توجّهات النخب السورية في مرحلة ما بعد التحرير

محمود عثمان

يروي المؤرخ التركي الشهير “قدير مصر أوغلو” قصة رجل من منطقة البحر الأسود، رحل في الخمسينيات من القرن الماضي إلى إسطنبول هربًا من قضية دم وثأر. ولكي يتوارى عن أعين الناس اختار منطقة إستينيا İstinye، وكانت يومها منطقة غابات كثيفة تطل على مضيق البسفور، قبل أن يبتلعها الوحش العمراني، ويحوّلها إلى بقعة من الخرسانة البيتونية داخل مدينة إسطنبول.
بعد أن استقرت الحال بصاحبنا، وأصبح لديه فائض من الحليب، واجهته مشكلة بيعه وتسويقه، فاتجه صوب المدينة، وبعد تأدية صلاة الجماعة في جامع خير الدين بربروس في منطقة بشيكتاش، انفرد بالإمام ليعرض عليه مشكلته. لكن جواب الشيخ كان صادمًا؛ فبدل أن يطلب منه المحافظة على الاستقامة وعدم الغش، نصحه بأن يطلب من زوجته خلط الحليب بالماء، وقال له: “سوف ترى إقبال الناس”!..
يستطرد “قدير مصر أوغلو” قائلًا: ذات يوم تعطل باص النقل العام بين ضاحية صارير Sarıyer ومركز المدينة في أمينونو Eminönü وسوق مصر، ولما كان إصلاح الباص في تلك الأيام يستغرق ساعات طويلة، فقد انتشر الركاب في أنحاء المنطقة، وصعدوا من طريق الساحل نحو مرتفع إستينيا حيث يقيم الرجل، فوجدوا عنده الحليب الوفير بالسعر المعقول، فاشتروا كل ما عنده.
ولأن غالب الركاب من التجار وأصحاب المحلات والمطاعم، فقد اتفقوا مع سائق الباص على التوقف مرة كل يوم، خصيصًا لتسوق الحليب من مزرعة الرجل.
قيام بعض النخب بتصوير المسألة على أنها اقتسام لموارد المال العام، إن يكن جهلًا، ففيه تجنٍّ على الحقيقة، وخداع كبير للمواطن السوري.
يضيف “قدير مصر أوغلو” بأن ابنه كان معجبًا برئيس حزب الوحدة الكبرى، “محسن يازجي أوغلو”، لدرجة أنه سمّى ولده باسمه. لكن المولود توفي قبل أن يتجاوز العامين، وعندما سمع يازجي أوغلو بوفاة الطفل سميّه، زارهم معزيًا.. يقول قدير مصر أوغلو: سألت الرئيس محسن: هل جميع قيادة حزبك من الثقاة؟ فأجابني بنعم، فقلت له: إنك لن تصل إلى السلطة مطلقًا! لأن الأمة فيها الصالح وفيها الطالح، ولا بد أن تكونوا كذلك!.
كان المؤرخ “مصر أوغلو” يوجه رسالته لمنتقدي أردوغان من النخب المتدينة، طالبًا منهم أن يخصصوا قسطًا من نقدهم للشعب، الذي هو بحاجة إلى الإصلاح قبل القيادة.
عند إسقاط هذه القصة الدرامية الحقيقية على الحالة السورية، نجد أنفسنا أمام أسئلة جوهرية، مثل: من أين تبدأ مسيرة الإصلاح والبناء؟ وهل تتحمل الدولة لوحدها أعباء التركة الثقيلة لنظام الأسد البائد؟ وهل كل ما يواجهه المواطن في حياته اليومية من صعوبات ونقص في الخدمات، سواء على صعيد كسب لقمة العيش أو المشاكل والتعقيدات في الدوائر الرسمية، مردّه إلى سوء الإدارة وعدم كفاءة المسؤولين والموظفين؟!
وهل يملك المواطن رفاهية عدم احترام القوانين، وإشاعة الفوضى، ورمي قمامته في الطرقات، والتعدي على حقوق الدولة، وتحدي الموظفين والمسؤولين وتهديدهم، بحجة أن الدولة لا تقوم بواجباتها؟!
وهل فقدان الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وغياب الشعور بالمواطنة، وضعف ثقافة العيش المشترك لدى قطاع عريض من المجتمع، على الدولة تحمّل وزره وتبعاته؟!
كيف تعاطت النخب السورية مع الشأن العام خلال مرحلة ما بعد التحرير
في الوقت الذي تبدو فيه الدولة الجديدة برئاسة أحمد الشرع منهمكة باستعادة وحدة البلاد، حيث المعارك ضد القوى الانفصالية مستمرة، وخطر محاولات التمرد في الساحل والجنوب ما زال قائمًا، فضلًا عن عملية استكمال بناء مؤسسات الدولة، نرى تباينًا كبيرًا في مواقف النخب السورية بين فريق يطالب بمنح الإدارة الجديدة شيكًا مفتوحًا على بياض لكي تتمكن من إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، وفريق آخر يرى أن الإدارة مشغولة بترتيب أولوياتها الخاصة بها، من اقتسام الموارد وتوظيف الموالين، بعيدًا عن هموم الشعب ومعاناته اليومية، وفريق ثالث متربص يتحين الفرص للنقد والاتهام وتجريح الهيئات والأشخاص، وفريق رابع يحاول الظهور بمظهر الداعم للحكومة والمؤيد لها، لكنه لا يفوت فرصة للنقد وإظهار السلبيات إلا واستغلها.
على سبيل المثال لا الحصر، تحولت قضية زيادة سعر الكهرباء إلى ساحة اشتباك عنيف بين مؤيدي الحكومة وبين من أراد استغلالها سياسيًا، بتحويلها إلى قضية رأي عام ضد الحكومة، متهمًا إياها بالانفصال عن الواقع وعدم الشعور بمعاناة المواطن الغلبان.
بالرغم من أن الحكومة تملك الكثير من الأسباب والمبررات المقنعة، لكنها لم تكلف نفسها عناء التواصل النشط مع المواطنين لشرح أسباب وحيثيات تلك الزيادة، والتي بدونها ستبقى سوريا عقودًا طويلة دون كهرباء، حيث البنية التحتية وشبكات التغذية منهارة بشكل شبه تام، ولا بد من تجديدها، فضلًا عن بناء محطات جديدة، وهذا كله يقتضي مشاركة الجميع في تشييده، وليس الحكومة لوحدها.
أما قيام بعض النخب بتصوير المسألة على أنها اقتسام لموارد المال العام، إن يكن جهلًا، ففيه تجنٍّ على الحقيقة، وخداع كبير للمواطن السوري.
تضطر النخب السورية إلى المشي فوق خيط رفيع يفصل بين تأييد الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، التي خلصت البلاد والعباد من أعتى نظام دكتاتوري عرفته البلاد، وبين التنبيه إلى قدر كبير من السلبيات والتحديات والأخطاء.
النخب السورية ومشكلة التداخل بين الدولة والسلطة
بداية لا بد من التمييز بين مفهومي الدولة والسلطة؛ فالدولة هي كيان يجمع بين مؤسسات الحكم والتاريخ والهوية الوطنية، أما السلطة فهي منظومة حكومية متغيرة متبدلة، تتبع سياسات تصيب وتخطئ، وهي بالتالي عرضة للنقد والنصح والتصويب.
في المشهد السوري ثمة تداخل كبير إلى درجة التماهي بين الدولة والسلطة، حيث أغلق نظام الأسد كافة مجالات العمل السياسي، وحارب العمل المدني الطوعي، وحوّل الانتخابات إلى لعبة كوميدية، وغيّب دور المواطن في اختيار السلطة التي تدير شؤونه، فاضمحلت السلطة داخل منظومة الدولة.
وعندما جاءت إدارة الرئيس أحمد الشرع وجدت نفسها أمام تركة ثقيلة، خلفتها منظومة إرهاب أمنية استخباراتية دكتاتورية، أفسدت البلاد والعباد على جميع الصعد: المادية والمعنوية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، فضلًا عما خلفته الحرب من خراب ودمار وخسائر في الأرواح والممتلكات.
حيال هذا المشهد المعقد، تضطر النخب السورية إلى المشي فوق خيط رفيع يفصل بين تأييد الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، التي خلصت البلاد والعباد من أعتى نظام دكتاتوري عرفته البلاد، وبين التنبيه إلى قدر كبير من السلبيات والتحديات والأخطاء، التي تدفع السوريين نحو فقدان الأمل بتغيير حقيقي وبناء وطن جميل طالما حلموا به وثاروا من أجله.
طبعًا نحن لا نتحدث هنا عن النخب المتطرفة، التي ترفع راية العصيان، ولا تعترف بالدولة السورية الجديدة، حيث تجتمع في تلك الساحة العديد من المتناقضات، من يسار علماني متطرف، إلى فلول داعش، إلى فلول النظام البائد، إلى متطرفي العلمانية الليبرالية، إلى شخصيات انتظرت طويلًا دون أن تجد ضالتها، على قاعدة: أضاعوني أضاعوني وأي فتى أضاعوا..
جميع هذه الفئات يجمعها سقف العداء للدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، ممن راهن على موقف دولي ينهي حكم (الجولاني) كما يزعمون. لكن مجريات الأحداث أثبتت أنهم راهنوا على أوهام وسراب، وأن الدولة السورية الفتية التي يقودها الكادر الشبابي تثبت كل يوم أنها تدير السفينة بحكمة، وتقود البلاد بوعي واقتدار، وأنها تملك رؤية استراتيجية وقيادة كاريزمية مكنتها من تخطي العقبات الكأداء، وعبور المطبات الكبيرة، وأهّلتها لكسب الدعم الدولي والتأييد الشعبي على حد سواء..
فهل بعد هذا النجاح من نجاح..
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى