنّا نعزو إليها استمرار مخيّمات النازحين في الشمال السوري، وأزمتها الإنسانية المتجدِّدة مع كل موسم أمطار، وما يتبعه من سيول وفيضانات؛ وكانت الأسباب تُعزى إلى التهجير القسري والملاحقة الأمنية لأبناء المناطق الثائرة وغياب الحلّ السياسي، إلا أنّ تلك المأساة تتجدَّد هذا العام مع ارتفاع معدّلات الهطولات المطريّة، التي أحدثت انجراف بعض تلك المخيّمات وتضرّر أجزاء كبيرة من بعضها الآخر، ما تسبَّب باحتجاجٍ واسع بين أبناء تلك المخيمات، وغالبيتهم ينتمون إلى مناطق كانت ثائرةً ضدّ نظام الأسد، والأكثر تقديماً للتضحيات البشرية، والأكثر خسارةً للممتلكات. وكثيرون منهم كانوا ميسوري الحال، في غياب أيّ خطّة حكومية تعطي الأولويةَ لإعادتهم إلى قراهم، في ظلّ مظاهر البذخ التي تبدو على أرتال سيارات مواكب السلطة الجديدة خلال زياراتها إلى الشمال.
وقبل أيام، ناقش الإعلام الرسمي (على شاشة الإخبارية السورية)، وبمشاركة وزير الطوارئ ومحافظ إدلب، أسبابَ استمرار تلك المعاناة ومعوّقات حلّها، التي تلخَّصت في غياب الموارد لدى الحكومة اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية وبناء المنازل وترميمها، ومشكلة الألغام التي خلّفت إصابات ووفيات، ومشكلة ثالثة لمَّح إليها الوزير، تمثّلت في رفض الأهالي الانتقال إلى مركز إيواء أفضل حالاً، طمعاً في استمرار الاستفادة من السلّة الإغاثية. وقد استضاف البرنامج عائلةً رفضت تلك العروض. وبالنظر إلى أن أعداد مَن بقوا في تلك المخيّمات يقارب مليوناً ونصف مليون نسمة، حسب تصريح المحافظ، وأن من عادوا بعد سقوط النظام هم فقط مليون شخص، ومعظمُهم عاد في الأشهر الستّة الأولى من العام الماضي (2025)، فإن أزمة المخيّمات المتجدِّدة كلّ عام تستحقّ أن تتحوّل قضية وطنية، وتطرح تساؤلاً حول تلك الأزمة وحيثياتها وكيف كانت تُدار في الأعوام السابقة، وخصوصاً بعد تثبيت خطوط التماس وتوقّف القتال في 2020، كما تطرح سؤال كيفية حلّها.
يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولية البقاء متفرِّجاً على مأساة العصر التي ارتكبها نظام الأسد، والاكتفاء بحلول إغاثية طارئة
كانت المخيّمات الأولى في 2012، في ريف جسر الشغور، بعد اقتحام جيش النظام المنطقة. ولاحقاً بنيت مخيّمات عشوائية ومؤقّتة قرب الحدود التركية باعتبارها المناطق الأكثر أمناً، وتحصل على معونات غذائية من باب الاستجابة الطارئة، على أن يعود النازحون إلى منازلهم خلال وقت قريب، إذ انتشرت بينهم عبارة “أيام ومنرجع”. ما حصل هو اشتداد ضراوة القصف لحواضن الثورة والتهجير المرافق لها، ثم مسار خفض التصعيد وتسليم المناطق في أرياف دمشق ودرعا وحمص، والانسحابات المستمرّة لهيئة تحرير الشام من قرى ومدن شرق السِّكة وسراقب ومعرّة النعمان وشمال حماه، وصولاً إلى تجميد الصراع في اتفاق سوتشي في مارس/ آذار 2020، فضلاً عن النزوح من المناطق الشرقية خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثمّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحقاً.
تضاعف عدد النازحين في تلك المخيّمات، خصوصاً مع انتشار الزواج المبكّر والإنجاب (نسبة الأطفال تتجاوز النصف)، وصارت تتحوّل تدريجياً إلى أماكن إقامة دائمة مع تراجع فرص الحلول السياسية مع النظام. وكان العامل المناطقي هو الأساس الذي جمّعت بموجبه الكتل البشرية المهجَّرة، وتشكّلت طبقات اجتماعية ضمن المخيّم نفسه، وفُتحت دكاكين وأعمال، لكنَّ معدّلات الفقر والبطالة كانت مرتفعة. كان الفساد المالي وانتشار ثقافة الانتفاع قد تسلَّل إلى عملية إدارة تلك المخيّمات؛ ففي مناطق غصن الزيتون ونبع الفرات، وفي مخيّمات إعزاز وجرابلس، كانت تركيا تدير العملية الإغاثية، كما هي القطاعات الأخرى نحو فرض التعليم باللغة التركية. وفي مناطق إدلب، كانت هيئة تحرير الشام تسيطر على العمل الإغاثي وتفرض شروطها عليه، ومنها اقتطاع 20% – 30% من المساعدات، وتفرض على المنظمات العاملة شراء المواد الغذائية من متاجر لمقرّبين منها في سرمدا، وتتدخّل في إدارة المنظّمات العاملة. كما كان سائداً في مناطق النظام ومناطق الإدارة الذاتية، وفي عملية توزيع سلال الإغاثة، فهناك مخيّمات لا تتلقّى دعماً كافياً مقابل سخاءٍ يُقدّم لأخرى بناء على علاقات المحاسيب مع سلطات الأمر الواقع. وانعكس ذلك التحكّم في إدارة نقل عائلات إلى المنازل التي بُنيت خلال حملة “حتى آخر خيمة” التي دشّنتها بعض المنظمات بعد جمع التبرعات. ذلك كلّه خلق بيئةً من الفساد، وقد شاع بالفعل ما ذكره وزير الطوارئ في المقابلة المشار إليها أعلاه، أنْ تتملّك عائلاتٍ بيوتاً في مناطق مستقرّة وتبقى موجودة في المخيّمات طمعاً في السلال الإغاثية.
ومع انسداد أفق الحلّ، وانتشار الفقر في المخيّمات، والتسرّب الكبير من التعليم، كان التجنيد في الفصائل العسكرية حلّاً لشرائح من الشباب للحصول على مردود مالي، بل إن المخيّمات باتت الخزّان البشري للفصائل التي استغلّت الظروف المعيشية الصعبة. وكذلك هو الأمر في العهد الجديد بعد فتح باب التطوّع في الأمن العام ووزارة الدفاع. ومن الواضح أنه كانت هناك شبكة معقّدة تنتفع بأشكال مختلفة من المساعدات الإنسانية، التي ظلّت طارئةً ولم تنتقل إلى مستوى الاستدامة، وهي المنظمات غير الحكومية العاملة في هذا المجال التي يتلقّى عاملوها رواتب ضخمة، وتركيا التي كانت بنوكُها مركزاً لاستقبال الأموال بالدولار وصرفه بالليرة التركية، وكلّ قوى الأمر الواقع: النظام والإدارة الذاتية وهيئة تحرير الشام.
في كلّ الأحوال، لا يمكن القول إن قرابة مليون ونصف مليون نازح يعيشون حالياً في المخيّمات بدافع الانتفاع من المعونات الإنسانية؛ فهناك تراجع معتبَر في حجم المساعدات المقدّمة إلى سورية. ومعظم قرى ريف اللاذقية وجبل التركمان، ذات التضاريس الوعرة، مدمَّرةٌ كلّياً، ومليئة بالألغام، وهي كثيرة العدد، ومنها سلمى وكنسبا وبداما والناجية والوطى. وهذه القرى هي حواضن للثورة، ومعظم سكّانها ظلُّوا في المخيّمات، ومنها مخيّمات خربة الجوز التي طاولتها السيول أخيراً. ومعظم الألغام موجودة في مناطق التماس وفي الأراضي الزراعية وليس السكنية، ولم تتمكّن منظّمة الدفاع المدني من كشف كلّ الألغام في مناطق ريف إدلب الجنوبي وشمال حماه. ورغم ذلك، عاد قسم كبير من الأهالي إلى قراهم، وهناك ابتكارات فردية محلية الصنع للكشف عن الألغام. هناك أرامل بعدد كبير، وأمّهات ثكالى مع عدد كبير من الأحفاد، يفضلّن البقاء في المخيّمات وتلقّي المساعدات على العودة إلى قراهن من دون وجود مقومات للحياة.
باتت المخيّمات في سورية الخزّان البشري للفصائل المسلّحة التي استغلّت الظروف المعيشية الصعبة
يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولية البقاء متفرِّجاً على مأساة العصر الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد، والاكتفاء بحلول طارئة، قدَّمت في كلّ سلّة إغاثية جرعة فساد لأطراف متعدّدة، وفي رأسها النظام نفسه. والآن تنتظر الحكومة السورية أموالاً أو استثمارات لإعادة الإعمار، إلا أنَّ جُلَّ مشاريعها تتركّز في التطوير العقاري في مناطق غير متضرّرة؛ فالأرياف المتضرِّرة ليست ضمن أولوية الحكومة، التي تركِّز في أعمال إعادة تأهيل شوارع دمشق وشبكات المياه والصرف الصحّي وساحاتها. في حين أن ما يُؤهّل في معظم المناطق البعيدة هو نتيجة مبادرات محلّية بأموال المتبرّعين، من دون تخطيط يقود إلى الاستدامة، في ظلّ غياب دور الدولة.
أمّا المخيّمات، فقد ساهمت جملةُ ظروف نفسية واجتماعية لسكّانها بدفعهم إلى فقدان الحافز للقيام بعمل، والاعتماد كلِّياً على المساعدات، ثم الحصول على فرصة التطوّع في القوات الحكومية. وهذا ما حوّل “المخيّم” من حاضنة للثورة وقضية، إلى مكان لاستجلاب الدعم والتسوّل تنتفع منه أطراف عدّة؛ أي أنَّ استمرار أزمة المخيّمات قتل طموح الناس في البحث عن عمل وابتكار الحلول، وباتوا مجرّد أدوات عسكرية بيد السلطة؛ ما يذكِّرنا بسياسات الأسدَين (الأب والابن) في تفقير مناطق الساحل عبر منع مشاريع التَّنمية المحلّية، ليشكِّلوا الخزّان البشري لجهاز السلطة القمعي.
المصدر: العربي الجديد



