الحلّ في السويداء قادم رغم العثار

أحمد مظهر سعدو

ما زالت أوضاع محافظة السويداء في الجنوب السوري تشي بمتغيراتٍ كثيرة، رغم أن محاولات شيخ العقل حكمت الهجري تدفع باتجاه علاقة أكبر مع الإسرائيليين، إذ إن الأجواء العامة بعد توقيع اتفاق الحكومة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والبدء بتنفيذه ميدانيّاً، وبالتالي، حل كل إشكاليات الاحتراب البيني هناك، تدلّ على أن الحلول الوطنية كانت وما زالت المدخل المنطقي وكذلك العملي، نحو إعادة قيامة سورية الواحدة الموحّدة التي تعبّر عن الجميع، وتدمج الكل ضمن الإطار الوطني الموحّد.
تدفع كل تفاعلات المشهد ومتغيّراته في الجنوب السوري نحو الاندماج في الواقع السوري بكليته، وبالتالي، إعادة البناء ولملمة الجراح وتضميدها داخل البيت الوطني، ومن أجل الاشتغال الجدي على قيام دولة المواطنة المتساوية والعادلة، وليس على أساس المحاصصة التي نرى ماهيتها الصعبة والمقلقة في الجوار السوري، في كل من العراق ولبنان، والتي أفضت هناك إلى حالة من العبث في السلم الأهلي، وحالة من النزاع الدائم.
ولعل ما جرى أخيراً في شمال شرق سورية من متغيرات بعد الاتفاق بين الحكومة و”قسد” قد أودت بالمشاريع الانفصالية القسدية إلى النهايات المطلوبة، بالإضافة إلى أن الموقف الأميركي الذي ما زال يرى أن في وحدة سورية مخرجاً مهمّاً للجميع، وحالة جديدة تنهي وجود أي أخطار كبرى على المنطقة، فيما لو حصلت حالات تفتيتية جديدة، أو نزاعات مستحدثة. ومن ثم، فإن وحدة السوريين وحل كل تشظياتهم، هما الحل الأمثل من أجل كل المصالح الأميركية، وكذلك الوطنية والإقليمية أيضاً.
حالة الوصول إلى حل وطني سوري، التي أصبحت واقعاً ناجزاً يطبق رويداً رويداً، من دون عقبات تذكر، أوجدت أجواءً من التفاؤل ضمن سياقات الحراك الوطني السوري، ونحو إنجاز مسارات الحل الوطني السوري المبتغى وطنيّاً في الجنوب السوري. وهناك من يرى اليوم أن إعادة دمج محافظة السويداء بالدولة الوطنية السورية مسألة وقت ليس إلا، وأن ذلك كله ينتظر تفاهماً أمنيّاً، أو اتفاقاً يحلّ محل اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974 من أجل الانتهاء من التعديات الأمنية الإسرائيلية على الجغرافيا السورية والمواطنين السوريين، أي تفاهماً جديداً بين دمشق وإسرائيل، وهو الذي يرى مراقبون كثيرون أنه أصبح على الأبواب، بعد الضغوط الأميركية الجدّية هذه المرّة على نتنياهو. ومن ثم، كل التمنع الهجري ومجموعاته العسكرية عن الدخول في أتون سياقات الحل الوطني ستصبح من الماضي، بمجرّد التفاهم الأمني المتوقّع مع إسرائيل. ويبدو أن ذلك واقع حقيقي بكل أسف، رغم وجود آلام كبيرة وجراح غائرة خلفتها منذ فترة أحداث السويداء في يوليو/ تموز الماضي، وتلك الأخطاء الكبرى التي وقعت في الجنوب السوري، وأدت إلى ما أدت إليه من عذابات ما زالت آثارها موجودة.
بدأت تتمظهر على السطح مبادرات وأفكار عملية كثيرة يمكنها أن تخرج الحالة في السويداء من عنق الزجاجة
هناك من يرى أيضاً أن العقلاء في محافظة السويداء، وهم كثر، لكنهم مقيّدون من خلال الضغوط الهجرية عليهم، وهم ما زالوا ينشدون حلاً ثالثاً ويطرحون مبادراتٍ وطنية متعقلة تعيد إنتاج الواقع السوري في الجنوب على أسس عقلانية سياسية، تفتح الباب أمام الحل الوطني السوري الأفضل والأنسب، الذي لا يزال متعثراً بعض الشيء في الجنوب، وعندما تُزال تلك الهيمنة، ومن ثم الضغوط الأمنية على العقلاء وعلى أنساق المجتمع المدني، وأهل الخبرة، والقوى الوطنية في المحافظة الجنوبية، ستكون الحلول، بكل تأكيد، ممكنة، وحيث لا حل حقيقياً إلا بالعودة إلى القرار الوطني الواحد الموحّد، ومشاركة كل الإثنيات والطوائف وكل الأيديولوجيات السورية، ضمن شراكة وطنية حقيقية تتطلع نحو المستقبل بعقل سياسي ناضج، وفكر تنويري غير متعصّب، يعيد إنتاج الواقع السوري الجديد على أسس حديثة، وبالضرورة ضمن حالة القطيعة الكاملة مع كل ما يعيق وحدة السوريين، والمضي في سياقات مسار العدالة الانتقالية في سورية نحو الأمام وبوتيرة متسارعة، تواكب حالة التغيير التي حصلت في سورية والضرورات الملحة منعاً لأية حالات انتقامية. لأن الجميع يدرك في سورية اليوم أن الاشتغال على مسار العدالة الانتقالية وبطريقة أكثر تسارعاً، من الممكن أن ينتج سلماً أهلياً بات ضرورياً يحقق بالضرورة ما يصبو إليه الجميع، ويمنع أية محاولات ثأرية، هنا أو هناك، ويعمل كل ما يستطيعه على إعادة رتق كل تلك الشروخ، التي أنتجتها أحوال البلد خلال الأشهر المنصرمة.
لعل الضوء في آخر النفق بما هو مرتبط في محافظة السويداء بدأ يقترب أكثر وأكثر، وبدأت تتمظهر على السطح مبادرات وأفكار عملية كثيرة يمكنها أن تخرج الحالة في السويداء من عنق الزجاجة. ويبدو أن حكومة دمشق، بالتالي، قد بدأت تدرك وتعمّق إدراكها لأهمية الدخول في حل عملي وطني جدّي وحقيقي يبلسم الجراح، وينهي حالة الانقسام الصعبة على كل السوريين في السويداء، ينهي حالة الانقسام برمتها، ويعمل على مشاركة فعلية لا نظرية، في كل مؤسسات الدولة السورية، وكل مساراتها، لأن محافظة السويداء جزءٌ أصيل ومهم، كما الأكراد في الواقع السوري، ولا حل وطنياً حقيقياً من دون مشاركة السويداء وجبل العرب في الحالة الوطنية. ولعل هذه المشاركة الحقيقية والجدّية المطلوبة وحدهما، ما يمكن أن يقطع الطريق كليّاً على كل تدخلات إسرائيل وتعدّياتها عبر ادّعائها المستمر والزائف أنها تحمي الأقليات في سورية. ويبقى الحل الوطني المندمج والمتعاطي مع كل المشكلات بشفافية ووضوح المدخل الحقيقي نحو سورية الموحدة القوية، والتي تمنع التدخلات الخارجية، وخصوصاً العدوانية الإسرائيلية الأكثر خطراً على وحدة سورية.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى