إيران وإسرائيل وحسابات ترامب

غازي العريضي

تُعقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية – الإيرانية بعد زيارة نتنياهو الولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب، وزيارات مسؤولين أمنيين وعسكريين إسرائيليين للقاء نظرائهم في واشنطن. حاول الطرف الإسرائيلي (وسيبقى يحاول) تفخيخ المفاوضات، وحمل نتنياهو ملفّاً يتضمّن معلوماتٍ اعتبرها مهمّة عن عودة إيران إلى نشاطها النووي. ومع إصرار الرئيس الأميركي على المفاوضات للوصول إلى اتفاق بوصفه خياراً أوّل، حاول نتنياهو التركيز في نقطتَين: الأولى “تحديد مهلة زمنية للمفاوضات كما حصل في المرّة الماضية، حين حُدِّدت المهلة بشهرَين، وفي نهايتها، ومع “عدم التزام” إيران، شُنّت الحرب ضدّها. حجة الطرف الإسرائيلي أن إيران تناور كالعادة، تلعب لعبة الوقت، ونحن أمام فرصة لا تتكرّر”. وهذه المرّة انغمس العرب (مصر، السعودية، قطر، عُمان) وتركيا، وضغطوا باتجاه تأجيل العملية العسكرية ضدّها، وهي ستستفيد من هذا الأمر. والنقطة الثانية أنه “لا يجوز الوصول إلى اتفاق مع إيران وهي محتفظة بصواريخها الباليستية التي تهدّد إسرائيل، وبدور فاعل لأذرعها في المنطقة”، في إشارة إلى حزب الله في لبنان بشكل خاص، لتبرير العدوان المفتوح ضدّ لبنان.
إصرار إسرائيلي على أن يشمل أي اتفاق مع إيران نزع لصواريخها الباليستية ولأيّ دور فاعل لأذرعها في المنطقة
قال الرئيس ترامب بوضوح: “لن تكون إيران دولة نووية… هنا نحن متفقون مع نتنياهو. وعقدنا جلسة جيّدة معه. لم نتوصّل إلى اتفاق نهائي، وأنا مصرّ على استمرار المفاوضات مع إيران لبحث إمكانية إبرام اتفاق. وفي حال تعذّر الوصول إلى اتفاق، فسننتظر ما ستؤول إليه الأمور. آمل أن يكون الإيرانيون هذه المرّة أكثر عقلانية ومسؤولية. إن المفاوضات هي خيارنا المفضل، وقد نتوصّل إلى اتفاق الشهر المقبل. وأي قرار بشأن إيران يرجع لي، ونتنياهو يتفهّم موقفنا. وإذا لم نتوصّل إلى اتفاق، فستكون المرحلة الثانية صعبة للغاية بالنسبة إليهم. في المرّة الماضية لم يصدّق الإيرانيون أنني سأهاجمهم وخاطروا كثيراً. قد نرسل حاملة طائرات ثانية لضربهم إذا أفشلوا المفاوضات”.
وبالفعل أقلعت حاملة الطائرات المذكورة، وتُعزَّز القوات الأميركية بقاذفات B2 الخارقة للتحصينات، لكنّ تأكيد ترامب أن القرار يعود إليه جاء ردّاً على تسريبات إسرائيلية أن نتنياهو مستعدّ لشنّ حرب من جانب واحد ومن دون العودة إلى واشنطن. قال نائب ترامب، جي دي فانس، إن “الاتفاق مع إيران سيكون لمصلحة الجميع”. ردّ نتنياهو: “عبّرت عن شكوكي بمدى جودة أي اتفاق مع إيران. والأمر معها لا يقتصر على الملفّ النووي فقط، بل يشمل أيضاً الصواريخ الباليستية والجماعات المتحالفة معها”.
أرسل الطرف الإيراني رئيس مجلس الأمن القومي على لاريجاني إلى مسقط. التقى السلطان ساعات، ثم انتقل إلى الدوحة والتقى الأمير الشيخ تميم بن حمد ومسؤولين قطريين لساعاتٍ أيضاً. تركّز البحث في المفاوضات، والوصول إلى اتفاق، وأخذ حقوق إيران بالاعتبار: “مستعدّون للبحث بالنووي. لا نريد دولة نووية. ثمّة فتوى من الإمام تحرّم ذلك، ولكن من حقّنا التخصيب والاتفاق على ذلك مع أميركا، وتشكيل اتحاد نووي في المنطقة. صواريخنا دفاعية، ويمكن الوصول إلى اتفاق لمناقشة حقّنا في الدفاع عن أرضنا وسيادتنا”.
السعودية ومصر وقطر وعُمان دول تستمرّ في مساعيها لتفادي الحرب وإنجاح المفاوضات. قال وزير الخارجية التركية هاكان فيدان: “هناك ظلم نووي في المنطقة. ثمّة توازن للقوى فيها، وزعزعته قد تدفع دولاً إلى السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وقد نضطر نحن أيضاً للمشاركة في هذا السباق، سواء أردنا ذلك أم لا”. هو يحاكي الأميركي ليسمع الإسرائيلي. وأضاف: “أميركا وإيران تبديان مرونة إزاء التوصّل إلى اتفاق، فيما تبدو أميركا مستعدّة للسماح لطهران ببعض عمليات تخصيب اليورانيوم. والإيرانيون يدركون أن عليهم الوصول إلى اتفاق. والأميركيون يدركون أن الإيرانيين لديهم حدود معيّنة لا جدوى من محاولة إجبارهم. وطهران تريد التوصّل إلى اتفاق”.
في هذه الأثناء، حصل تطوّر سياسي دبلوماسي مهم ينمّ عن تحوّل في الخطاب الإيراني؛ فأعلن وزير الخارجية الأسبق كمال خرازي (مسؤول الأبحاث والدراسات الاستراتيجية): “لقد أخطأنا بتصدير الثورة إلى دول الجوار. الأولوية اليوم للحوار”. وخرج مسؤول آخر يقول: “مستعدّون للاعتراف بحكومة طالبان”. مضمون الكلام: الانفتاح على الجوار السنّي، وعدم التمدّد في المنطقة تحت شعار تصدير الثورة.
تحرّض إسرائيل ضدّ السعودية التي لا تزال تصرّ على رفض التطبيع من دون الاعتراف بدولة فلسطينية
وهذا يأتي بعد الحرب على حركة حماس وعلى فلسطين، وضرب حزب الله، وسقوط النظام في سورية، وخروج إيران منها ومعها حزب الله، وضرب إيران في يونيو/ حزيران الماضي. وتبقى الجبهة اليمنية والدور السعودي فيها بعد “طرد” الإمارات منها. وللسعودية اليوم دور أساس مع مجموعة الدول العربية وتركيا في السعي إلى عدم الذهاب إلى الحرب مع إيران، وتتعرّض لانتقاد مسؤولين أميركيين كبار، ولتحريض إسرائيل ضدّها في واشنطن، خصوصاً أنها لا تزال تصرّ على رفض التطبيع من دون الاعتراف بدولة فلسطينية، ولم تنل بعد الموافقة على صفقة أسلحة وطائرات وأنظمة دفاع جوي متطوّرة. ويُضاف إلى ذلك دورها في رفض ضرب إيران، بعد أن كان الإسرائيلي يتهمها بأنها استمرّت سنوات تحرّض في هذا الاتجاه.
تنطلق الجولة الجديدة من المفاوضات في هذا الجو، والسؤال: هل تفوّت إيران الفرصة؟ حتى الآن ترامب يقول: “القرار لي، وأريد التفاوض والحلّ”، وأعطى نتنياهو هدية واحدة: صفعة للرئيس إسحاق هرتسوغ: “يجب أن يخجل الرئيس الإسرائيلي من نفسه لعدم منح نتنياهو العفو”. هذه هدية قيمة لـ”بيبي”، لكنّها ليست كافية. ولكنّه يأخذها ويستمرّ في لعبة الوقت والمناورة ومحاولة التخريب، مدركاً أن ترامب لا يقبل تجاوز الخطوط الحمر الآن، وهو يستعدّ لإطلاق مجلس السلام الخاص بغزّة، وإعلان المشاريع المنوي تنفيذها.
ولا يستطيع الجانب الإيراني اللعب على حافّة الهاوية وخسارة كل شيء، منطق الأمور يقول ذلك بعد التجارب، لكن لا شيء محسوماً في السياسة، سواء مع ترامب أو حليفه نتنياهو أو غريمه النظام الإيراني.
المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى