لماذا لا يكون قانونٌ للإعلام بدلًا من “مدونة سلوك”؟

عدنان علي

إن «مدونة السلوك الإعلامي» التي أطلقتها وزارة الإعلام السورية في حفل مدوٍّ، بوصفها إطارًا مهنيًا وأخلاقيًا للعمل الصحافي في المرحلة الانتقالية، تثير من الإشكالات أكثر مما تقدم من حلول أو أجوبة للواقع التنظيمي الهش للإعلام منذ سقوط نظام الأسد.
وقُدِّمت المدونة باعتبارها ثمرة مشاركة واسعة من صحافيين مستقلين وممثلين عن مؤسسات عامة وخاصة، وجرت الإشارة إلى أنها وثيقة استرشادية غير ملزمة قانونيًا، وأنها تقوم على مبدأ الالتزام الذاتي والتصحيح قبل العقاب. غير أن هذا الخطاب الإيجابي يصطدم بإشكالية جوهرية: هل يمكن لمدونة سلوك، مهما بلغ حجمها أو عدد المشاركين في إعدادها، أن تحل محل قانون إعلام واضح ونافذ يصدر عن سلطة تشريعية منتخبة؟
تأتي هذه المبادرة في ظل فراغ تشريعي واضح منذ توقف العمل بقانون الإعلام رقم (108) لعام 2011، عقب سقوط النظام السابق نهاية عام 2024، من دون إلغائه رسميًا أو إصدار بديل عنه. وهذا الفراغ ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو جوهر الأزمة. فالمجال الإعلامي لا يُنظَّم بالنيات الحسنة ولا بالوثائق الأخلاقية وحدها، بل بقواعد قانونية واضحة تحدد الحقوق والواجبات، وتضع تعريفات دقيقة للمخالفات، وتضمن آليات مساءلة عادلة وشفافة.
تدافع الوزارة عن المبادرة بوصفها مقاربة «من الأسفل إلى الأعلى»، شارك فيها نحو ألف صحافي، وباعتبارها خطوة لملء الفراغ إلى حين استقرار البيئة التشريعية.
المدونة، كما أُعلن، تمتد على نحو مئة صفحة، وتتضمن معايير أخلاقية مفصلة، وميثاق شرف، وملحقًا خاصًا بصنّاع المحتوى. لكن مهما بلغ تفصيلها، فهي تظل إطارًا معياريًا غير ملزم قانونيًا. بل إن التصريحات الرسمية التي تربط المصادقة عليها بالحصول على الترخيص والبطاقة الصحافية تضعها في منطقة رمادية؛ فهي ليست قانونًا، لكنها قد تتحول عمليًا إلى أداة تنظيمية ذات أثر إلزامي عبر البوابة الإدارية. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يُخشى أن تتحول المدونة إلى بديل غير مباشر عن قانون إعلام غائب، من دون أن تحظى بالشرعية التشريعية أو الضمانات الدستورية اللازمة.
تدافع الوزارة عن المبادرة بوصفها مقاربة «من الأسفل إلى الأعلى»، شارك فيها نحو ألف صحافي، وباعتبارها خطوة لملء الفراغ إلى حين استقرار البيئة التشريعية. غير أن هذه الحجة تعكس مفارقة لافتة: إذا كان الفراغ التشريعي هو المشكلة، فلماذا لا تكون الأولوية لصياغة قانون إعلام جديد عبر الهيئة التشريعية المرتقبة، وبمشاركة واسعة من الجسم الصحافي، بدلًا من إطلاق مدونة ترعاها السلطة التنفيذية؟
المدونات الأخلاقية في التجارب الديمقراطية تقوم على مبدأ التنظيم الذاتي، أي إن الوسط المهني يضع قواعده بنفسه عبر نقابات أو مجالس مستقلة. أما حين تصدر المدونة عن وزارة حكومية، حتى مع التأكيد على استقلال لجنة الصياغة، فإنها تظل محاطة بشبهة تضارب المصالح. فالإعلام، بطبيعته، سلطة رقابية على الأداء الحكومي، ومن غير المنطقي أن تكون الجهة الخاضعة للرقابة هي نفسها راعية الإطار الأخلاقي المنظم للمهنة.
هذا التخوف عبّرت عنه صراحة رابطة الصحافيين السوريين، التي اعتبرت أن إطلاق مدونة سلوك من قبل وزارة الإعلام يقوّض مبدأ التنظيم الذاتي، ويعيد إنتاج منطق الوصاية التنفيذية على المهنة. ورغم أن الاعتراض لا يطاول فكرة الأخلاقيات المهنية بحد ذاتها، فإن جوهر الإشكال يرتبط بمرجعية القرار: من يملك سلطة الإقرار؟ ومن يحدد آليات التطبيق؟ ومن يضمن ألّا تتحول المعايير الأخلاقية إلى أداة ضغط أو إلى انتقائية في منح التراخيص؟
قد تكون المدونة بداية حوار، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح تشريعي شامل. المطلوب اليوم ليس فقط «دستورًا مهنيًا»، كما وُصف، بل قانون إعلام عصري يصدر عن سلطة تشريعية، ويكرّس استقلالية المؤسسات الإعلامية، ويحدد بدقة العلاقة بين الدولة والصحافة.
ثم إن المدونة، مهما توسعت في معالجة قضايا خطاب الكراهية، أو حماية الفئات الحساسة، أو مكافحة التضليل، لا تستطيع أن تحسم الإشكاليات الكبرى المرتبطة بحرية التعبير، وحدود الأمن القومي، ومسؤولية النشر، وحق الوصول إلى المعلومات. فهذه القضايا تتطلب نصوصًا قانونية دقيقة توازن بين الحرية والمسؤولية، وتحدد معايير واضحة لا تترك مجالًا للتأويل الفضفاض.
إن الاعتماد على مدونة أخلاقية في ظل غياب قانون إعلام يخلق وضعًا هشًا: فالصحافيون يلتزمون طوعًا بمعايير عامة، لكنهم يظلون عرضة لإجراءات إدارية أو قانونية تستند إلى نصوص أخرى غير متخصصة بالإعلام. وبدلًا من توفير حماية قانونية للصحافي، قد يجد نفسه في منطقة ضبابية بين وثيقة أخلاقية غير ملزمة وقوانين عامة قد تُستخدم لتقييد عمله.
لا شك أن فتح نقاش مهني حول المعايير الأخلاقية خطوة ضرورية ومطلوبة، خاصة في بيئة إعلامية تشهد تحولات رقمية متسارعة وانتشارًا واسعًا للمحتوى غير المهني. لكن الأخلاقيات وحدها لا تكفي لضبط النشاط الإعلامي؛ فهي تحدد ما ينبغي فعله، لكنها لا تضع آليات إنفاذ عادلة، ولا تضمن حماية قانونية متكافئة للجميع.
قد تكون المدونة بداية حوار، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح تشريعي شامل. المطلوب اليوم ليس فقط «دستورًا مهنيًا»، كما وُصف، بل قانون إعلام عصري يصدر عن سلطة تشريعية، ويكرّس استقلالية المؤسسات الإعلامية، ويحدد بدقة العلاقة بين الدولة والصحافة. ومن دون ذلك، ستظل المدونة وثيقة أخلاقية معلّقة في فراغ قانوني، عاجزة عن ضبط المجال الإعلامي أو حمايته في آنٍ واحد.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى