في سبيل الانتقال من إعلام الحكومة إلى إعلام الدولة

د. عبد المنعم حلبي

في إطار الحساسية الشديدة التي مرت بها سوريا خلال السنة الماضية، بأحداثها الدموية منها والاحتفالية، وبعد انطلاقة كانت مُبشِّرة، أخذ الصوت الإعلامي الرسمي، بألوانه الجديدة، والذي تمثَّل بالإخبارية السورية بصورة أساسية، ثم جريدة الثورة مؤخرًا، وغيرهما، ينزاح إلى نمطية حكومية تقليدية، أشعرت الكثير من السوريين بالقلق من استعادة الحالة النمطية للإعلام الحكومي الرسمي، التي سادت على مدى عقود في ظل النظام الهارب، ومَنَحَت أهمية خاصة لعملية تقييم السياسة الإعلامية للحكومة السورية الانتقالية، ليس فقط من زاوية الأداء المهني، بل من زاوية الموقع المؤسساتي للإعلام في بنية الدولة الجديدة.
المنصات الإعلامية الرسمية أظهرت –بدايةً– قدرًا من الانفتاح النسبي في تناول القضايا العامة، وربما حاولت التحرر من إرث الخطاب التعبوي الأحادي، إلا أن بنيتها الإدارية وثقافتها المهنية بقيتا –في جوانب كثيرة– أسيرتَي منطق “الناطق باسم السلطة” أكثر من كونهما “مؤسسة خدمة عامة”. مراقبون يتحدثون عن أثر المركزية في الدفع باتجاه تلك النمطية، فهي ما تزال حاضرة بقوة في صناعة الرسالة الإعلامية، فالقرارات التحريرية الكبرى مرتبطة بهرم السلطة التنفيذية، بما يحدّ من استقلالية غرف الأخبار ويؤثر في ثقة الجمهور. كما أن ضعف الاستثمار في التأهيل المهني والتحديث التقني ربما جعل الإعلام الرسمي أقل قدرة على المنافسة أمام المنصات الخاصة والرقمية، ومع عدم توفر تجارب منفتحة سابقة للكوادر، فإن ذلك ربما يكون قد ولَّد –ويولّد– شعورًا ذاتيًا بالنقص، وبالتالي الانفعالية الدفاعية عما يعتقدون أنه صوته الأوحد، وهو السلطة الانتقالية. كما يبرز غياب استراتيجية اتصال متكاملة تشرح سياسات الحكومة بلغة مبسطة وشفافة، وتستبق الشائعات بدل الاكتفاء بالرد عليها.
لا يمكن إنكار وجود مؤشرات إيجابية، مثل توسيع هامش النقاش في بعض البرامج، والانفتاح النسبي على أصوات مجتمعية متعددة، ومحاولة إعادة بناء الجسور مع جمهور فقد ثقته طويلًا بالإعلام الرسمي.
وفي سياق ما شهدناه جميعًا على وسائل التواصل الاجتماعي من مماحكات واختلافات شديدة حول بعض السياسات الحكومية المتعلقة بحياة المواطن السوري المُتعَب، أصبح واضحًا لدى البعض سعي الحكومة الانتقالية لفرض صوت وصورة تمثلانها، في مواجهة الآخرين، كل الآخرين، على اختلاف أهدافهم وبواعثهم ودوافعهم في التعبير عن آراء أو شكايات تمس الأداء الحكومي، سواء منها المرتبطة بزوايا سياسية، أو بملفات العدالة الانتقالية، بل وحتى فيما يخص القرارات الحكومية التي تؤثر سلبًا على واقع الحياة المعيشية للناس.
ومع ازدياد الفجوة واشتداد الحساسية تجاه واقع ومجريات المرحلة الانتقالية، بالقياس مع الصورة النموذجية التي رسمها الكثير من السوريين في أذهانهم ورؤاهم، أصبح واضحًا أن هذه المرحلة لا تقلّ تعقيدًا في بعدها المؤسسي والإداري عن تعقيدها السياسي والأمني. فإذا كانت عملية إعادة بناء الجيش، وإرساء الأمن، وإصلاح الاقتصاد، وإطلاق مسار العدالة الانتقالية تشكّل أعمدة هذه المرحلة، فإن عملية إعادة تعريف دور الإعلام الرسمي قفزت بدورها لتصبح أولوية حقيقية في عملية إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة بها. فالإعلام، دورًا وتأثيرًا وأهميةً، ليس مجرد أداة لنقل الأخبار وتأويلها وفق رؤية الحكومة ونهجها، بل هو مؤسسة سيادية عامة تسهم في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة السردية الوطنية، وضبط المجال العام بين الحرية والمسؤولية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود مؤشرات إيجابية، مثل توسيع هامش النقاش في بعض البرامج، والانفتاح النسبي على أصوات مجتمعية متعددة، ومحاولة إعادة بناء الجسور مع جمهور فقد ثقته طويلًا بالإعلام الرسمي. غير أن هذه الخطوات تبقى محدودة ما لم تتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة تكرّس استقلالية التحرير، وتضع معايير مهنية ملزمة، وتفصل بين الوظيفة الإعلامية والعمل التنفيذي للحكومة.
وفي إطار تناولٍ مختصرٍ للنموذج الإداري الحالي للإعلام، يُلاحظ أنه يقوم على تبعية وزارية تقليدية للسلطة التنفيذية، ويعكس تصورًا يرى في الإعلام ذراعًا من أذرع الحكومة في إدارة الرأي العام، الأمر الذي أثار ويثير إشكاليات عميقة، وقد يُنظر إليه كاستمرار لهيمنة السلطة على المجال العام، حتى لو تغيّرت النوايا. بينما نجد في الدول المتحضرة، أو التي تسعى إلى التحضر، يقوم نموذج المؤسسة الإعلامية العامة المستقلة على الفصل بين الحكومة كمؤسسة تنفيذية، والإعلام كمرفق عام يخدم المجتمع بأسره. في هذا التصور، تُموَّل المؤسسة من الموازنة العامة بصورة مباشرة لضمان استقلالها واستقرارها، وتُدار عبر مجلس أمناء مستقل يُعيَّن بآلية شفافة بموافقة مجلس الشعب، وتخضع لرقابة مالية وإدارية برلمانية، وتلتزم بميثاق شرف مهني يحدد معايير التوازن والحياد. هكذا تتحقق معادلة دقيقة تضمن التمويل والاستمرارية من جهة، والاستقلال الوظيفي من جهة أخرى، بما يحول دون تحول الإعلام إلى أداة دعائية لأي حكومة.
والإصلاح الحقيقي لا يكمن في تغيير الاسم، بقدر ما يكمن في تغيير فلسفة الإدارة ومنطق العلاقة بين السلطة والإعلام. ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون بناء علاقة إيجابية مع المجتمع المدني، بما يشمل النقابات المهنية، وروابط وجمعيات الصحفيين، ومراكز البحوث ومنظمات حقوق الإنسان. إشراك هذه الجهات في إعداد ميثاق شرف إعلامي وطني، ومنحها دورًا استشاريًا أو تمثيليًا في مجلس الإدارة، وإتاحة تقارير دورية علنية لتقييم الأداء، كلها خطوات تعزز الطابع التشاركي وتبني الثقة العامة.
ومهما كان الشكل المؤسسي، فإن للإعلام الرسمي دورًا وطنيًا لا يمكن التفريط به في مرحلة انتقالية تتسم بحساسية الهويات والانقسامات. فالإعلام مطالب بحماية الوحدة الوطنية عبر خطاب جامع يتجنب الاستقطاب الطائفي أو المناطقي، ويُعلي من قيمة المواطنة المتساوية، كما أنه معنيٌّ بتعزيز التماسك المجتمعي من خلال إبراز مبادرات المصالحة وتجارب النجاح في إعادة البناء، ومكافحة خطاب الكراهية والشائعات عبر المهنية والشفافية. غير أن هذا الدور الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو فرض رأي واحد، لأن حماية الوحدة الوطنية تعني إدارة التعدد ضمن سقف الدستور والقانون، لا إلغاء التعدد ذاته.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية الانتقالية ليس في تحسين صورتها عبر الإعلام، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام ذاته، في جوهرها وأبعادها المتكاملة وإطارها المنضبط، ضمن مشروع إعادة بناء الدولة، بما سيكفل انتقالًا حقيقيًا من “إعلام حكومة” إلى “إعلام دولة”.
وهنا يبرز الدور المحوري للقضاء المستقل بوصفه الضامن للتوازن بين حرية الرأي وصون القيم الوطنية العليا. فبدلًا من منح السلطة التنفيذية صلاحيات مباشرة لإغلاق وسائل الإعلام، أو معاقبتها، أو اعتقال صحفيين، أو منعهم من العمل بقرارات إدارية، يجب أن يكون الفيصل هو القانون، وأن تُحصَر العقوبات في إطار قضائي شفاف يضمن حق الدفاع ويمنع التعسف. كما ينبغي تطوير تشريعات تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، دون التوسع في تجريم النقد السياسي أو التضييق على الرأي المخالف. القضاء في هذه المعادلة لا يحمي الدولة من النقد، بل يحمي المجتمع من الفوضى ومن تغوّل السلطة في آن واحد، ويكرّس ثقافة الاحتكام إلى المؤسسات بدلًا من منطق الفوضى الشعبوية أو التغول الأمني.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية الانتقالية ليس في تحسين صورتها عبر الإعلام، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام ذاته، في جوهرها وأبعادها المتكاملة وإطارها المنضبط، ضمن مشروع إعادة بناء الدولة، بما سيكفل انتقالًا حقيقيًا من “إعلام حكومة” إلى “إعلام دولة”، ومن خطاب التبرير والدفاع إلى خطاب الشفافية والمبادرة، ومن المركزية المغلقة إلى المشاركة المجتمعية. ووجوب الدفع في الأفق الاستراتيجي نحو مؤسسة إعلام عامة مستقلة تخضع للإشراف والرقابة البرلمانية، تعمل ضمن موازنة الدولة، وتبني علاقة ثقة مع المجتمع المدني، وتحتكم في خلافاتها إلى قضاء مستقل، ليصبح الإعلام مرآة لجدية الإصلاح، ويكون –بالطبع– مكسبًا حكوميًا، يؤسس –حتماً– لثقافة سياسية جديدة، قوامها الشفافية والمساءلة والوحدة الوطنية.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى