
شنت السلطات المصرية في الشهرين، الماضي (يناير/ كانون الثاني) وفبراير/ شباط الجاري، حملات واسعة على اللاجئين، مستهدفةً ترحيل أكبر عدد ممكن من الجاليتَين السورية والسودانية. يتوافق ذلك مع خطاب متكرّر من الرئاسة والحكومة عن اللاجئين وعبء اللجوء منذ سنوات، وهو الخطاب الذي اشتدّ وزادت وتيرته بُعيد اندلاع الحرب في السودان في عام 2023، وخلّفت أكبر موجة نزوح داخلي ولجوء في تاريخ البلاد. وهي الموجة التي كان لمصر النصيب الأكبر منها، إذ عبر ملايين السودانيين إلى الأراضي المصرية، وهذا طبيعي؛ إذ أين يذهب السودانيون في حال الكوارث والأزمات إذا لم يذهبوا إلى مصر؟
ربما تحمّلت مصر أعباءً إضافيةً بسبب أزمة اللاجئين في المنطقة، وكانت هذه الأزمة الأسوأ في العقدَين الماضيَين بسبب الحروب في كثير من بلداننا العربية، من العراق إلى اليمن وسورية وليبيا والسودان وغزّة، لكن هذا قدر الدول المركزية في أي إقليم، وهذه ضريبة الدور الإقليمي المراد القيام به. لا نفوذَ أو دورَ مجّانياً في العلاقات الدولية، ولا مجال لنظرية الراكب المجّاني على الدور المصري، بل حتى إذا انكفأت مصر على نفسها بتصوّر قاصر من نُخبة الحكم في حقبة ما، فإن هذا الإقليم لا يمكنه الاستغناء عنها، ولا يمكنها الاستغناء عنه. فما بينهما حالة توافق شديدة التعقيد؛ إذ ما يحدث فيها يؤثّر في الإقليم برمّته، وما يحدث في أطراف الإقليم يؤثّر فيها شاءت أم أبت.
وبحسب منصّة”متصدقش”، رصدت منصّة اللاجئين في مصر حملة أمنية وصفتها بـ”غير مسبوقة”، على مدار شهري ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني الماضيين، ضدّ اللاجئين وطالبي اللجوء، بغرض القبض عليهم وترحيلهم. وأشارت المنصّة إلى وجود تقديرات من مجتمعات اللاجئين توضح أن عدد من استُهدفوا في تلك الحملات خمسة آلاف شخص خلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضي والأسبوع الأول من الشهر الجاري. وشهدت كثيرٌ من تلك الحملات بعض الانتهاكات، مثل تقطيع بطاقات اللجوء لتقنين الاحتجاز أو تحايل سلطات إنفاذ القانون على القانون.
عادة ما تستخدم الرئاسة المصرية ألفاظاً أخفَّ عند الحديث عن اللاجئين والمهاجرين، فتتحدّث عن ضيوف مصر، فيما تنطلق موجات الشعبوية من “إعلام السامسونج” الذي لا يمكن تبرئته من تأجيج الكراهية ضدّ الأجانب ومن الدفع باتجاه حملات ضدّهم، واستضافة أصوات شعبوية شديدة الخطورة في هذا الموضوع. وهذا أيضاً يحتاج إلى ضبط، وبالذات في الإعلام والمواقع الصحافية التي تسيطر عليها الأجهزة السيادية. فلم تكن الأوضاع في مصر قبل موجة النزوح واللجوء والهجرة أفضل حالاً، ولن تكون كذلك برحيل هؤلاء الأجانب، وهي شمّاعة مستهلَكة في بلدانٍ عديدة.
كثيراً ما يخلط مسؤولون في الرئاسة والحكومة والمعارضة في مصر خلطاً متعمّداً بين اللاجئين والمهاجرين
قد تُفسَّر موجة الملاحقة والترحيل التي تطاول بعض السوريين في ضوء بعض التراشقات الإعلامية الشعبوية بين بعض أنصار النظام في مصر والنظام الجديد في سورية، على الرغم من المحاولات المبذولة للتقارب. وفي تقديري أنه لا غنى للدولتين إحداهما عن الأخرى، بغض النظر عمَّن في السلطة هنا أو هناك. فنحن نتحدّث عن مصر والشام، وهي المنطقة التي عُرفت تاريخياً وحدةً جغرافيةً واستراتيجيةً واحدةً لطالما خضعت لنظام الحكم نفسه، أو حتى محاولات الوحدة والتوحيد. وهناك من حالات التزاوج والتداخل الاجتماعي والتبادل الاقتصادي ما جعل كل محتلّ (أو حتى حاكم في المنطقة) يدرك أنه لا يمكن إخضاع أحد البلدَين إلا بالسيطرة على الآخر. كان هذا ديدن الإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم المنطقة، رضاً عبر الفتوحات أو الضمّ في عصر الإمبراطوريات، أو حتى احتلالاً واستيطاناً منذ عصر الحملات الفرنسية وما أعقبها من استعمار، وصولاً إلى محاولة التوحيد الناصري.
كثيراً ما يخلط مسؤولون في الرئاسة والحكومة والمعارضة في مصر خلطاً متعمّداً بين اللاجئين والمهاجرين. فنجد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد صرّح في أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بأن عدد الضيوف كان 9.5 ملايين، والآن يربو على عشرة ملايين، جزء محدود منهم مسجَّل في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. هذا يعني أن الوزير يعتبر العشرة ملايين لاجئين وليسوا مهاجرين، على خلاف ما توضّحه البيانات الأممية التي تشير وفق أحدث تقاريرها إلى أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر هو 1,095,900، بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (حتى 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025). بينما سبق هذا تقدير غريب عجيب للكاتب عبد المنعم سعيد في مقال في صحيفة الأهرام، ذهب فيه إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية ارتفع عدد اللاجئين 15 مليوناً إضافية. وحري بباحث وسياسي كبير مثله أن يتفحّص أرقامه، وأن يراجع موقع مفوضية اللاجئين لكيلا يقع في خطأ كهذا أو خلط بين مفهومي اللاجئ والمهاجر.
العجيب أن الأرقام المتداولة من السلطات المصرية والإعلام، بما فيها من خلط بين مفهوم اللجوء والهجرة، ولأنها تأتي على هوى بعضهم، شاعت؛ فمصريون كثيرون في المواصلات ومواقع التواصل الاجتماعي يردّدون الأعداد نفسها، قائلين إن مصر استضافت تارةً عشرة ملايين وتارات أخرى 15 مليوناً من اللاجئين، وكثيرون منهم يُرجع مشكلات مثل البطالة أو حتى الفقر إلى هذه الظاهرة. بالطبع، هناك عقلاء يذكّرون، بين حين وآخر، بأن أكثر السوريين في مصر ليسوا لاجئين، وبأنهم من أكثر الجاليات العربية استثماراً وتشغيلاً لعمالة مصرية في مصانعهم وورشهم ومصالحهم الاقتصادية، التي يفترض أن تكون أكبر من هذا في وضع طبيعي ومن دون أزمة لجوء.
الخطاب الشعبوي ضدّ اللاجئين والمهاجرين ضارّ وقد يطاول مصر والمهاجرين المصريين
وينطلق آخرون من مقارنات غير واقعية بين السوريين والسودانيين، ولكلا البلدَين والشعبَين ظروف لجوء وهجرة مختلفة بطبيعة الحال. وعلى المصريين، بوصف بلدهم متحضّراً، ألا يُعيّروا اللاجئ أوالمهاجر الفقير، وأن يعينوه على الاندماج كي يكون سفيراً لنفوذ مصر في بلاده بعد العودة، وأن ينتصفوا له عندما يكون صاحب حقّ، وألا ينساقوا وراء دعواتٍ مؤجِّجة الفتن، سواء مع السودانيين أو السوريين. فلكل من البلدَين عمق استراتيجي مباشر لمصر، بغض النظر عن تفاهة بعض التعليقات وسطحيتها هنا وهناك. وإذا كانت الإيجارات قد ارتفعت بسبب موجة التضخّم، فلا ينبغي إلصاقها باللاجئين السودانيين وحدهم، بل يجب تنظيم سوق العقارات والإيجارات وتنقيته من استغلال السماسرة والملّاك، وضمان حقوق الجميع بنظامٍ لتسجيل عقود الإيجارات وتحصيلها رقمياً، واستخلاص حقّ الدولة منها، لا بتحميل اللاجئين المسؤولية وهم الحلقة الأضعف في السوق.
يجب أن لا ننسى أيضاً أن مصر نفسها لا تزال من بين أعلى عشرة بلدان يصل مواطنوها مهاجرين إلى أوروبا في السنوات الخمس الماضية. ومن ثم، الخطاب الشعبوي ضدّ اللاجئين والمهاجرين ضارّ جدّاً وقد يطاول مصر والمصريين، وهذا ما لا نرجوه، بل في سياق صحّي، يجب أن تكون مصر والمصريون من أكثر المدافعين عن حقوق المهاجرين. وهي البلد التي لديها نحو 15 مليون مهاجر في الخارج، وتعتمد على تحويلاتهم أكبر مصدر للنقد الأجنبي، وأكبر داعم للاقتصاد الوطني، ومصر واحدة من أكبر متلقّي التحويلات في العالم. على مصر والمصريين الحفاظ على ما تبقّى من رصيد أخلاقي تحقّق بفضل موجة الهجرة واللجوء أخيراً، ويتضح ذلك من مقارنة عدد فيديوهات ومقالات الشكر والعرفان لمصر والمصريين في مواقع التواصل المختلفة من كثيرين.
المصدر: العربي الجديد






