التعصب والتطرف وثقافة الإقصاء بذوره وجذوره في التاريخ العربي

بشير حنيدي‏

لفهم أية ظاهرة من الظواهر الاجتماعية المستديمة بواقعنا المعاصر، لا بد من تتبع بذورها وجذورها التاريخية ووضعها بموقعها الحقيقي بسياق حركة التاريخ الذي نشأت ونمت فيه وصولاً إلى رسوخها في الواقع المجتمعي.
بهذا المنطق، وباقتفاء آثار الظاهرة على مسار حركة التاريخ العربي، نجد أن للظاهرة بذور وجذور، قد رسخت بعمق البنية العقلية والنفسية والثقافية للإنسان العربي، منذ المرحلة الجاهلية ما قبل الإسلام.
وفي مرحلة ما قبل الإسلام بجزيرة العرب، فإن للبيئة الاجتماعية، ولطبيعة العلاقات القبلية والصراع القبلي، دور محوري كبير بتشكيل هذه البذور والجذور ، ومن ثم تنميتها تاريخياً ، لتشكل في النهاية إحدى محددات سلوك الإنسان العربي ( فرداً ومجتمعاً ) على مدى قرون وقرون وحتى اللحظة الراهنة .
وليس للبيئة الاجتماعية فقط ، بل حتى للبيئة الجغرافية التي نشأ فيها الإنسان العربي ، دور كبير بنشأة وتنمية هذه البذور والجذور ، وهذا ما يراه ابن خلدون في ( المقدمة ) ، فالطبيعة الصحراوية ( المتطرفة / بوحشتها ، وحرارة شمسها نهاراً ، وقسوة بردها ليلاً ، وعواصفها ورمالها وغيىره ) ، عكست طباعها على نفسية الإنسان العربي ، فجعلت منه إنساناً عصبياً انفعالياً حاد المزاج ، سريع الغضب والانفعال ، تستفزه أبسط الأمور والمواقف والأفعال ، فتأخذه إلى ردود أفعال سريعة غاضبة ، دون أي لحظة تأمل أو تفكير عقلاني .
أبرز ما يعبر عن هذه الظاهرة بسلوك الإنسان العربي الأول هي ظاهرة ( العصبية القبلية ) ، وما تفرع عنها من عشائرية وأسروية وغيرها .
من حيث المبدأ ، العصبية القبلية في الطور القبلي من أطوار التكوين الاجتماعي ، لم تكن ظاهرة سلبية كما يراها البعض ، إنها نزعة فطرية تربوية ، تعبر عن حب المرء وولائه لدائرة انتمائه الاجتماعي سواء كانت أسرة ام عشيرة أم قبيلة أم شعب ام أمة ، فهي ثقافة ونزعة نفسية ، جاءت انعكاساً موضوعياً عن الوجود الاجتماعي الموضوعي للقبيلة ، إنها سمة موضوعية مشتركة بين كل أمم الأرض في المرحلة القبلية من مراحل تطورها الاجتماعي .
وهي في الواقع العربي كما يراها ابن خلدون : ( محور فخر واعتزاز لكل قبيلة ذات شان من بين قبائل العرب ، إذ هي مظهر من مظاهر الأصالة والنقاء في النسب ، ولا عزة ولا كرامة لقبيلة ضعفت عصبية أبنائها ) ، وقد كان للعصبية القبلية في التاريخ العربي دور إيجابي فاعل بنصرة أنبياء الله وديانات السماء كما يرى ابن خلدون : (( …. إن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم …….. وهكذا كان حال الأنبياء في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب ، وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء ، لكنه إنما يجري الأمور على مستقر العادة )) ، ومستقر العادة هنا هو الدور الفاعل للعصبية القبلية بتحديد مواقف الفرد وسلوكياته .
والمجتمع العربي قبل ثورة الإسلام وحتى بعدها كما يرى الدكتور محمد عمارة : ( لم يكن يعترف بالفرد دون أن يكون له قبيلة ، حتى الموالي من غير العرب التحقوا بقبائل عربية ، أو كونوا لهم قبائل بعد أن زاد عددهم أيام الفتوحات الإسلامية ، ويروى عن الرسول أنه كان لا يترك المرء مفرجاً ، حتى يضمه إلى قبيلة ينتمي إليها ، وذلك إقراراً بدور العصبية القبلية وتأثيراتها التي لا يستطيع أن يحيط بأبعادها أفقنا العصري المستنير ) .
عندما جاء الإسلام وسط هذه الأجواء في المرحلة القبلية من تاريخ العرب ، واعترافاً بحتمية الوجود الاجتماعي الموضوعي للقبيلة ، وهي من صناعة الخالق ذاته ( وجعلناكم شعوباً وقبائل ) ، لم يرفض العصبية القبلية من حيث المبدأ ، ما رفضه تحديداً هي العصبية ( الجاهلية / الحمقاء ) ، التي لا تفرق بين حق وباطل ، وقد عبر عنها بوضوح الشاعر الجاهلي دريد بن الصمة :
وما أنا إلا من غزية إن غوت ….. غويت وإن ترشد غزية أرشد
إنها الغواية الحمقاء التي أوقدت نيران الصراع القبلي في كثير من المراحل بتاريخ العرب ، فأعاقت جدلية التطور الاجتماعي التاريخي للأمة العربية ، حتى أنها كانت من أبرز دوافع رفض الدعوة الإسلامية في بداياتها عند كثير من العرب :
– أمية بن أبي الصلت الثقفي يقول صراحة : (( والله لن أؤمن بنبي إن لم يكن من ثقيف )) .
– انصار مسيلمة الكذاب يعترفون صراحة : (( نعلم أن مسيلمة كذاب .. ومحمد صادق ، لكن كذاب ربيعة ، أحب إلينا من صادق مضر )) ، مع أن ربيعة ومضر أشقاء من أب واحد ، هو نزار بن معد بن عدنان .
هذا في بداية الدعوة إلى الإسلام بحضور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، أما بعد .. فكانت العصبية القبلية الجاهلية وما تفرع عنها عاملاً من أبرز عوامل الصراع على السلطة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة ، بين فريقي الأنصار والمهاجرين بداية في سقيفة بني ساعدة ، وبين الجميع فيما بعد على مدى قرون .
عالج الإسلام هذه المسألة فكرياً بنصوص كثيرة ، في القرآن و السنة ، إلا أن الصراعات السياسية الساخنة ، والدامية في كثير من المراحل ، التي بدأت بلحظة غياب الرسول الكريم ، وقفت حائلاً دون استئصال بذور هذه العصبية ، أو دون القدرة على إحباط حالة نموها وتناميها ، أو دون المقدرة على ضبطها ضمن حالة الولاء للأمة ككل .
بل إن هذه الصراعات ، قد أسهمت بشكل مباشر بتنميتها ، ومن ثم بإنعاشها باتجاهات أخرى ، حيث أفرزت مواقف مختلفة متناقضة على خلفيات سياسية ، تبلورت فكرياً وعقائدياً لتنشأ عنها مذاهب فكرية مذهبية مختلفة متناقضة ، أضافت إلى العصبيات القبلية الجاهلية عصبيات جديدة من نوع آخر ، ذات طبيعة دينية مقدسة ، تتوارثها الأجيال العربية المتعاقبة جيلاً بعد جيل كمعتقد ديني مقدس ، وهي العصبيات ( المذهبية / الطائفية ) .
وهكذا ترافقت العصبيتان القبلية والمذهبية الطائفية ، كل منهما تفعل فعلها في الواقع الاجتماعي ، تبعاً لطبيعة الأحداث والمؤثرات ، وتبعاً للمواقف وأسباب وأهداف ونتائج الصراع .
وفي سياق حركة الصراع الاجتماعي تاريخياً ، تنامت ظاهرة العصبية بشكليها القبلي والمذهبي ، وتحولت من حالة الحب والولاء للقبيلة أو للطائفة ، إلى حالة من العداء للآخر المختلف قبلياً أو طائفياً ، وإن كانت بحالة كمون في الكثير من المراحل ، فإنها لا تلبث أن تشتعل بمراحل أخرى صراعاً دموياً إلى درجة التكفير واستباحة الدماء .
ومن مواقع الصراع الدامي على خلفيات مذهبية دينية مقدسة ، نشأت ظاهرة ( التكفير الديني ) ، التي لم يكن المجتمع العربي يعرفها حتى في المرحلة الجاهلية قبل الإسلام رغم كل الاختلافات والتناقضات القبلية والدينية التي كانت سائدة .
وإن كل مراحل التاريخ العربي ، منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى هذه اللحظة ، التي اتسمت بالصراعات السياسية الدامية ، عملت على ترسيخ وتنمية الظاهرة ، بساحة الوعي والثقافة العربية .
مثلما كان لحالة الظلم والاضطهاد والقمع والاستبداد ، التي رافقت كل هذه الحقبة ، منذ قيام الدولة الأموية حتى اليوم ، مروراً بمراحل الغزو الخارجي والاستعمار الحديث وما بعدها ، دور كبير بترسيخ الظاهرة ، حتى أصبحت تأخذ دورها كرد فعل مباشر على هذا الواقع المستديم .
هكذا تحولت تاريخياً إلى جزء من منظومة ثقافية مجتمعية عامة ، ومن ثم إلى نزعة نفسية متوارثة ، تتوارثها الأجيال العربية المتعاقبة جيلاً بعد جيل .
وفي عالمنا الحديث والمعاصر ، فإن لنمط التربية والتنشئة الاجتماعية ، دور كبير بتعزيز وترسيخ ثقافة التعصب والتطرف ورفض الآخر ، وبهذا الاتجاه تعمل كل مؤسسات المجتمع العربي المعاصر بدون استثناء ، التقليدية منها والمدنية الحديثة ( الأسرة ، العشيرة ، القبيلة ، الطائفة ، المدرسة ، المنظمة ، الحزب ، و…. ) .
وفي ساحة العمل السياسي العربي الحديث والمعاصر ، كان للأيديولوجيات السياسية دور كبير بهذا الاتجاه ، حيث اتسمت بالاختلاف إلى درجة التناقض والصراع ، ( يسارية ، قومية ، ليبرالية ، إسلامية ، قطرية ، شعوبية ، إقليمية …… ) ، ويمكن القول إن مثل هذه الحالة الأيديولوجية المتناقضة بهذه الحدة من التناقضات ، لم تعرفها إلا المجتمعات العربية ، لأسباب وعوامل مختلفة ، جغرافية تاريخية ثقافية دينية عرقية سياسية … إلخ .
لهذا تجاوزت نزعة التعصب والتطرف ورفض الآخر دائرة الانتماءات المذهبية التقليدية الدينية ، لتدخل دائرة الفكر السياسي المعاصر والأيديولوجيا ، لنصل إلى ظاهرة ( التطرف الأيديولوجي ) ، ومن ثم ظاهرة ( التكفير السياسي / التخوين ) ، وللأسف حتى ضمن دوائر النخبة السياسية ، فتحول الحزب السياسي العربي إلى قبيلة أو إلى طائفة بنموذج معاصر ، ولم يعد هناك فرق بين الحزب والقبيلة سوى رابطة الدم كما قال الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي في كتابه الأخضر .
وللأسف ، ونحن أبناء هذا المجتمع وهذا التاريخ ، فكل منا وبدرجات متفاوتة ، يحمل بأعماق نفسيته بعضاً من آثار هذه البذور ، ربما لا تظهر على البعض أفراداً وجماعات إلا بحالات الاستفزاز والغضب تجسيداً لما قاله ابن خلدون : ( الناس في السكينة سواء ، فإذا جاءت المحن تباينوا واختلفوا ) .
أخيراً : لا بد من التفريق ما بين التطرف و( العنف / الإرهاب ) ، وبدون الحاجة لتحديد المفاهيم فهي واضحة للجميع ، فالتطرف هو الأساس ، أو هو البذرة التي نمت وانتعشت وتنامت عندما توافرت لها الأسباب والعوامل والشروط، فكان الإرهاب الديني أو السياسي هو الثمرة.
وفي التاريخ الحديث والمعاصر، لم تظهر الظاهرة بكل سماتها بهذه الحدة في الواقع العربي إلا بأواخر السبعينيات من القرن الماضي، لأسباب وعوامل مختلفة أعتقد أنها معروفة للجميع، ومهما اختلفت الآراء ووجهات النظر، فكل ما يذكر منها فهو صحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى