التنسيق العابر للحدود.. مقاربة ألمانية – يابانية لمسار إعمار سورية

راغب العطيه

في ظل التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، برزت قضية اللاجئين السوريين كواحدة من أبرز التحديات الإنسانية والسياسية في المنطقة والعالم. مع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على دول الاستضافة، مثل ألمانيا وتركيا ولبنان، التي استقبلت ملايين السوريين، أصبحت الدعوات الدولية للبحث عن حلول مستدامة أكثر إلحاحاً. هذه الحلول تتجاوز الدعم الإغاثي المؤقت، وتركز على ربط ملف اللاجئين بملف إعادة الإعمار، مستكشفة كيف يمكن للحوافز الاقتصادية والآفاق الأمنية في سوريا أن تشجع على العودة الطوعية في المستقبل المنظور. في هذا السياق، يبرز التعاون الدولي كعامل أساسي، حيث يجمع بين الخبرة الميدانية والدعم المالي لخلق بيئة مستقرة تشجع على الاستقرار والعودة.
يأتي مقترح رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي الألماني، ينس شبان، كمثال بارز على هذه المقاربة الجديدة. يقترح شبان تعاوناً ثلاثياً عابراً للحدود بين ألمانيا كقوة تمويلية رئيسية، وتركيا ولبنان كدول جارة لسوريا وذات خبرة ميدانية عميقة في التعامل مع اللاجئين السوريين. هذا التعاون يهدف إلى تسريع عودة اللاجئين من خلال مشاريع إعادة الإعمار وخلق حوافز اقتصادية واجتماعية في سوريا. في تصريحاته لصحيفة “بيلد” الألمانية، أكد شبان أن تركيا ولبنان وألمانيا استقبلت، بفارق كبير، أكبر عدد من اللاجئين السوريين، مشدداً على أهمية العمل المشترك لتهيئة الظروف التي تتيح لعدد أكبر منهم العودة إلى وطنهم. وأوضح أن التركيز يجب أن يكون على إعادة إعمار سوريا، حيث تمتلك تركيا ولبنان معرفة أعمق بالأوضاع الميدانية بفضل قربهما الجغرافي، بينما تساهم ألمانيا بإمكاناتها المالية الضخمة. هذا الجمع بين الخبرة الميدانية والدعم المالي يشكل، بحسب شبان، أساساً فعالاً لإعادة الإعمار.
جاءت هذه التصريحات عقب جولة استمرت ثلاثة أيام في المنطقة شملت لبنان وقبرص و”إسرائيل”، حيث جدد شبان تأكيده على موقفه الداعي إلى عودة اللاجئين السوريين خلال مرحلة إعادة الإعمار. وأشار إلى أنه إذا توفرت في الوطن آفاق حقيقية للاستقرار والسلام، فلا مبرر للبقاء في ألمانيا، إذ إن اختلاف مستوى المعيشة وحده لا يشكل سبباً كافياً. الهدف، كما يراه، هو توفير منظور واضح يتيح للأفراد، عبر إعادة الإعمار، بناء حياة كريمة لهم ولعائلاتهم. وأكد أن الأشخاص الذين لا يمتلكون تصريح إقامة دائمة ينبغي أن يغادروا ألمانيا خلال المستقبل المنظور، مما يعكس توجهاً سياسياً ألمانياً متزايداً نحو تشجيع العودة.
توفير المساعدات الإنسانية
مسألة عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم تظل شائكة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد حل لها يتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية، كما يرى المراقبون. يقول الدكتور باسم عزو، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة دمشق: “لا يمكن تشجيع اللاجئين على العودة قبل توفير البيئة المناسبة لذلك على أرض الواقع، وهذا يتطلب أولاً مساعدتهم لإعادة إعمار مساكنهم وتوفير الحد الأدنى من خدمات البنية التحتية الضرورية، من كهرباء وماء وطرق، وثانياً خلق فرص العمل لهم، وثالثاً توفير المساعدات الإنسانية الضرورية للصحة والتعليم لمدة مؤقتة لمن عاد من اللاجئين ريثما يتمكنون من الاستقرار. وإن دور المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية مهم جداً في هذا المجال”. وأضاف عزو في تصريح لـ”الثورة السورية” أن تضافر الخبرة المكتسبة من تعامل الجمهورية التركية والجمهورية اللبنانية مع أكبر عدد من اللاجئين السوريين خلال سنوات ثورة الشعب السوري ضد النظام المخلوع، مع مساعي ألمانيا الاتحادية، سيسهم في تقديم المشورة والدعم الاقتصادي اللازم لكيفية حل هذه المشكلة. كما شدد على عدم إغفال توفير الأمن والاستقرار والسلام في كافة أنحاء سوريا، من خلال تقديم الدعم لأجهزة الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة المختلفة، ودعم السلم الأهلي، ودعم سيادة القانون.
في ألمانيا، تتحرك الحكومة الاتحادية لتسريع ترحيل عدد أكبر من السوريين إلى بلادهم عبر توسيع برامج العودة الطوعية واستئناف الترحيل، وسط جدل سياسي وانتقادات بشأن الأوضاع الأمنية والإنسانية في سوريا. منذ كانون الثاني 2025، أصبح بإمكان السوريين المقيمين في ألمانيا التقدم مجدداً بطلبات للحصول على مساعدات حكومية من أجل العودة الطوعية إلى وطنهم. وفي العام الماضي، استفاد قرابة 6000 شخص من هذه الإمكانية، وغادر نحو 3700 منهم البلاد بالفعل بهذه الطريقة، بحسب متحدثة باسم المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF). وبحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، خصصت الحكومة الاتحادية في موازنة عام 2026 نحو 38 مليون يورو لبرامج العودة، مقارنة بنحو 32 مليون يورو في العام السابق.
وبحسب تقرير نشره موقع “تاغسشاو” التابع لقناة (ARD)، فإن الحكومة الاتحادية تحاول من خلال محادثات مباشرة دفع عودة اللاجئين السوريين، سواء طوعاً أو عبر الترحيل. وعندما كان من المقرر أن يقوم السيد الرئيس أحمد الشرع بزيارة رسمية أولى إلى برلين في منتصف الشهر الفائت، سعى وزير الداخلية الألماني إلى عقد لقاء مع الشرع، إلا أن الزيارة تأجلت في الوقت الحالي. وقال وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت، المنتمي إلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، إن العودة الطوعية تمثل عنصراً مهماً في تحول سياسة الهجرة، مضيفاً أن “من لا يملك أفقاً للبقاء يحصل على دعم موجه للعودة الطوعية”.
في كانون الأول الماضي، جرت أول عملية ترحيل إلى سوريا منذ عام 2011، حيث رحلت السلطات الألمانية لاجئاً سورياً مداناً بارتكاب جريمة. وفي كانون الثاني الماضي، رُحل ثلاثة رجال آخرين، جميعهم أيضاً مدانون، بحسب وزارة الداخلية الاتحادية. وفي منتصف كانون الثاني الفائت، أعلن دوبريندت أمام البرلمان الاتحادي (بوندستاغ) أن مثل هذه الترحيلات الفردية إلى سوريا، وكذلك إلى أفغانستان، ستنفذ ابتداء من الآن بوتيرة أسبوعية، مؤكداً أن هذه الإجراءات ستتواصل دون انقطاع.
ترى رئيسة حزب اليسار الألمانية إينيس شفيرتنر أن “الأوضاع في سوريا لا تزال شبيهة بالحرب الأهلية، ولذلك ينبغي لألمانيا ألا ترحل أحداً إلى هناك أو تدفعه إلى العودة طوعاً”، واعتبرت أن “أي نقاش حول هذا الموضوع غير لائق تماماً في الوقت الراهن”. من جانبها، قالت رئيسة حزب الخضر الألمانية فرانتسيسكا برانتنر إن حزبها يدعم العودة الطوعية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن كثيراً من السوريات والسوريين يعملون في ألمانيا في وظائف حيوية، وينبغي أخذ ذلك في الحسبان. وأضافت أن هناك مصلحة في أن يتمكن كثيرون منهم من مواصلة العيش هنا.
تراجع عدد طالبي اللجوء السوريين
سجلت ألمانيا ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد اللاجئين العائدين طوعاً إلى بلدانهم، ولا سيما إلى سوريا، عقب تغير الأوضاع هناك، وذلك في إطار برامج دعم حكومية تشجع العودة الطوعية وتوفر مساعدات مالية ولوجستية. استفاد في العام الماضي ما مجموعه 16 ألفاً و576 لاجئاً من إمكانية السفر إلى بلدانهم الأصلية أو إلى بلد ثالث بدعم مالي من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، بحسب ما صرحت متحدثة باسم مكتب الهجرة لمجموعة “فونكه” الإعلامية. وأوضحت المتحدثة أن عدد العائدين خلال العام الماضي زاد بمقدار 6218 شخصاً مقارنة بعام 2024، أي بارتفاع نسبته 60 في المئة. وبلغ عدد العائدين في عام 2024 10 آلاف و358 طالب لجوء، فيما بلغ في عام 2023 نحو 10 آلاف و762 شخصاً، وهو مستوى متقارب.
بحسب صحيفة “دير شبيغل”، قد يكون أحد أسباب هذا الارتفاع زيادة السفر إلى سوريا، فمنذ كانون الثاني 2025 عاد المكتب الاتحادي للهجرة إلى تقديم دعم للعودة الطوعية إلى هذا البلد، بعدما كان البرنامج موقوفاً سابقاً بسبب الحرب هناك. وحتى نهاية كانون الأول الماضي، قدم ما مجموعه 5976 شخصاً طلباً لدى المكتب الاتحادي من أجل العودة الطوعية إلى سوريا، وقد غادر بالفعل 3678 منهم. وأفادت المتحدثة بأن المكتب الاتحادي يلاحظ اهتماماً كبيراً، ولا سيما فيما يتعلق بسوريا.
منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، تراجع عدد طالبي اللجوء السوريين في ألمانيا. وكان وزير الخارجية يوهان فاديفول (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) قد تعرض في تشرين الأول 2025 لانتقادات حادة داخل حزبه، بعدما شكك خلال زيارة إلى سوريا في إمكانية حدوث عودة طوعية بأعداد كبيرة. تدعم الحكومة الاتحادية، من خلال برنامج “REAG/GARP”، العودة الطوعية للاجئين إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول ثالثة، حيث يتحمل المكتب الاتحادي تكاليف السفر، إضافة إلى تقديم مساعدة مالية قدرها 1000 يورو لكل شخص بالغ، و500 يورو للأطفال والمراهقين.
مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر أكد من جانبه أن عمليات ترحيل اللاجئين السوريين إلى بلادهم ستبقى مقيدة في المستقبل القريب، مشدداً على أن الأوضاع الأمنية في سوريا لم تصل بعد إلى مستوى يسمح بعمليات ترحيل واسعة النطاق وفق قواعد الاتحاد الأوروبي. وأوضح برونر في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية أواخر الشهر الماضي أن سوريا لا تصنف حالياً كبلد آمن للمنشأ، رغم وجود مؤشرات على تحسن تدريجي في الأوضاع، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي يقدم دعماً يهدف إلى المساهمة في تحسين الاستقرار داخل البلاد. وبين أن التركيز الحالي ينصب على تشجيع العودة الطوعية للسوريين، باستثناء الأشخاص المتورطين في جرائم، لافتاً إلى أن وكالة اللجوء الأوروبية رصدت تحسناً نسبياً في الوضع، ما دفع وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” إلى المساعدة في عودة آلاف السوريين طوعاً.
يأتي المقترح الألماني بالتعاون مع تركيا ولبنان وسط جدل سياسي متصاعد في ألمانيا، حيث تعرض وزير الخارجية يوهان فاديفول لانتقادات داخل حزبه بعد تشكيكه في إمكانية عودة أعداد كبيرة من السوريين طوعاً. في المقابل، دعا حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي إلى ترحيل واسع النطاق للسوريين، معتبراً أن أسس الحماية ستزول لمعظمهم مع انتهاء الحرب، وأن عام 2026 قد يشهد بدء عمليات ترحيل تشمل سوريا. وبحسب بيانات الحكومة الألمانية، بلغ عدد السوريين المقيمين في ألمانيا أكثر من 940 ألف شخص حتى نهاية تشرين الثاني الماضي، يتمتع أكثر من نصفهم بوضع قانوني محمي، في حين يقيم الآخرون بتصاريح إقامة دائمة أو مؤقتة، أو بانتظار البت في طلبات لجوئهم.
تواصل ألمانيا تكثيف علاقاتها مع سوريا، في مسعى منها لدعم المرحلة الانتقالية والمساعدة في إعادة الإعمار لتحقيق “حالة من الاستقرار” في هذا البلد. ووصلت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى دمشق في 20 آذار 2025، والتقت السيد الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني. زيارة بيربوك إلى دمشق ولقاء الشرع هي الثانية لها منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، حيث كانت الأولى برفقة نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في أوائل كانون الثاني 2025. ووصفت بيربوك الوضع في سوريا بأنه “متقلب”، مشيرة إلى أن العديد من الأطراف داخل البلاد وخارجها تحاول “إفشال هذا المسار السياسي السلمي”. وأكدت أن سوريا تشهد نقصاً في الضروريات، خاصة البنية التحتية للطاقة، مشيرة إلى أن ألمانيا ترغب في دعم دمشق في إعادة الإعمار بما في ذلك تحديث محطات الطاقة.
كانت ألمانيا، وقبيل قدوم بيربوك إلى دمشق بثلاثة أيام، تعهدت بتقديم مساعدات للسوريين بقيمة 300 مليون يورو إضافية (326 مليون دولار) من خلال الأمم المتحدة ومنظمات مختارة. وقالت الخارجية الألمانية إن أكثر من نصف هذه الأموال سيستفيد منها الشعب السوري، مؤكدة أن التمويل سيخصص لتوفير الغذاء والخدمات الصحية وملاجئ الطوارئ، بالإضافة إلى تدابير الحماية للفئات الأكثر ضعفاً. ولفتت إلى أن اللاجئين السوريين والمجتمعات المستضيفة في الأردن ولبنان والعراق وتركيا سيتلقون الدعم أيضاً. جاءت هذه المنحة الألمانية في إطار مؤتمر مانحين نظمه الاتحاد الأوروبي في 17 آذار 2025، وتعهد فيه بتوفير 5.8 مليارات يورو من التمويل لسوريا.
تنبع خصوصية ألمانيا في الانخراط في الملف السوري من كونها تضم أكبر جالية سورية في أوروبا بعد استقبالها مليون لاجئ عقب اندلاع الثورة في بلدهم عام 2011، ولهذا كانت ألمانيا من أولى الدول الغربية التي فتحت قنوات تواصل عاجلة مع القيادة الجديدة في سوريا عقب سقوط الأسد. ومنذ سقوط النظام المخلوع، شددت ألمانيا خلال مؤتمرات دولية على ضرورة وجود عملية سياسية شاملة لضمان مستقبل سلمي لسوريا. ومنذ مطلع عام 2025 يوجد في دمشق فريق دبلوماسي ألماني من أجل مواصلة دعم سوريا على المستويات كافة، والاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية، وتخفيف العقوبات بشكل أكبر عن البلاد. وبفضل هذا الوجود الدبلوماسي تسهم ألمانيا بشكل أفضل في أكثر من قطاع خدمي، علاوة على دعم المنظمات الإنسانية.
إعادة إعمار سوريا
تظهر مساهمة ألمانيا كذلك من خلال مساعدة الحكومة السورية في إحياء قطاع الكهرباء، لما في ذلك من أهمية لحياة السكان. وكان ملف الكهرباء موضع نقاش بين ممثلي الحكومة الفيدرالية الألمانية والدولة السورية الجديدة. وكان لافتاً أنه يجري العمل على إعادة تشغيل محطة دير علي لتوليد الكهرباء بريف دمشق بمساعدة من مجموعة “سيمنز” الألمانية. انطلق البرلماني الألماني في مقاربته لقضية اللجوء من أن غياب مبرر البقاء في الدول المستضيفة عندما يتوفر الأمن والاستقرار والسلام في سوريا، عندها تستطيع الدول المستضيفة أن تشجع على العودة الطوعية، وذلك مع ضرورة التمييز بين مستوى المعيشة وبين الحاجة للحماية.
ألمانيا، الدولة الأثرى في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم، تحتضن مليون لاجئ سوري، منهم نحو 70 ألفاً حازوا الجنسية الألمانية، الأمر الذي يجعلها من أوائل الدول التي لها دور في إعادة الإعمار بسوريا. تعد عملية إعادة الإعمار كحافز للاستقرار أهم بكثير من المساعدات، حيث يمكن لمشاريع الإعمار أن تسهم بشكل كبير في تحول عودة اللاجئين من قرار اضطراري إلى خيار اقتصادي واجتماعي مستدام. نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بكل القطاعات والبنى التحتية في البلاد منذ عام 2011 وحتى انتهاء العمليات العسكرية في 8 كانون الأول 2024، تغيب الإحصائيات الدقيقة لتكلفة إعادة الإعمار، إلا أن أبرز الأرقام تتحدث عن تكلفة تتراوح بين 250 و400 مليار دولار، بحسب تقديرات للبنك الدولي ومركز “كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط”، بينما تذهب تقديرات أخرى لتتجاوز 800 مليار دولار.
لا تزال معظم طلبات اللجوء المقدمة من السوريين والسوريات عالقة لدى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، نتيجة الوضع الأمني والسياسي غير المستقر في سوريا، حيث توقفت معالجة هذه الملفات تماماً لفترة طويلة عقب سقوط نظام الأسد. ومنذ أيلول 2025 عاد المكتب لاستئناف البت في الطلبات، لكنه ركز في البداية على قضايا المجرمين والمهددين بالخطر، إضافة إلى الرجال الشباب المستقلين والمسافرين بمفردهم، بينما تبقى طلبات العائلات والنساء والأطفال قيد الانتظار. وحققت طلبات لجوء السوريين في عام 2025 نسبة قبول منخفضة للغاية لا تتجاوز 5%، مقارنة بما كانت عليه سابقاً من مستويات تقارب 100%. وأيدت المحاكم الإدارية هذا التوجه، في وقت شهدت فيه أعداد الطلبات انخفاضاً ملحوظاً، إذ سجل العام الماضي نحو 23 ألف طلب، بعد أن كانت 77 ألفاً في العام السابق وأكثر من 100 ألف في 2023.
مع التحول السياسي الكبير في سوريا برز دور ألمانيا في إعادة إعمار سوريا، وذلك كونها أكبر اقتصاد أوروبي وصاحبة خبرة عريقة في إعادة الإعمار تاريخياً بعد الحرب العالمية الثانية والتوحيد الألماني، كما تمتلك ألمانيا أدوات مالية وفنية يمكن أن تسهم في النهضة السورية. مول بنك KfW خلال سنوات الحرب برامج إغاثية وتنموية بتنفيذ من الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، ركزت على إصلاح البنية التحتية الأساسية (مياه وصرف صحي وكهرباء) ودعم التعليم وخلق فرص العمل، وبلغ إجمالي التزامات KfW في عام 2024 حوالي 59 مليون يورو، وارتفعت المخططات لعام 2025 إلى نحو 80 مليون يورو، مما يعكس نية برلين تكثيف الدعم مع تغير الظروف.
شملت المبادرات الجديدة تمويل مشروعات إمدادات مياه الشرب عبر اليونيسف، وبرامج إعادة تأهيل البنية التحتية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لتحفيز الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك المساهمة في إعادة تأهيل بعض المشافي في القطاع الصحي. كما مول KfW عبر الصندوق الائتماني متعدد المانحين المعروف بـ”صندوق إعادة إعمار سورية” (SRTF)، منذ 2013، مشاريع في مناطق الشمال المحررة خلال الحرب، وجذب هذا الصندوق تمويلاً تجميعياً بنحو 370 مليون يورو من 12 جهة مانحة. ويتم حالياً افتتاح مكتب للصندوق في دمشق وتوسيع عملياته لتشمل جميع أنحاء سوريا مع إشراك الحكومة السورية الجديدة، وهي خطوة مهمة نحو تنسيق إعادة الإعمار ودمج السلطات السورية فيها بعد العزلة الطويلة.
كان الرئيس الشرع تلقى في شباط 2025 اتصالاً هاتفياً من المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، أكد خلاله استعداد ألمانيا لدعم إعادة إعمار سوريا. وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية في بيان إن شولتس أعرب خلال المكالمة التي استمرت زهاء ساعة عن تهنئته للشعب السوري على نجاحه في إنهاء حكم نظام بشار الأسد. دعا تقرير للمعهد الألماني للتنمية والاستدامة (IDOS) بتاريخ 18 آذار 2025 إلى استخدام برنامج “النقد مقابل العمل” كأداة رئيسية لإعادة إعمار سوريا وتعزيز التماسك الاجتماعي بعد سنوات من الصراع العنيف. وسط التحديات الهائلة التي تواجه سوريا، بما في ذلك نقص الغذاء والعمل والرعاية الصحية والبنية التحتية، فضلاً عن انعدام الثقة بين مختلف المجموعات السكانية، يقترح التقرير أن برامج “النقد مقابل العمل” يمكن أن تساعد في حل المعضلة المتمثلة في أن إعادة الإعمار الاقتصادي تتطلب حداً أدنى من الاستقرار السياسي، والذي يعتمد بدوره على تحسين الوضع الإنساني.
اليابان من ضفة الشرق
ما بين تحقيق الاستقرار السياسي وتحسين الوضع الإنساني، تعمل سوريا على تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول الشقيقة والصديقة، بما يسهم بشكل فعال في دعم جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، والتي تشكل بمجملها الشرط الأساس في تهيئة الظروف لعودة اللاجئين والنازحين إلى بلادهم ومدنهم وقراهم. تمثل المنحة اليابانية الموجهة لقطاع الطاقة السوري أكثر من مجرد دعم مالي، فهي بمثابة محاولة لإنعاش القطاع الأساسي الذي يبث الحياة في القطاعات الأساسية الأخرى في البلاد، وتأتي هذه المنحة في سياق التعاون المستمر بين طوكيو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، وكخطوة استراتيجية نحو التعافي المبكر.
هذه المنحة، البالغة قرابة ملياري ين ياباني، تسعى لترميم الحياة اليومية للسوريين في عدد من المحافظات التي تعرضت البنية التحتية فيها لدمار واسع خلال الحرب، فهل تستطيع هذه المشروعات الإنمائية أن تكهرب الاقتصاد السوري وأن تهيئ لمرحلة جديدة من الاستقرار الخدمي؟ بحسب المراقبين، يسهم توفير التيار الكهربائي واستقرار الطاقة المتأتي من هذه المنح المالية في تحسين المؤشرات الإنسانية، من خلال خفض تكاليف المعيشة وإعادة تنشيط المهن الصغيرة والصناعات المحلية في المناطق المتضررة، مما يدفع بعجلة الإنتاج ويسهم في تثبيت السكان في مناطقهم، ويشجع في الوقت نفسه اللاجئين على العودة الطوعية إلى بلادهم سوريا.
جاء توقيع اليابان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الثلاثاء الماضي، اتفاقية تقديم منحة إلى سوريا بقيمة 1.952 مليار ين ياباني في سياق التعاون المستمر بين الجانبين منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك لتعزيز استقرار إمدادات الطاقة في المناطق التي أصابها ضرر كبير خلال سنوات الثورة السورية. وقالت السفارة اليابانية بدمشق في بيان لها إن القائم بأعمال السفارة أكيهيرو تسوجي، والممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا محمد صديق مضوي، وقعا وتبادلا المذكرات المتعلقة بالمنحة المقدمة إلى سوريا. وتقدر قيمة المنحة، بحسب البيان، بـ1.952 مليار ين ياباني، وذلك لمشروع تعزيز استقرار إمدادات الطاقة في المناطق المتضررة من النزاع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
أوضح البيان أنه منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 استمر الوضع الإنساني في البلاد بالتدهور، وأنه بالرغم من التطورات في سوريا منذ كانون الأول 2024، فإن الوضع الإنساني لا يزال متردياً، لا سيما في قطاع الكهرباء. حيث برزت أزمة نقص حاد في الطاقة نتيجة لعدة أسباب أبرزها الأضرار التي لحقت بمحطات توليد الكهرباء من جراء النزاع، ونقص الوقود، بالإضافة إلى صعوبة استيراد المعدات وقطع الغيار. وأضاف البيان أن تعزيز استقرار إمدادات الطاقة يعد أولوية ملحة نظراً لارتباطها بتقديم الخدمات العامة وتأثيرها على حياة المدنيين، ويهدف هذا التعاون إلى تحسين نظام إمدادات الطاقة من خلال تجديد المعدات والمكونات القديمة في محطة “جندر” لتوليد الكهرباء، التي تزود محافظات حمص ودير الزور وريف دمشق ودمشق بالكهرباء بشكل أساسي.
لفت البيان إلى أنه من المتوقع أن يسهم هذا التعاون في تحسين الوضع الإنساني في سوريا، وإنعاش وإعادة إعمار المناطق المتضررة من النزاع. كما تأتي الأهمية الاستراتيجية لمحطة “جندر” لكونها المغذي الرئيسي لمساحات جغرافية واسعة من البلاد، وسيسهم تجديد المعدات المتهالكة بالمحطة في تقليل الفاقد الكهربائي، وزيادة ساعات التغذية، وانعكاس ذلك مباشرة على تشغيل المنشآت الحيوية في هذه المناطق. أعلنت الحكومة اليابانية مطلع تموز الماضي أنها صوتت لصالح المشروع الطارئ للكهرباء في سوريا “SEEP”، في اجتماع مجلس إدارة البنك الدولي، مؤكدة أن القرار يهدف إلى دعم سوريا وشعبها. وقالت السفارة اليابانية في سوريا حينها في منشور على منصة “إكس”: “على أمل تحسين إمدادات الكهرباء في سوريا ودعم الحياة اليومية للناس، صوتت اليابان لصالح المشروع الطارئ للكهرباء في سوريا (SEEP) خلال اجتماع مجلس إدارة البنك الدولي”.
جاء قرار الحكومة اليابانية في 30 أيار 2025 برفع جزء من العقوبات المفروضة على سوريا، وذلك بإخراج أربعة بنوك سورية من قائمة تجميد الأصول، في سياق انفتاح ياباني على سوريا الجديدة بعد سقوط النظام المخلوع، وهو ما رحبت به دمشق، معتبرة هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً على التوجهات الدولية الداعمة لتعافي البلاد وتعزيز استقرارها الاقتصادي. أعلن البنك الدولي في حزيران الماضي عن منحة بقيمة 146 مليون دولار، معتمداً مشروع طوارئ الكهرباء السورية (SEEP)، الذي يهدف إلى إعادة تأهيل خطوط النقل ومحطات التحويل الفرعية المتضررة خلال سنوات الحرب، وذلك من خلال مساعدة فنية وهيكلية بالتعاون مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء (PETDE).
شهد قطاع الكهرباء في سوريا خلال الحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب السوري تدهوراً كبيراً، كما تعرضت البنية التحتية لخسائر جسيمة نتيجة غياب الصيانة والاستثمار، ما أدى إلى عجز الشبكة عن تلبية حاجات السكان والقطاعات الحيوية الأساسية. بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع يوهيني أونيشي نائب وزير الخارجية الياباني، خلال زيارته لدمشق في 23 كانون الأول الماضي، آفاق تطوير التعاون الثنائي في الجوانب الاقتصادية والمالية، كما ناقش الجانبان عدداً من الخيارات المرتبطة بملف الديون، مؤكدين استمرار التنسيق والحوار بما يسهم في تعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الاقتصادية بين البلدين.
شدد الجانب السوري على أهمية الدور الياباني في دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار في سوريا وسبل توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، ولا سيما عبر تشجيع الشركات والمستثمرين اليابانيين على دخول السوق السورية والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة. في 15 نيسان 2025 أعلن الصندوق الائتماني لإعادة إعمار سوريا (SRTF) عن مساهمة جديدة بقيمة 3 ملايين يورو مقدمة من اليابان، وهي المساهمة التاسعة منذ تأسيس الصندوق، وهذا ما يؤكد التزام اليابان بتقديم المساعدة الأساسية للشعب السوري. وبذلك يرتفع إجمالي مساهمات اليابان في الصندوق إلى 56.36 مليون يورو، فيما بلغت المساهمات الإجمالية من جميع المانحين الـ12 نحو 372.73 مليون يورو فقط.
المساهمة ستوفر دعماً بالغ الأهمية
في هذا السياق قال القائم بالأعمال والمنسق الخاص لسوريا في السفارة اليابانية أكيهيرو تسوجي إن هذه المساهمة تعكس ثقتنا في الأثر الإيجابي لعمل الصندوق، وتأتي في لحظة محورية مع دخول سوريا مرحلة جديدة من التعافي. كما وقع تسوجي في 11 كانون الأول الماضي مع ممثل المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا غونزالو فارغاس يوسا، المذكرات الخاصة بمنحة الشراكة المقدمة من اليابان إلى سوريا ضمن مشروع “الحماية الإنسانية للعودة المستدامة وإعادة الاندماج”، التي تبلغ قيمتها نحو 5.37 ملايين دولار أميركي، وذلك في فندق الفورسيزونز بدمشق.
قال تسوجي بعد التوقيع: “إن لليابان وسوريا تاريخاً طويلاً من الصداقة والتعاون، وأن بلاده كانت دائماً داعماً كبيراً للشعب السوري، وأن هذه المنحة تصادف الذكرى السنوية لسقوط نظام الأسد”، لافتاً إلى أن المساهمة تجسد التزام الشعب والحكومة اليابانية بالوقوف إلى جانب السوريين واستمرارهما في تقديم المزيد من المساهمات والاستجابة للاحتياجات الإنسانية، وبذل الجهود لدعم ومرافقة الشعب السوري خلال هذه المرحلة، بحسب وكالة سانا. في حين قال فارغاس يوسا إن هذه المنحة تأتي في لحظة حرجة من تاريخ سوريا، بعد مرور عام على التحرير، وتصادفت مع يوم حقوق الإنسان العالمي، باعتبارها مبادرة كريمة من الحكومة اليابانية التي تربطها بسوريا شراكة طويلة تمتد لسنوات، مشيراً إلى أن هذه المساهمة ستوفر دعماً بالغ الأهمية، إذ ستتيح لنحو مليون ونصف المليون سوري الحصول على الوثائق الرسمية، بما يمكنهم من ممارسة حقوقهم الإنسانية عبر الحصول على مستندات تثبت هويتهم أو تؤكد ملكيتهم للأراضي والمنازل التي يعودون إليها.
بالمقابل، أوضح مدير إدارة الشؤون الأفروآسيوية والأوقيانوسية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد زكريا لبابيدي أن هذه المنحة تحمل دلالات سياسية وإنسانية مهمة، وتتزامن مع الذكرى الأولى للتحرير، مجسدة الإرادة المشتركة لكل من الحكومتين السورية واليابانية ومنظمات الأمم المتحدة للعمل معاً دعماً لاستقرار سوريا وشعبها في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا الجديدة. وبين لبابيدي أن علاقات الصداقة بين سوريا واليابان تعود إلى عام 1953، ومع افتتاح سفارة اليابان في دمشق عام 1962 أصبحت اليابان من أبرز الدول الداعمة للشعب السوري، ليعود البلدان إلى تفعيل وتعزيز العلاقات الثنائية بعد التحرير على مختلف المستويات، لافتاً إلى أن المشروع الموقع اليوم ليس عملاً منفصلاً، بل يمثل جزءاً أساسياً من مسار التعاون الثنائي بين البلدين، ويعكس الإرادة السياسية المشتركة لفتح آفاق جديدة للعمل المشترك.
وبين لبابيدي أن الحكومة السورية ملتزمة بترجمة المكاسب السياسية إلى مشاريع وفرص تخدم المواطنين، وتدعم مسار إعادة الإعمار والبناء، وتساند جهود الدولة في تهيئة الظروف الملائمة والآمنة والكريمة لعودة المهجرين واللاجئين السوريين، وتحسين سبل العيش. وشدد لبابيدي على أن طريق التعافي في سوريا يتطلب تضافر الجهود، مؤكداً إيمان سوريا بأهمية التعاون مع الشركاء الدوليين والأمم المتحدة، وفي مقدمتهم اليابان ومفوضية اللاجئين، لما له من دور في تقديم حلول عملية وملموسة على أرض الواقع وتعزيز فرص الاندماج المستدام، متوجهاً بالشكر لليابان ولمفوضية اللاجئين على التزامهما الإنساني وجهودهما الحقيقية في دعم الشعب السوري.
قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إن اليابان كانت وما زالت تنظر إلى الحالة الإنسانية في سوريا، ومن ثم دعمها، على محمل الجد وبذل كل الجهد العملي المباشر من أجل الخروج من واقع الألم الإنساني الذي خلفه في الجغرافيا السورية نظام الفاشية الأسدية عبر أربعة عشر عاماً من العنف والقتل والاعتقال وتدمير البنية التحتية السورية، حيث تجاوز التهديم ما نسبته 65 بالمئة من البنية العمرانية في مجمل الأراضي السورية. وأضاف سعدو في تصريح لـ”الثورة السورية” أن المنحة اليابانية الموقعة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هدفها تعزيز الاستقرار في سوريا وكذلك إمدادات الطاقة، وتعتبر خطوة مهمة على طريق البناء وإعادة الاشتغال الحقيقي والمباشر على موضوع إعادة إعمار ما هدمته يد الغدر والإجرام الأسدي خلال سنوات القهر والظلم الممارس ضد الشعب السوري برمته، منوهاً بكبر حجم المنحة اليابانية، الذي يوحي بمدى الاهتمام الدولي، وخاصة الياباني، بموضوع إعادة إعمار سوريا وترميم واقع الخراب البنيوي في سوريا من أجل المساعدة على إعادة قيامة الشعب السوري ضمن مسارات البناء والتنمية، التي افتقدها الإنسان السوري خلال حكم آل الأسد وأدت إلى ما أدت إليه في الواقع السوري الصعب الذي أوصل سوريا إلى حالة الدولة الفاشلة مع نهايات عام 2024.
قال سعدو إن هذه البوابة الدعموية اليابانية سوف تفتح الباب على آفاق واسعة من تشابك العلاقات مع سوريا، مؤكداً أنها ستؤسس لتعاون أرحب وأكثر اتساعاً، ومن ثم البناء الحقيقي في سياق علاقات اقتصادية وسياسية واسعة ومتواصلة. وبين سعدو أن فتح الباب الياباني الواسع هذه المرة سيأخذ مكانه دولياً، وسيسهم بالضرورة في تشجيع كل الدول التي كانت مترددة في الدخول في سياقات المنح والاستثمارات أيضاً، ضمن واقع سوري جاذب ومفتوح وعلى هدي قوانين جديدة وعصرية للاستثمار ضمن الأراضي السورية بشكل عام، وخاصة بعد اتفاق الحكومة السورية مع قسد لإعادة الدمج عسكرياً ومدنياً في الدولة ومؤسساتها على كل الصعد، مشيراً إلى أن الكثير من الأوروبيين وكذلك الأميركيين والإخوة العرب يتطلعون إلى انخراط جدي وفاعل نحو سوريا لدعم مسيرة البناء الواعدة، التي أضحت محط أنظار ومتابعة كل المهتمين في الواقع السوري الخارج من حرب مدمرة والمتطلع نحو بناء الوطن السوري الواحد.
في تشرين الأول 2025 التقى وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق القائم بأعمال السفارة اليابانية في دمشق ومسؤول وكالة التعاون الدولي اليابانية “جايكا”، وأكد الوزير خلال اللقاء على أهمية الاستفادة من الخبرة اليابانية الواسعة في مجال إعادة الإعمار، ولا سيما في مجالي السلامة الإنشائية وإدارة الكوارث، وتطوير أنظمة البناء والتخطيط الحضري، بما يضمن تأمين عودة آمنة للمهجرين، وخاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه عمل الوزارة. ومن جهته أعرب رئيس وفد “جايكا” عن رغبة الوكالة في تقديم خبراتها الفنية والتقنية ودعم بناء القدرات وتوفير الدعم الفني لكوادر الوزارة، بما يسهم في تعزيز جهود إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية في البلاد، ولا سيما أن الوكالة تعد من أبرز الجهات الدولية الداعمة لبرامج التنمية وبناء القدرات في الدول النامية، وتتمتع بخبرة واسعة في مجالات إدارة الكوارث.
كانت وحدة إدارة صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا أعلنت في 27 آذار 2025 أن اليابان قدمت مساهمة إضافية في موارد الصندوق تبلغ 12.7 مليون دولار أميركي. تحمل المنح والمساعدات التي تقدمها اليابان للشعب السوري في طياتها أبعاداً سياسية عميقة تنطلق من عمق العلاقات المتجذرة بين دمشق وطوكيو منذ خمسينيات القرن الماضي، وفي الوقت نفسه تنم هذه المساعدات عن دلالات إنسانية كبيرة، وترغب اليابان أن تحذو الجهات المانحة الأخرى حذوها في تقديم الدعم المالي والفني من أجل إحداث التغيير على الأرض بما يوفر حياة أفضل للسوريين، ويسهم بعودة اللاجئين بشكل طوعي إلى بلادهم، بعد تدوير عجلة الاقتصاد وإعادة الإعمار.
وعليه، يتضح أن قضية اللاجئين السوريين ليست مجرد أزمة إنسانية، بل هي تحدٍ يتطلب رؤية استراتيجية تجمع بين الجهود الدولية والمحلية. الاقتراحات الألمانية والدعم الياباني تمثل خطوات إيجابية نحو بناء سوريا مستقرة، حيث يصبح إعادة الإعمار ليس فقط عملية مادية، بل حافزاً حقيقياً لعودة السوريين إلى وطنهم، مع ضمان كرامتهم وحقوقهم. مع استمرار هذه الجهود، قد تشهد السنوات القادمة تحولاً جذرياً في خريطة اللجوء السوري، نحو مستقبل أكثر أملاً واستدامة.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى